ما الفرق بين المرأة في فكر الحداثة الرأسمالية وفكر الأمة الديمقراطية؟؟؟

29
روناهي/ منبج – شابات منبج يُناهضنَ العنف الممارس بحق المرأة في كافة مناطق الشمال والشرق السوري، وضرورة قيامهن بالمزيد من الثورات الفكرية، المتمثلة بفكر الأمة الديمقراطية؛ حتى كسر جميع القيود التي فُرِضت عليها وأولها الحداثة الرأسمالية.
منذ فترة قريبة، كان يُنظَر للمرأة؛ على أنّها خالية من الفكر، ومجرّدة من العقل؛ باعتبارها ناقصة عقل بحسب مفهومهم. وتبعاً لهذا الإسفاف، تمّ تحقير المرأة، والحطّ من قدرها. فتعرّضت لاضطهاد جسديّ ونفسيّ؛ فانكمشت ذهنّياً على نفسها، وبقيت هذه النّظرة سائدة؛ حتّى قيام ثورة روج آفا في الشّمال السّوري التّي انتصرت فيها المرأة بكلّ معنى الكلمة؛ فاستطاعت ضخّ روح الحياة في جسدها؛ لتستطيع وضع قدمها في الطّريق الصحيح؛ وذلك في تفاوت واضح بين مناطق الشّمال السّوري في التّقدّم بالثورة الذّهنيّة تجاه تحررّها.
وفي منبج وجدت المرأة فسحة من الأمل؛ للتعبير عن آراءها بعد مرارة كبيرة؛ عاشتها المرأة خلال فترة الحرب مع داعش؛ والتي تمّ استغلالها على نحو من الاستثمار في ميدان الحرب. لكن كلّ هذه المحاولات باءت بالفشل؛ بسبب إرادة المرأة في الصّمود، والبقاء، ومناوئة كافّة أشكال العنف. وبهذا الخصوص أجرت صحيفتنا استطلاع للرأي مع عدد من الشابات في مدينة منبج للتعرّف أكثر على رأيهن بظاهرة العنف، ومدى رفضهنّ لها، ورقيّهنَّ الفكريّ منذ انبثاق المشروع الديمقراطي في الشمال السوري.
وبهذا الصدد أكدت الشابة جاكلين شيخ محمد، أن ظاهرة العنف تختلف في المجتمعات الغربيّة؛ عمّا عليه في المجتمعات الشّرق أوسطيّة بالقول: “لا شكّ إنّ البحث في مفهوم العنف ضدّ المرأة؛ يتطلّب الحذر الشّديد، وذلك أنّ أغلب الصّراعات الدّامية؛ تأجّجت بسبب ما يشير هذا المفهوم من تعقيد كبير. إنّما شيوع هذا المفهوم؛ تتأتّى من حالات تراكميّة؛ حتّى مسألة البحث في أسبابه؛ أصبحت تتطّلب دراسات مستفيضة؛ لتحليل ما يؤطّر هذا المفهوم من عوامل خارجيّة؛ لم تعد تختصّ في ذات المرأة نفسها”.
ظاهرة العنف صنيعة الرّأسماليّة
ونوهت جاكلين بأنه في المجتمعات الغربيّة؛ على الرّغم من محاولة النّخب؛ إظهار مفهوم العنف كظاهرة، تتحكّم بمشيئتها الحّداثة الرّأسماليّة، وتمارس بحقّها أكبر مواطن العبوديّة في التّاريخ. فأنّهم فشلوا في علاجه، لأنّ ظروف إنتاجه تنشط يوماً بعد يوم، إذ يتجلّى العنف حالياً؛ بشكله البارد، وهو ما يتعارض مع المفهوم السائد عند البعض، من كونه لا يمت بأي صلةً بالعنف. ولو أمعنّا النّظر قليلاً؛ لوجدنا أنّه أكثر عنفاً من سابقه؛ بسبب كونه يختصر الأنوثة بالجسد فقط في كلّ نواحي الحياة. ولذا فإنّ أيّ محاولة لفكّ تلك المعادلة؛ سيكون نتيجتها الفشل؛ لاعتبارات كثيرة. أهمّها لزوم البحث في الحدّ من تأثير الرّأسماليّة على المرأة؛ لأنّه بات الخطر الأوّل على المرأة. بينما كان في السّابق؛ يتولّد مفهوم العنف والتّهميش من مسوّغات؛ تتعلّق جملةً وتفصيلاً بالسّلطة الذّكوريّة؛ التّي امتدّت في جذورها الضاربة بالقِدم؛ والعائدة للمجتمع السومري؛ حين أوجد العبوديّة لها.
هشاشة الشّعارات الجوفاء المُطالِبة بحريتها
وعن زيف تلك النّظرة المرسومة؛ لتحرّر المرأة في المجتمع الغّربي، كونه يمارس بحقّ المرأة أبشع مظاهر العنف، أوضحت جاكلين بالقول: “في هذه المجتمعات التّي يظنّ الغالب أنّها قطعت شوطاً كبيراً في تعبير المرأة عن حرّيتها، وقدرتها في إظهار طاقاتها الإبداعيّة، وأنّ بدى للوهلة الأولى في حقيقته صحّته، فهي إنّما أطر شكليّة ظاهريّة؛ ليس إلّا، بحيث إنّ باستطاعة المرأة؛ إصدار قرارتها؛ في أيّ وقت تشاء. لكنّ المتمعّن في هذا الأمر؛ يتبّين الفضاضة، والمبالغة في الشّكلانية تلك؛ بحكم هشاشتها الزّائفة. فمثلاً إنّ حالات التّحرش الجّنسيّ في تلك المجتمعات؛ تصل إلى نسب هائلة، فضلاً عن حالات لا أخلاقيّة؛ والتي تتفشّى بازدياد مع العلم أنّ هناك القوانين، والأنظمة التّي في ظاهرها تنصر المرأة؛ في حين أنّها هي من تصيّرها إلى العنف. ومهما بلغت المجتمعات من تقدّمها؛ فالمظاهر تزداد شيوعاً بحكم إنّ المجتمع؛ ليس ملتزماً بذلك أخلاقيّاً، وربّما أصبح أقرب من أيّ وقت مضى من سلطويّة المجتمع الذّكوريّ”.
وتابعت جاكلين تعليل وجود ظاهرة العنف في مجتمعنا، وعن نشأتها بأنّ العنف في مجتمعنا؛ أكثر صرامةً، وشدّةً لأنّ كافّة القوانين والأنظمة لم تستطع لحدّ الآن؛ إثبات أيّ حقّ للمرأة، أو تنتصر لإرادتها، مع العلم أنّ تاريخ الشّرق الأوسط؛ يمتدّ لكثير من السّنين؛ لكّنه لم ينصفها أبداً؛ بالرّغم من كثرة ادعاءاته، وتبريراته في كثير من حوادثه، أنّه قد أنصفها، وهو يبدو أيضاً أنّه أكثر معياراً، والتزاماً أخلاقيّاً للمرأة بحكم الدين، والأعراف، والتّقاليد، وما تنتجه لها من مثل، وقيم نبيلة. فهي إنّما أبعد ممّا يكون عن البتّ بحرية المرأة، فتغدو تلك القيم والمثل، ضمن سياق العنف؛ بل ربّما لا نظلم تلك القّوانين؛ إذا قلنا إنّها أضرمت العنف ضدّ المرأة في المجتمع أكثر.
وأشارت جاكلين بالقول: “إنّ مسألة الخروج من هذا المأزق؛ يكمن بشيء واحد، هو رجوع كافة شرائح المجتمع إلى الجوهر الطّبيعي للمجتمعات، وذلك ما قبل 3500ق.م، حيث كان ينظر للمرأة؛ إنّها مقدّسة؛ بوصفها الألهة الأم؛ لأنّها كانت تعني مصدر الحياة؛ فمتى عرفنا تلك الحقيقة، نستطيع تلافي مظاهر العنف ضدّ المرأة في المجتمع، أي العودة لفكر الأمة الديمقراطية”.
أنموذج من الفكر السّلطوي
بينما تحدثت ميديا شيخ محمد عن نماذج للنظرة الدونيّة للمرأة من قِبل بعض أفراد المجتمع قائلةً: “لا زال يعتقد البعض أن المرأة مخلوقة من ضلع أعوج؛ أيّ بمعنى أنّه مبنيّ على الخطأ بأفعالها؛ باعتبار قلّة عقلها. وهي خلقت من أعلى الضّلع؛ لاعوجاجه، ولذا كان لزوم وجود شخصاً آخر؛ يتكفّل برعايتها؛ فهي تحتاج للقوامة؛ لأنّها لا تستطيع إعالة نفسها؛ بسبب ضعف قدراتها التّي تتمكّن معها؛ من تأمين متطلّبات نفسها، وعائلتها”.
وبيّنت ميديا بأنه تمّ ترسيخ هذا المفهوم في عقلها؛ فكانت حالة انصهارها طبيعية في مقابل هذا التفكير الذكوري الذّي على الأرجح؛ ضمن هذا السّياق؛ هو الذّي يؤمّن لها تلك الرّعاية. وإلّا فإنّ مصيرها الهلاك؛ لأنّ ارتباط حياتها في جوهرها؛ بحياة الرّجل على نطاق بيولوجيّ. وعلى هذا الأمر يتوجّب على المرأة؛ تقديم مصالحة دائمة مع استفزازيّة المبادئ الذّكوريّة؛ بحيث تشمل هذه المصالحة؛ تنازل المرأة عن كثير من حقوقها؛ لصالح الرّجل؛ بوصفه صاحب القداسة المهيبة التّي يتوجّب على المرأة تنفيذها، والتّسليم بصحتها سواء كانت صحيحة أم خاطئة. في حين سابقاً كانت القداسة للأنثى. وإذا كان الأمر كذلك؛ فإن المزاجيّة؛ هي التّي تحكم حياة، ومصير المرأة؛ بحسب طبيعة الرّجل المزاجيّة، ورضاه عن المرأة.
وتابعت ميديا بالقول: “لا تزال النّظرة سائدة في مجتمعنا؛ بأنّ المرأة ملكاً عادياً من أملاك الرّجل، وإحدى ملذّاته، ومحظيّة من محظيّاته، فهي لا تحتاج من يفكّر عنها، ويحاور، ويقرّر عنها، مادام هناك راعياً لقرارتها الشّخصيّة. فصارت المرأة، ضمن هذا النّمط؛ سليبة من التّفكير، والإرادة؛ وأشبه بدميّة خشبيّة؛ لا إحساس لها، ولا أهواء، فكانت أقصى ما تصنعه ضمن هذا التّفكير؛ هي الإنجاب بحيث تمّ تصوّرها آلة منتجة للأطفال”.
صورة المرأة العاملة في المنزل
أما بالنسبة لدراسة أيّ محتوى لظاهرة العنف؛ فهو ينبثق من النّظم المجتمعية الجائرة الواضحة؛ إذ أشارت هنادي الحمود لنتائجه بالقول: “لقد انبثق محتوى العنف من الأعراف والتّقاليد في مجتمعنا، الذّي طالما تغلغل في الذّهنيّة السّلطويّة، بحيث صار شائعاً عند الجميع، كيف تُعامل المرأة داخل المنزل، وخارجه في غالب الأمر، من خلال ردّة فعل الجميع؛ تجاه عملها بالتوبيخ والتّحقير، وأحياناً تصل إلى مرحلة الاعتداء بالضرب. وينمو الخوف في شخصيّة المرأة شيئاً فشيئاً جراء ارتكاب أيّ فعل بسيط؛ لأنّها تخشى ردّة الفعل الكارثيّة، بينما يفعل الرّجل ما يشاء دون أيّ محاسبة. وبهذا الأمر استطاع الرّجل؛ فرض هيمنته عليها، وإملاء شروطه، وربّما عقوباته أيضاً. فشرع التّحكّم بإرادتها، وشخصيتها وهذا الشّيء؛ تولّد من الذّهنيّة السّلطويّة”.
وعن الجانب الدّامي لظاهرة العنف على المستوى الشخصيّ للمرأة، نوهت هنادي بأنه نتج عن حجر المرأة، في البيت، وفقدانها القدرة على التّعامل مع ذلك الموقف، فضلاً عن منعها في التّصريح، والتّعبير عن أهواءها، وقراراتها، وهواياتها المفضّلة. ولذا أحياناً تغدو المرأة قنبلة موقوتة؛ لا تعرف مدى ساعة انفجارها؛ فنُفاجئ فيما بعد بزواج مبكّر، وما يصحبه من طلاق، وحالات اغتصاب كثيرة، وربّما انتحار. كلّ هذه الأمور؛ نتجت من جهل العائلة بمشاكل المرأة، وقدرتها وإيّاهم على تخطّيها. بل إنّ الأهل يتّخذون من وجودها فرداً فقط، خاص؛ لتلبية الاحتياجات، والرّغبات، وعليها تنفيذ الأوامر دون النّظر إلى متطلّباتها؛ ضمن طابع من الطّاعة العمياء، ودون اعتراض مسبق، وفي حال الاعتراض؛ سيكون مكلفاً، وأقلّ ذلك إدراج الموقف؛ ضمن حالة العصيان المطلق. أمّا المحاكمة، ستكون صوريّة، وستكون التّهم الموجّهة إليها عبر ذكر تاريخ أخطاءها الطّويل، ونسيان ما قدّمته للعائلة من خدمات، وإنكار جميلها، جملة وتفصيلاً.
واختتمت هنادي بالقول: “تبعاً لهذا التّفكير السّلطويّ؛ تُحرم المرأة؛ من رغباتها؛ وممّا تشتهي من شؤونها الخاصة مثل التّعليم؛ بذريعة أنّ الفتاة مبنيّة ومجبولة بطبيعتها على الأخطاء، وخروجها مجلبة للعار، إذاً نحن في مسألة تراكميّة خطيرة، وتحتاج لكثير من الاجتماعات مع النّساء؛ لحثّهنّ للقيام بثورة ذهنيّة حقيقية؛ على مستوى الفكر أولاً، ومن ثمّ إدخالهنّ في دورات تدريبيّة، عن طريق شرح فكر الأمة الديمقراطية لهن، وسيعرفنَ بذلك حقوقهن”.