العطورات بين الماضي والحاضر

26
إعداد/ ليكرين خاني –

عرف الإنسان البدائي العطر من استنشاقه للورود والأعشاب، فكان يقطع الأعشاب العطرية ويحرقها لتعطيه الروائح العطرة وكانت مخصصة للمعابد كطقس ديني، أو يتم بمزج أنواع من الزهور والورود وعصرها للحصول على زيتها العطري، وكان ذلك غالباً مخصص للزينة من قِبل رجال الحكم والكهنة ورجال الدين.
العطور في الحضارات المصرية
في عصور الفراعنة كانت بدايات تأسيس صناعة العطور وكانت توجد طريقتان لصناعته: الأولى وهي وضع الأزهار في لوحة كبيرة من ورق البردي وعصره، الطريقة الثانية وهي وضع الورود في إناء فخاري صغير وحرقه لتفوح رائحة عطرة في الانحاء وكان هذا النوع من العطور جزء من القرابين المقدمة للآلهة أو لتوديع المتوفي ولم يكن لأغراض الزينة.
عندما نشأت الحضارة القبطية ورثت الكثير من الحضارات المختلفة، لذا نجد أن صناعة العطور تنوعت في العصر القبطي، وكانت أهم طريقة لصنع العطر هي مزج سائل شجرة المر مع قرفة عادية، ثم وضع عصير القصب والقرفة الصينية، وكانت هذه الطريقة ممنوع استخدامها إلا للقساوسة أو للمرأة في بعض الحالات.
العطور في الحضارة الإسلامية
مع أن الحضارة الإسلامية ورثت الكثير عن الحضارة الإغريقية إلا أن العرب هم أول من استخدم تاج الزهرة لاستخراج ماء الزهور منذ 1300 عام، ولم يستعمل العرب تاج الأزهار كعطرٍ فقط بل استعملوها كدواء أيضاً. ولعل أقدم أنواع العطور في العالم يدعي “عطر الورد” وقد كان رائجاً جداً لدى القبائل العربية، وتُعتبر الأزهار مثل الياسمين والبنفسج وزهر الليمون والورد وغيرها، من المصادر المهمة لاستخراج العطور عند العرب، ولكن جوهر العطر يستخرج من مصادر أخرى غير الأزهار، كالخشب ولاسيما خشب الأرز وخشب الصندل، ومن الأوراق مثل النعناع والغرنوق والخزامى، ومن جذور معينة مثل الزنجبيل والسوسن.
إن الطريقة العربية لصناعة العطور تكمن في استقطار تيجان الأزهار مع الماء، وتكون عبر وضع رقائق من الزجاج في إطارات خشبية حيث تُغلف بدهن نقي وتغطى بتيجان الأزهار وتكدس الواحدة فوق الأخرى. ويجري تبديل التيجان بين حين والآخر إلى أن يمتص الدهن النقي الكمية المطلوبة من العطر، ولعل أفضل العلماء في صناعة العطور هو ابن سينا والكندي، ومن أبرز الطرق طريقة التقطير.
في الحضارة الأوروبية الحديثة
خلال عصور النهضة تمكنت ملكة فرنسا التي كلفت صانع العطور الخاص بها بإدخال أنواع جديدة من العطور، ولكن لم يُعرف أي شيء عن الطرق التي اتبعها وذلك لسرية مختبره، وخلال عصور النهضة تمكنت فرنسا من السيادة في مجال صناعة العطور فقد كان يصنع في جنوب فرنسا أهم العطور ومستحضرات التجميل العالمية، وعرفت طائفة في فرنسا خلال القرن السابع عشر باسم (صناع العطور) والتي كان لها تأثير ضار في بعض الحالات، حيث كانت تستخدم مواد سامة في صناعتها للعطور فعلى سبيل المثال توفيت إحدى الأميرات الفرنسيات بسبب استخدامها للعطور في تجميل بشرتها والتي أثرت على سمعة هذه الطائفة، واهتم ملوك فرنسا جميعاً بالعطور فخلال القرن الثامن عشر كان الملك لويس الخامس عشر مهتم جداً بالعطور، فقد كانت عربته الملكية تدهن كل صباح بالعطور و أثاثه كذلك، وكانت ملابسه تظل داخل إناء العطور لعدة أيام، ولم يهتم الملك لويس الخامس عشر بالعطور في حياته الخاصة فقط، بل أمر بتحويل بعض المزارع إلى مزرعة للنباتات العطرية.
 النهضة التي أنشأها لويس الخامس عشر جعلت من باريس مركزاً مهماً في صناعة العطور وزراعة النباتات العطرية، ومن الملوك المهتمين بالعطور أيضاً نابوليون بونابارت الذي عُرِف عنه بالاهتمام بالترف فقد اهتم أيضاً بدهن العربة الملكية بالعطور ويُقال أنه في وقت من الأوقات كان يستخدم 60 زجاجة من عطر الياسمين في الشهر، وكان أحب العطور إليه هو عطر الجوزفين لاحتوائه على المسك العربي الأصيل.
 في إنكلترا لم تكن صناعة العطور شيئاً مهماً إلا بعد مجيء هنري الثامن الذي أدخل هذه الصناعة إلى إنكلترا وأيضاً الملكة إليزابيث الأولى التي أهتمت كثيراً بصناعة العطور، حيث يقال أنها لم تكن تستطيع تحمّل أي رائحة كريهة الأمر الذي سبّب لها مرض في لسانها، وكانت السيدات تأتي إلى بيت الملكة إليزابيث للتنافس في أفضل العطور رائحة، وحدث التغيير الكبير؛ عندما جاءت الكيمياء الحديثة فقد شهدت صناعة العطور تقدماً عظيماً بعد الثورة الصناعية الكبرى، كما بدأ استخدام العطور بشكل شائع في كل طبقات الشعب بل وعندما كان سعر العطور يزيد تحدث مظاهرات في لندن.
 قبل وصول الكيمياء الحديثة إلى الأمريكيتين كانت هناك وصفة شعبية تعتمد على مياه من نهر فلوريدا (لاعتقادهم في جمال رائحته) ثم يخلط مع القرنفل والقرفة صينية وأوراق الليمون، وتطورت طريقة صناعة العطور لتصبح استخدام مذيباً نقياً يتم استخراجه من النفط. ثم يدور هذا المذيب علي تيجان الأزهار النضرة إلي أن يصبح مركزاً بالعطر، ويتم فصل المذيب بواسطة عملية التقطير. ويُنقى العطر بالكحول، ويكمن حالياً تركيب العطور من مواد كيميائية بحيث تبدو وكأنها روائح طبيعية وأصبحت لصناعة العطور شركات كبرى متخصصة في هذا المجال.