النظامُ الديمقراطيّ… ضرورته ومساراته

23
رامان آزاد –

بناءُ نظام المدنيّةِ الديمقراطيّة (نظريّاً وعمليّاً) ذو أهميّة كبرى في واقع سوريا الحالي، حيث يستمرّ الصراعُ السياسيّ والمسلح بين مختلفِ الأطراف والقوى السياسيّة، فيما اتضحت سوياتٌ مختلفةٌ للمصالح الطبقيّةِ والطائفيّة والقوميّة والإقليميّة والدوليّة.
المشروعُ الوطنيّ الديمقراطيّ ليس ترفاً فكريّاً، بل مشروعُ حلٍّ شاملٍ للأزمةِ وسبيلُ بناءِ دولةٍ عصريّةٍ ديمقراطيّةٍ، ومن المهم معرفة أشكال التحوّل الديمقراطيّ ومساراته وعوامله والتحديات التي تواجهه، والتسلح بقدرٍ من الوعي والمعرفة لنعرفَ مآل المشروع الذي نعمل عليه، ونبدأ بطرحِ السؤال ما الخيارُ البديلُ للديمقراطيّة؟ هل هي الشموليّة، حيث مصطلحات الأقليّة الطائفيّة أو الأغلبيّة الحاكمة، أو نظام التقاسم والمحاصصة الطائفيّ والعرقيّ، مع بقاء البنيةِ الاجتماعيّةِ والاقتصاديّةِ المتخلّفة بسببِ هيمنةِ طرفٍ واحدٍ على الدولةِ وغيابِ الديمقراطيّة والعزلة المفروضة على سوريا.
الديمقراطيّة حاضرةٌ منذ عقودٍ على مستوى الشِعارِ في حياة السوريين، إلا أنّهم لم يعيشوها واقعاً ملموساً، ولم تصبحُ حالةً ثقافةٍ بالمجتمعِ ولم تُترجم إلى سلوكٍ عمليّ مؤسساتيّ، لتكونَ مرجعيّةً فكريّةً وسياسيّةً واجتماعيّةً وأخلاقيّةً، لا بل لم تغادر الديمقراطيّةُ مواقعَ التنظيرِ والخطابِ السياسيّ الشكليّ. وعلى النقيضِ من ذلك، كانتِ الدولةُ في تناقضٍ مع مبدأ الديمقراطيّةِ، وما مُنح بالديمقراطية اُسترجع بالمركزيّة، بتطبيق شعار “الديمقراطيّة المركزيّة”. وكثيراً ما تمّت ملاحقةُ دعاة الديمقراطيّة بتهمٍ مختلفةٍ منها نزعة الانفصالِ والخيانةِ والعَمالةِ، فيما كان سلوكُ النظامِ المعيارَ الأوحدَ للوطنيّةِ والديمقراطيّة، ولم يكن مسموحاً وجودُ شكلٍ من الحراك السياسيّ والثقافيّ والاجتماعيّ وتغيب عنه عيونُ الرقابةِ الأمنيّة، الأمر الذي أدّى إلى عدم نضج الفكرةِ وتبلورها في إطار نظرية واضحةٍ. ولهذا تتعقّدُ اليوم فرصُ الحلّ السياسيّ للأزمة، ويتمّ الدفعُ باتجاه العودة إلى ما قبل بدء الأزمة، تأكيداً لحالة الإفلاسِ لدى القوى السياسيّة، ويُتكلُ على العاملِ الخارجيّ لحلّ الأزمةِ وصياغة الدستور.
ما المقصود بالديمقراطيّة؟!
جذورُ الديمقراطيّة قديمةٌ في الفكرِ الإنسانيّ وظهرت أولُ أشكالها لدى الإغريقِ بظهورِ دولة المدينة، ولكنها اقتصرت على الأقليّة من الأحرار واستثنتِ العبيدَ والنساءَ ولم تتضمن استقلاليّةَ السلطاتِ، واتخذت أشكالاً وتطبيقات متعددة بتطوّرِ المجتمعاتِ والثقافاتِ. وقوامُها فكرة “حكم الشعب ورقابته على الحكومة”، ويتمثل جوهرها بوجودِ آليّةٍ منهجيّةٍ وحضاريّة تدير المجتمعِ سياسيّاً وتضمن تقدّمه.
كانتِ الديمقراطيّةُ الحديثة نتيجةَ مخاضٍ عسيرٍ بأوروبا وصراعاتٍ مسلّحةٍ فطوت صفحة الحرب الدينيّة وعقدت صلح ستفاليا 1648 ودخلت عصرَ التنوير والنهضة الأوروبيّة وظهرت الدول القوميّة، وتبنّت العلمانيّة وانتقلت إلى الليبراليّة بالقرن الثامن عشر ودعت إلى قيم المساواة، فعادَتِ الديمقراطيّة إلى معنى حكم الأكثريّة، والتأكيد على حقوقِ المواطنة لكافةِ المكوّناتِ، والاحتكامِ إلى صناديقِ الاقتراعِ للتنصيبِ والإقالةِ.
لا يمكن تصوّرُ ولادةِ الديمقراطيّةِ دفعةً واحدةً متكاملةً مستوفيةً كلَّ الشروطِ المثاليّة، فهي عمليةُ بناءٍ متراكمة ومتواصلة، تمرُّ بمراحلَ تطورٍ متسلسلةٍ، تستندُ إحداها إلى الأخرى، ولأنَّ كلَّ أبناء المجتمعِ يستفيدون منها فواجبُ المشاركةِ يقع على عاتقهم جميعاً، حتى تأتي أُكلها، وتستلزمُ وقتاً أطول في المجتمعات المتخلفة كما في الحالة السوريّة اليوم بعد الحربِ الطويلةِ.
الديمقراطيّة ليست قالباً ثابتاً يمكنُ استنساخه مباشرةً، دون مراعاةِ الخصوصيّةِ والمعطيات التاريخيّة والواقعِ المُعاش للبلد الذي تُطبق فيه، بل مفهومٌ حيٌّ متغيّر يعكسُ أوضاعُ المجتمعاتِ ومطالبها.
سُبلُ عمليّة التحوّل الديمقراطيّ
تتعددُ نظرياتُ التحوّلِ الديمقراطيّ، فلا تنحصر بمسارٍ واحدٍ، وطريقة موحّدة بين التجاربُ السياسيّة بدول العالم في العقودِ الأخيرة، نظراً للاختلاف الجوهريّ بين واقع هذه الدول، وبالتالي يختلفُ المنطلق وحجم المعوقات والبناءِ المطلوب وفقاً لدرجةِ النقصِ، كما أنّ العواملَ ذات التأثير الحاسم تتباين باختلافِ البلدِ والمرحلةِ الزمنيّة.
بعضُ البلدان انتقلت سلميّاً إلى الديمقراطيّة بمجردِ إنجازِ التحرّرِ الوطنيّ، ولم تستغرق في الصراع المسلّح. فيما كان الانتقال تدريجيّاً في بلدان أخرى من نظامِ استبداديّ إلى ديمقراطيّ، وفي هذه الحالة واجه الانتقالُ الديمقراطيُّ أعمال عنفٍ بين أنصار النظامِ القائم ودعاة الديمقراطيّة، إلا أنَ عواملَ الحسّ الوطنيّ والإيقاع العالي لقادةِ عمليةِ الانتقالِ أنقذتِ البلادَ وساهمت بنجاح العمليةِ، بالتوازي مع الوعي الجماهيريّ في بناءِ مؤسسات الإدارة الديمقراطيّة. والشكل الثالث أنّ تؤديّ أسبابٌ ذاتيّة إلى سقوطِ النظام الاستبداديّ ويتم الانتقالُ بالتوافق حول نظام ديمقراطيّ وهذا المسار يتصف بالسلميّة. فانهيار أنظمة الحكم القديّمة يتم عادةً عبر التظاهر والاحتجاج وقد تتطور أحياناً إلى أعمالِ عنفٍ. وأخيراً أسلوبُ التدخلِ الخارجيّ الذي يتضمن أنواعاً من الضغوط الدبلوماسيّة والاستخباراتيّة، والحرب الاقتصاديّة، والتدخل العسكريّ المباشر لتغيير نظام الحكم بالقوة وقد تغرق البلاد في دوامة العنف كما في أفغانستان وسوريا والعراق.
عوامل ضرورة النظام الديمقراطيّ
يمكن تقسيمُ عوامل تغيير أيّ واقع مجتمعيّ لقسمين متكاملين وهما: ذاتيّ وموضوعيّ، ولا يمكن بناء أو تغيير واقع مجتمعيّ بفصلهما عن بعضهما، وفي العوامل الذاتيّة للبناء الديمقراطيّ يمكن القولُ إنّه يجب الانطلاق من تصوّرٍ واضحٍ للغاياتِ وتحديدُ المعايير والمنظومة الفكريّة لتوحيدِ العمل ليُصارَ لاحقاً إلى تغييرِ الواقعِ الموضوعيّ، أما العاملُ الموضوعيّ فيتصلُ بالبُنى التحتيّةِ الاقتصاديّةِ والبناءِ المؤسساتيّ والإطارِ الثقافيّ والاجتماعيّ. ومن شأن النضجِ النظريّ والسياسيّ أن يعجّلُ بإحداث تغييراتٍ ديمقراطيّةٍ وتنظيمِ العلاقاتِ الاقتصاديّةِ والاجتماعية وتضييقِ الهوةِ الطبقيّةِ، وبالتالي تغيير الواقع الموضوعيّ لممارسة الديمقراطيّة. وقد تسهمُ الظروف الموضوعيّة الطارئة أو الناتجة عن تراكمات بطيئة بإحداث تغيّر فكريّ.
بالمجمل لا تتحققُ الديمقراطيّة بلا مضمون اجتماعيّ واقتصاديّ وثقافيّ خاص بها. ويعودُ ترهلُ المسارِ الديمقراطيّ في سوريا إلى ضعفِ الطبقةِ الوسطى، وهو ما يحمّل المثقفين مسؤوليّة نشر الوعي والدعوة للقيم الديمقراطيّة، بالتوازي مع البناءِ المؤسساتيّ. ومن أهم عوامل البناءِ الديمقراطيّ التي يعوّلُ عليها في استيعاب ثوابتِ المجتمع وتثبيت مرتكزات البناء الديمقراطيّ:
– المجتمع فهو المنطلق، ومصدرُ السلطاتِ نصاً وروحاً وواقعاً، ويجبُ ألا يخضعَ للوصاية بأيّ شكل وتُقيّدَ إرادتُه بتحويله لكتلةٍ من المصفقين ومصادرة حقه بامتلاك الثروة أو النفوذ.
– مبدأ المواطنة الكاملة المتساوية والفاعلة، واعتبارها مصدرَ الحقوقِ والواجبات بدون تمييز عرقيّ أو جنسيّ أو مذهبيّ دينيّ، أو اعتباراتٍ سياسيّة حزبيّة أو اجتماعيّة طبقيّة. والمواطنة حركةٌ تاريخيّةٌ تهدف باستمرار لتأكيد مشاعر الانتماء وزيادةِ دورِ مشاركةِ المواطنِ بالحياة العامة. وتؤكّدُ تجربة سوريا استحالة نجاح أيّ منهج يقوم على الاحتكار والتفرّد والإقصاء والتمترس بالطائفيّة، وعدم إمكان إقامة دولة القانون والمؤسسات بدون اعتماد المواطنة.
– وعقدٌ اجتماعيّ متجددٌ يجسّدُه دستورٌ ديمقراطيّ ليكون الإطارَ القانونيّ المُلزمُ لكلِّ مواطنٍ أيّاً كان موقعه ووظيفته. ولذلك؛ تجبُ مشاركة كلّ المكونات الوطنيّة بصياغة الدستور وضمان إمكانيّةِ تعديله وفقاً للحاجة الماسة، فقد لا يلحظ الدستور الذي تضعه اللجنة المختصة بعضَ المسائل، إذ لا وجودَ لدستورٍ استوفى المثاليّة المطلقة، بل إنّه يخضع للمراجعةِ والتعديل عندما يصبحُ النصُّ القانونيّ عائقاً أمام تطوّرِ المجتمعِ، ويجب أن يراعي العقدُ سياسيّاَ واجتماعيّاً الواقعَ ويأخذ بالاعتبار ضروراتِ التوافقِ السياسيّ وأن يكون نتاج توافقٍ على قواسم مشتركةٍ عبر حوارٍ القوى السياسيّة، ووقفِ الصراعِ وممارسةِ العنفِ. فلكلِّ مجتمعٍ ظروفِه الخاصة ومرجعياته الثقافيّة، ولكلّ مرحلة من مراحل ممارسة الديمقراطيّة ظروفها الخاصة ومتطلباتها.
ـ استقلاليّة السلطات الثلاث، (التشريعيّة، التنفيذيّة، القضائيّة) وتحقيق التوازن بينها وعدم التعارض بين صلاحياتها، وبما يمكّن كلّ منها أن توقفَ الأخرى عند تجاوزِ حدود التفويض القانونيّ الممنوح لها ذلك لأنّ اجتماع أكثر من سلطة لدى جهة واحدة من شأنه أن ينتقص من الحريّة، ولذلك كان من المهم فصل السلطات لجهة الصلاحيات والتأكيد على تعاونها لجهة الخدمة المجتمعيّة والتخطيط والعمل لتحقيق المناعة والتحصين.
ـ تبدأ ممارسة الديمقراطيّة، اعتباراً من داخل الأحزاب السياسيّة ومنظمات المجتمع المدنيّ وفيما بينها؛ ليكونَ المجتمعَ الإطارَ الأوسع لممارسة الديمقراطيّة، وبالتالي تتجّذر ممارستها ة الديمقراطيّة وتكتسب الثقافة السياسيّة قيمةً ومعياراً أخلاقيّاً. فينعكس ذلك على توحيدِ الرأي العام والحوارِ الوطنيّ وعملياتِ الانتخابِ وصولاً للرقابةِ على السلطاتِ الثلاثِ. ووجود الأحزاب السياسيّة ومنظمات المجتمع المدنيّ ليس مجرّد مسألة عدد، وإنما مسألة نوعيّةً ترتبط بعوامل منها: مستوى الوعي والنضج السياسيّ والفكريّ والتنظيميّ لهذه الأحزاب والمنظمات. وفهم طبيعة المرحلة التاريخيّة للمجتمعِ والاستجابةِ لمختلفِ التحدياتِ الداخليّة والخارجيّة. أي قدرة هذه القوى على إعادة تشكيل بنى المجتمع ومؤسساته السياسيّة والاجتماعيّة والثقافيّة التي تضمنُ تفعيل الأسلوب الديمقراطيّ، وإعادة تأسيس منظومة قيميّة وسلوكيّة حول آليات المشاركة بالسلطة السياسيّة تنتج عنها توازنات وتحالفات جديدة بين القوى السياسيّة حسب تنوع مرجعياتها الفكرية والأيديولوجيّة. وتحقق ذلك يضمن نجاح بناء أسس الدولة المدنيّة الديمقراطيّة.
اعتماد الحوار والمرونة والتنازلات المتبادلة من قِبل جميع الأطراف، بعيداً عن التشدد والتفرّد والحساسيّة المفرطة إزاء النقد، وإعادة بناء وتعزيز الوحدة الوطنيّة وتحقيق التوافقات الوطنيّة التي تقتضيها ظروف البلاد الدقيقة. وإلا فالبديل مزيد من الاحتقان الطائفيّ والحزبيّ، الذي ينسف أسس بناء الدولة المدنيّة الديمقراطيّة.
في سوريا طُرح المشروع الوطنيّ الديمقراطيّ اللامركزيّ حلاً للأزمة، وهو يتطلب عملاً جاداً لبناء أوسع تحالفٍ سياسيّ بين القوى والأحزاب والكتل التي تتوافق على المفردات الأساسيّة لهذا المشروع لإقامة الدولة الديمقراطيّة، كما يتطلبُ إصلاحَ العملية السياسيّة وتطويرها، بتنقيتها من التوجّهات والممارسات الطائفيّة، وتوسيع قاعدتها الاجتماعيّة عبر الانطلاق بثبات على طريق المصالحة الوطنيّة، ومعالجة الملفات وإصلاح القوانين الأساسيّة واتخاذ الإجراءات بروح الحرص على المصالح العليا للشعب والوطن.
تحدّيات النظام الديمقراطيّ في سوريا
بعد آذار 2011، تعزّزتِ الانقساماتُ الطائفيّةُ والإثنيّةُ في ظلِّ الأزمة والصراعِ المسلح وتشكّلت مجموعاتٌ مسلحةٌ على هذا الأساس، وانقسم المجتمعُ السوريّ إلى كتل وطوائف تخالف قواعد حركيّة البنية الاجتماعيّة والاقتصاديّة وتناقضاتها، لتعرقلَ الانتقالِ إلى الحداثةِ والتطوّرِ.
أثبتتِ التجربةُ اللبنانيّة أنّ نظامَ المحاصصةِ الطائفيّةِ السياسيّةِ يؤدّي لخلق الطائفيّة بكلّ أشكالها (الفرديّة والمؤسساتية والثقافيّة والاجتماعيّة)، وبكل ما ينطوي عليه ذلك من سلوكٍ وتحيّز واصطفاف، يتجاوز الحياة الشخصيّة والخيارات الفرديّة، وينعكس على النشاط العام وميادين العمل على شكلِ صداماتٍ وربما صراعٍ مسلّح، وهذا ما يقع في سوريا.
يؤدي التغيير الاجتماعيّ بطبيعته لظهورِ مطالبَ ومهامَ جديدة لا تتناسبُ غالباً مع إمكانياتِ النظامِ القائم، ما يتسبب بإحداث مشاكلِ التكيّف التي قد تصلُ إلى المواجهة المسلّحة، وبخاصة في ظلِّ ضعف المؤسسات، الأمر الذي يقود للعودة إلى الانتماءاتِ الأضيق، وتراجع الطابع التعدّدي لصالح الأحاديّة، ومن ثم تصعيد العنف، لذلك يمكن أن يُواجه المجتمع خرائط طائفيّة عرقيّة ودينيّة مذهبيّة جديدة كما في سوريا.
البداية الصحيحة للحلّ بتبنّي القوى والأحزاب السياسيّة المشروع الوطنيّ الديمقراطيّ، الذي يُؤسس لبناءِ الدولةِ المدنيّةِ الديمقراطيّةِ التي تعتمدُ المواطنةَ، وتلتزم بتحقيقِ المساواة والعدالة الاجتماعيّة بين مختلف السوريين، بصرفِ النظر عن انتماءاتِهم التفصيليّة (الدينيّة المذهبيّة والقوميّة والسياسيّة). وتؤكّد التجربةُ طيلة سنوات الأزمة، بأنه لن تُبنى دولة مدنيّة ديمقراطية في ظل ممارساتٍ لا تستوعبُ الآخر المختلف، وتسعى لمصادرة الحريات العامة والشخصيّة، وتنتهك مبادئ حقوقِ الإنسانِ والأعرافِ والمواثيقِ الدوليّةِ. وهذا يناقض الدعواتِ لإقامةِ دولةِ المؤسساتِ والقانون والمدنية الديمقراطيّة.
ومن معوقات بناء هذه الدولة فرضُ الرأي الواحد، وتنميط المجتمع وتأطيره وفق طروحات “الإسلام السياسيّ”، وممارسة الإرهاب الفكريّ بأشكاله المختلفة، ومصادرة الرأي الآخر، وتشجيع وإدامة النزاع الطائفيّ والمناطقيّ، على حساب مبدأ المواطنة والشراكة الوطنيّة. وهذا يضع على عاتق القوى الوطنيّة الديمقراطيّة بكلّ أطيافها مهام كبيرة للنهوض بها لتكونَ بديلاً سياسيّاً واجتماعيّاً وثقافيّاً مقنعاً لنظام المحاصصة الطائفيّة – الإثنيّة، لإنقاذ سوريا من مخاطر جدّية تهدد مستقبله باعتباره كياناً سياسيّاً ووجوداً اجتماعيّاً.
فيما يتعلق بالإشكالات التي تواجه النظام الديمقراطيّ وبخاصةٍ التباين حول تقاسم الصلاحيات، تجدر الإشارة إلى أنّ هذه الإشكالات تكاد تكون سمة عامة بالدول المتقدمة؛ إذ يصعبُ منع تداخل الصلاحيات مطلقاً، ويكمنُ الفرقُ في آليات حلّ هذه الإشكالات. ومن الضروري الانتباه إلى أنّ الديمقراطيّة لا تُبنى دفعة واحدة بقرار فوقيّ بمعزلٍ عن واقع الظروف الموضوعيّة. وليس بالضرورة تحويل الصلاحيات للأقاليم بمستوىً موحّدٍ وتماثل الوتيرةِ والتوقيت، بل تجبُ مراعاةُ القدرة الاستيعابيّة للصلاحيات (من حيث توفير البنى التحتيّة وغيرها من المستلزمات اللوجستيّة والبشريّة). ولهذا؛ فإنّ التدرّج بتحويلِ السلطاتِ والصلاحيّاتِ ضرورةٌ موضوعيّةٌ للبناء السليم لمنظومة العلاقات المنظمة لصلاحيات السلطات، فبناءُ النظامِ الديمقراطيّ عمليةُ تراكمٍ مستمرّةٍ والحوارُ هو السبيلُ لحلِّ أيّ إشكالٍ في مسيرةِ البناءِ.
يجب أن يجسّدَ بناء الدولة المدنية الديمقراطيّة في سوريا خصائصَ البنية المجتمعيّة على كلِّ الصعدِ (السياسيّ، الاجتماعيّ، الاقتصاديّ، الدينيّ، الثقافيّ والنفسيّ) وكذلك التوازن بين التوجّهات السياسيّة، وإمكانيّةِ استيعاب متغيرات البنية التي تُعاد صياغتها مع تقدّمِ عملية البناء الديمقراطيّ.