مسمار جحا قضية المتخلفين عن الخدمة العسكرية في جبل العرب والصفقات المشبوهة

30
مُهيب صالحة –

تثير قضية المتخلفين عن الالتحاق بالخدمة الإلزامية والاحتياطية بكافة تفاصيلها جدلاً واسعاً ليس فقط في أوساط المجتمع المحلي في محافظة السويداء ذات الغالبية الدرزية، إنما في عموم سورية، وعند جميع مكونات المجتمع السوري، وكذلك لدى النظام السوري، الذي يتحمل مسؤولية هذا الملف بالكامل ومن دون نقصان، أسبابه ونتائجه وما تؤول إليه الأمور في المستقبل. لقد بيّن قرار الجهة المعنية بإلغاء دعوات الاحتياط لشبان ورجال سوريين لم تتجاوز أعمارهم ٤٢ سنة أن عدد المتخلفين عن الالتحاق بالخدمة الاحتياطية والإلزامية بلغ ٨٠٠ ألف مكلف. وبالقياس المنطقي والتناسبي؛ فإن حصة محافظة السويداء البالغ عدد سكانها نصف مليون نسمة ربما لا يتجاوز ٢٠  ألف مكلف نصفهم على الأقل غادر البلاد خلال السنوات السبع الماضية، وليس كما كانت تدّعي بعض الجهات الحكومية المسؤولة عن هذه القضية بأن عدد المتخلفين يصل إلى خمسين ألف، وتجعل منها على الدوام مسمار جحا حيال مواقف السلطة من المحافظة وأهلها المتمثلة بفوضى السلاح والفلتان الأمني وسوء الخدمات العامة، والتعدي على الأملاك الخاصة والعامة وعلى المواطنين من عصابات معروفة لأجهزتها الأمنية والسياسية كما هي معروفة للقاصي والداني من أبناء المحافظة الذين يعرفون هؤلاء معرفة تامة.
لقد تنفس آلاف الشبان من جميع أنحاء سوريا الصعداء بعد مرسوم إلغاء دعوات الاحتياط، واشتدت الزحمة على شعب التجنيد للحصول على أذونات السفر التي تقطع قيمة كفالاتها الكبيرة من معيشة الأبناء والأهل. ولكن؛ فرحة هؤلاء الشبان لم تدم طويلاً إذ سرعان ما تمت دعوتهم مرة أخرى إلى الاحتياط. إن ما جرى خلال الأسابيع الأخيرة يحمل في طياته الكثير من الدلالات المخيبة للآمال، فهو يحمل التخبط الواضح في قرارات الحكومة، وعدم انصياع بعض الجهات والأوساط المسؤولة فيها للمراسم الجمهورية، ويحمل عمق الشرخ بينها وبين قطاعات واسعة من الشعب، وضياع جيل بكامله من الشباب السوري إما في الزواريب والحارات الضيقة بلا عمل ولا عائلة ولا مستقبل ويخشى مغادرتها، أو في بلاد اللجوء تتحكم بمصيره الأهواء والظروف، أو يخدم في الجيش لا يعرف متى بالضبط يأتي تسريحه منه أو من الحياة مرة واحدة. عندما تصبح الجندية حجر عثرة أمام الشباب، وهم موارد البلد البشرية الأساسية، فإن على الحكومة عوضاً عن تحميل المسؤوليات جزافاً لهذا المكون أو ذاك من مكونات الشعب السوري أو من فئاته العمرية، عليها أن تعترف بمسؤوليتها أولاً، وتشخيص المشكلة وأسبابها ثانياً، وأخيراً علاجها بشكل جذري وعلى أسس وطنية صحيحة وواضحة. وليس هناك سوري لا يدرك جوهر هذه المشكلة وكيفية الخروج منها، وهي مشكلة قديمة جديدة ربما فضحتها أكثر الحرب الجارية في سورية منذ سبع سنوات ونيف، ولكن معاناة المجندين في الجيش خلال العقود الماضية لا تخفى على أحد، وكلما تأخر حل المشكلة طال أمدَ الحرب وتعقدت تشابكاتها الخارجية والداخلية. وليس فقط أبناء جبل العرب لا يلبون دعوات الاحتياط والجندية، وإنما معظم الشبان من مختلف مكونات الشعب السوري الأخرى التي أضحت تعتبر الحرب في سورية حرباً بالوكالة وليست حربها، عشرات آلاف الشبان من محافظتي اللاذقية وطرطوس يتخلفون وقسم كبير منهم غادر البلاد إلى لبنان وقبرص وأوروبا. وعشرات آلاف الشبان من المحافظات الشرقية الحسكة والرقة ودير الزور آثروا الالتحاق بقوات سوريا الديمقراطية؛ لأنها تؤمن لهم ظروفاً أفضل مما هي عليه في الجيش النظامي، ولأنهم يحررون مناطقهم ويحمونها من خطر داعش. وعشرات آلاف الشبان من محافظات أخرى يتخلفون عن الجندية مثلما يرفضون الالتحاق بجماعات المعارضة المسلحة. إن المجندين السوريين الذين يبذلون دماءهم على جبهات القتال لا يخفون دائماً شعورهم بالغبن حيال الفروقات الكبيرة ببنهم وبين أقرانهم في الميليشيات الطائفية التابعة لإيران والمليشيات السورية التابعة للنظام أو في الفيلق الخامس الذي شكلته روسيا أو حتى مع المقاتلين في صفوف الجماعات المسلحة المعارضة.
إن شباب ورجال محافظة السويداء لم يتخلفوا عن الجندية جبناً أو تهرباً من واجب وطني أبداً، إنما هو الشعور الوطني العام، الذي تراكم وترسخ عبر تاريخ الجبل من حملة إبراهيم باشا إلى السلطنة العثمانية إلى الانتداب الفرنسي إلى هجوم قوات الرئيس الشيشكلي على جبل العرب، ويملي عليهم الإحجام عن أي اقتتال داخلي أو القتال في حرب ليست حربهم ولو دُعِوا إلى حرب وطنية لتحرير بلدهم، أو جزء منه، من احتلال أو استعمار؛ فلن يتوانوا قط عن أداء الواجب. فلم يغب عن الذاكرة قط كيف وقف شبان ورجال محافظة السويداء في طوابير أمام شعب التجنيد مع اندلاع حرب تشرين التحريرية سنة ١٩٧٣، وهذه خاصية يمتلكها الشعب السوري كله، يستحضرها عندما يدعوه واجب الذود عن تراب الوطن.
يخطئ من يظن أن تحرير المختطفين من نساء وأطفال جبل العرب، وإبرام الصفقات المشبوهة مع بعض الزعامات التقليدية ورجال الدين سيساعده في إغلاق ملف المتخلفين عن الخدمة العسكرية، برفع الغطاء الأهلي عن كل الذين لم يلبوا دعوات الجندية والاحتياط طالما لم تتغير الظروف ذاتها التي دعتهم للتخلف، مثلما أخطأ من قبل بربط قضية المختطفين بقضية التخلف عن الجندية؛ لأن تحرير المختطفين المدنيين، بأية وسيلة ليس منةً من أحد على أحد، إنما هو مسؤولية الدولة، كما حمل هذه المسؤولية الشرفاء من المجتمع المحلي ومن جميع أبناء طائفة المسلمين الموحدين الدروز في العالم . لقد مرَّت عدة أسابيع على تحرير المختطفين وأكثر من أسبوع على زيارتهم وذويهم إلى القصر الرئاسي ولقائهم برأس النظام، ولم يلتحق إلى الجندية، رغم البروبوغندا التي مارستها السلطة وتوابعها، سوى ٢٥٠ شاباً أظهرت احتفاليتهم أمام شعبة التجنيد في المزة أن ثمة دراما تصور هناك شبيهة باحتفالية دراما الانتصار على داعش في بادية السويداء وتحرير المختطفين.
إن أبناء جبل العرب ليسوا ضد الخدمة العسكرية وليسوا ضد جيش وطني يذود عن أرض البلاد ويحمي العباد ومصالحهم، وإن كان رفضهم الالتحاق بها في حرب ليست حربهم؛ فإنهم يوجهون رسالة ذات بعد وطني خلاق مفادها أن الحرب بين السوريين لا يمكن أن تحل مشاكلهم، إنما تزيدها تعقيداً وتشبيكاً مع الخارج الذي لا يراهم إلا بعين مصالحه. وجبل العرب وإن اختار منذ البداية السلم الأهلي فإنه يعتبر عدم تلبية أبنائه لدعوات الخدمة الإلزامية والاحتياطية تندرج ضمن هذه الاستراتيجية وتعزز تاريخها وفلسفتها. ويذكِّرون لعل الذكرى تنفع، بأن أي محاولة من أية جهة كانت لأخذ المدعوين بالقوة إلى الخدمة العسكرية سوف يكون ثمنها باهظاً؛ لأن كل أبناء المحافظة سيهبون هبة رجل واحد في وجهها، وسيسقط كل من تُسول له نفسه الانسياق في صفقات مشبوهة على حساب الجبل وأهله وشبابه، ما لم تذهب البلاد كلها إلى حل سياسي يوقف القتل والاقتتال في جميع المناطق السورية، ويطلق عملية تغيير ديمقراطية حقيقية تتزامن مع عملية إعادة إعمار وعودة جميع اللاجئين والنازحين والمهجرين إلى ديارهم، وإعادة هيكلة وتنظيم جيش وطني لكل السوريين يتشرف عندئذٍ كل شاب سوري بالانتساب إليه.