محمد كني… صوت من زمن أصيل

541
آرين شنكالي –
إذا كان الغناء جزءاً من الثقافة والفلكلور في الثقافات المتعددة فإنّه جزءٌ من التاريخ وأرشيف له في المجتمع الكرديّ ويحتل الغناء مكانة مرموقة بين الفنون الكرديّة ومن أبرزها، ذلك أنَّه كان حافظة الموروث الشعبي الفلكلوري، وكذلك نقل جوانب من العادات والتقاليد حتى الأزياء الشعبية في أزمنة متعددة وكذلك الجانب الهام وبخاصة فيما يتعلق بـ «الأغنية الملحمية» التي نقلت بشي من التفصيل وقائع تاريخية وأحداث كان بعضها فاصلاً في التاريخ الكردي.
العشرات من المطربين الكبار الذين عرفوا بـ «دنك بيج» عرفوا في بقاع شتى من كردستان أمثال:» دمر علي، سلو كورو، عبدلو، حسين فاري، عبدالرزاق جروة…. وغيرهم» ومازال البعض منهم يعيش بيننا ويعتبرون من الكنوز الحية في الفن والغناء الكردي ومنهم المغني المعروف « محمد كني».
تنحدر عائلة الفنان محمد كني من مناطق كربوران في باكور، ويناهز التسعين من العمر الآن، وهي عائلة كردية معروفة بحسها الوطني وتأصل عشق الموسيقا والغناء فيها، وقد توارث محمد الغناء عن والده وجده الذي كان من الأصوات المعروفة في وقته، وكانت العائلة عبر عشرات السنين تنقل عشرات الأغنيات الملحمية شفاها وتطلق مواهبها في الجلسات والمضافات واللقاءات الفنيّة التي كانت أحياناً كمبارزة بين المغنين.
ومغني الأغنية الملحميّة التي تعد من أهم نماذج الغناء الكرديّ وسمة من سماته, يحتاج إلى بديهة وفطنة ودرجةٍ من التمكُّن في الشعر ونظم الكلام، ومقدرة فائقة على الوصف والتعبير وانتقاء المفردة الملائمة، فهي تنقل على الأغلب حدثاً قد يكون معركة أو خلافاً أو نزاعاً أو تفاصيل قصة حب ملحميّة في منطقة معينه، ويجب عليه أيضا أن يتمكن من الارتجال وأن يكون متمكناً من الغناء دون تحضير مسبق وفي الموضوعات كافة، والدقة الملاحظة وسرعة البديهة، والحفظ السريع والنقل الصادق للأغنية لأنَّها تحمل حقائق وأحداثاً وأسماءَ أشخاصٍ لابدَّ من توخي الحذر عند تناولها.
وبالعودة إلى الفنان القدير محمد كني، فقد غنى وهو ابن عشر سنوات، وكان والده يعلمه ويدربه على ذلك كما يقول في بعض الحوارات القليلة معه، ويقول: إنه كان يتمنى أن يستمر الغناء كصفة وموروث في عائلته لكن أبناءَه لم يسلكوا هذا الطريق و هذا ما يقلقه.
كالعشرات من المطربين الشعبيين يحتفظ محمد كني بمئات الأغنيات التي تغنى في الأفراح والمناسبات وكذلك الأغنيات الملحمية، لكنه لم يُدوِّن أيَّاً منها ولم يكتبها، وما زالت آلة « الكمنجة» التي يبدع في العزف عليها ترافقه ويبثها من خفق قلبه وتبثه من قلبها لحن الوفاء لعشرة عمر تمتد عشرات السنوات.
لمحمد كني دور كبير في توجيه العديد من المطربين وتدريبهم وإرشادهم كما يقول كالفنانين المعروفين» محمود علي شاكر، محمد شيخو، رمضان هرميسي، أحمد عيسى، سعيد كاباري، عبد القادر سليمان…» وغيرهم.
يقول كني تعبيراً عما يخالجه عندما يغني في إحدى مقابلاته في «وكاله هاوار»: «الغناء الشعبي هو تاريخنا وثقافتنا. عندما أغني أجد نفسي في رحاب التاريخ وأشعر بكل كلمة أقولها سواء في الحزن أم الفرح لأن الحلقة الأولى في الغناء الشعبي هو التماهي مع الأحداث والمواقف والشعور بها، وهذا ما يضفي الجمال على الصوت. عندما تضع يدك على أذنك وتبدأ بالغناء فإنك بذلك تظهر التاريخ المخفي».
ما يقلق الفنان محمد كني اليوم هو العزوف عن الغناء التراثيّ الأصيل القديم، والأغنية الملحميّة التي تناقلتها الأجيال لمئات السنين، وأمنيته أن يبقى الاهتمام بها والتواصل ودعم ممن يهتمون بها ويغنُّونها لأنَّ الأغنية الشعبيّة ركنٌ أساسيٌّ من تراث وفلكلور شعبيّ يمتدُّ لمئات بل آلاف السنين.