سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011
Banner Before Header

ثقافة الحوار

أحمد اليوسف –

تشكل ثقافة الحوار الإطار العام ومقدمة لبناء أسس الديمقراطية، وتدخل هذه الثقافة ضمن اللبنة الأولى من لبنات احترام الرأي والرأي الآخر، ومفهوم ثقافة الحوار يحيلنا إلى قضية معرفية للبحث عن عمق مفهوم هذا التعبير وماهي مقدماته والخطوط التي يتم تأسيس تلك الثقافة وفقها، والحوار يعني تبادل وجهات النظر والاستماع لوجهة النظر المتعارضة بشكل ينم عن احترام وتدقيق، ويقوم مستنداً على التعددية، مع اعتبار أن جميع وجهات النظر محترمة إلا أنّ الحقيقة نسبية وكلٌّ يملك جزءاً لا يتجزأ منها، وأنّ الحقائق دائماً متغيرة تبعاً لظروف الزمان والمكان، ويشكل العقل الأساس الذي يعتمد عليه منطق الحوار، وقد شكلت الحقبة الزمنية الفائتة تراكماً من التطبع والاصرار على إلغاء الآخر وشطبه، واللجوء إلى استعمال الخطابات البعيدة عن الواقع والمنطق، في سلوك بعيد جداً عن السلوك الديمقراطي والحضاري الإنساني، بعيداً عن لغة الحوار ومبادئ ثقافته.
 يمكن أن ترتكز ثقافة الحوار على قدرة الإنسان في التفاعل مع الآخرين، من خلال اعتماد القدرة على الحوار والاستماع إلى الرأي الآخر، والقابلية على احترام وجهة النظر المعارضة بغية التحاور، بالإضافة إلى القابلية على طرح الأفكار بشكل عقلاني ومنطقي سليم يعتمد البساطة، وتهدف المجادلة من أجل الوصول إلى القواسم الإنسانية المشتركة في أية قضية تطرح للحوار، وتلك القدرة يتميز بها الإنسان دون غيره، غير أن تلك القدرة ترتبط أيضا باحترام الرأي الآخر والاستماع له والمقدرة على مناقشته بالوسائل الإنسانية المعهودة .ويبدو للمتابع أن ضعف ثقافة الحوار وتردي الالتزام بها في مجتمعاتنا، ليس نتيجة للتراكمات السلبية للتناحر السياسي الحزبي أو التناقض الاجتماعي والطبقي، ولا بنتيجة التخلف القبلي والعشائري الذي نعيشه، بل هو نتاج خليط لتلك الحقبة الزمنية الطويلة من التربية السلبية الاجتماعية والدينية والعشائرية التي امتزجت زمنا طويلا، لتشكل تلك النتائج الهجينة في السلوك وتردي لغة الحوار وبالتالي انعكاس ذلك حتى على التربية الأسرية داخل البيت، وتعداه إلى المدرسة والمجتمع .وكما يبدو أن ظاهرة إلغاء ثقافة الحوار التي استقرت في حقبات زمنية متفاوتة، وإن خضعت إلى ظروف المجتمع وثقافته، إلا أنها انتشرت بين أوساط العمل السياسي والاجتماعي والديني، حتى باتت ظاهرة سلبية من ظواهر المجتمع. وفي الفترة الأخيرة قد نغالي إذا قلنا إن المرحلة  تؤكد على الالتزام بالحوار والرأي والرأي الآخر واحترام الفكر، جميعها نصوص بحاجة إلى ترجمة عملية، تعكس الإيمان الحقيقي بالالتزام بثقافة الحوار واحترام الرأي الآخر، وأن نشرع في أن نخطو الخطوات الأولى للالتزام بها لتطبيقها، فالنصوص دون تطبيق كالأحلام والتمنيات، لا قيمة لها دون أثر ملموس، لكننا يجب أن نصر على الوصول إلى الطريقة الأمثل في تطبيقها واستقرارها وكقاعدة من قواعد الديمقراطية التي نزعم إننا نريدها في بلدنا.
 وإزاء ما يحدث اليوم فأننا أمام تنافر وتعارض بين تلك المفاهيم التي استقرت زمناً ليس بالقصير وتطبع المجتمع على الالتزام بها سلوكا وممارسة، وبين تلك الرؤى والأحلام التي طالما أردنا أن تكون سلوكنا الجديد في الزمن الجديد، والأرضية التي تقوم عليها ثقافتنا، وحين تحل القيم الجديدة في ثقافة الحوار، يكون البناء متكاملاً.