إياك والخيانة 

137
أزهر أحمد –

يحمل في يده رسالة وصورة يقلبها تارة ويقبلها تارة أخرى متمعناً بشغف في تلك الرسالة وتلك الصورة القديمة بلونيها الأبيض والأسود.
المشهد يدعو للحيرة والتأمل، تنهمر دموع الشاب وهو يضحك، يبتسم يرفع يديه الى السماء متضرعا للخالق بالدعاء تارة؛  وصارخاً متمماً بعبارات مبهمة تارة أخرى، والألم يعتصره وتغرق عيناه بالدموع، وهو يعيد النظر إلى الصورة ويعود إلى الورقة التي بدت إنها رسالة من شخص عزيز رافقت الصورة. يتماسك ويحاول حبس بعض الدموع ليتمكن من القراءة، يقرأها بصوت مسموع ومتهدج وحركات يده ورأسه تنسجم مع كلماته:
“ولدي: بداية أتمنى أن يحفظك الرب ويوفقك، ويحميك ورفاقك وأنتم تعانون البرد القارس والأمطار، والطبيعة التي كأنما تعلمت القساوة من البشر، أرغب أن أبلغك بوفاة والدك، تعلم إنه خرج منذ ثلاثة أعوام ذاهباً إلى مدينة الرقة لجلب الدواء لأختك “روكسانه”، لكن طال انتظارنا له وللدواء، وماتت أختك وهي تصارع المرض المزمن، وحتى قبل أن أطبق جفنيها كانت تحلم بقدوم والدك جالباً معه الدواء، وثوباً لدميتها.
 آه يا ولدي: في ليلة من ليالي تشرين الأول وبعد منتصف الليل لعام الفين وسبعة عشر، سمعت صوتاً قرب باب الخيمة، ومن ثم حركة بالباب وصوت أجش ترافق بسعال؛ يا أم أوصمان؛ وأعاد الكرة يا أم أوصمان؛ وإذا به والدك يلج الخيمة وهو في حال يرثى لها، وكم كانت دهشتي بعد أن فقدت الأمل من عودته، ووجعي وأنا أحسه منهك القوة فاقداً العزيمة على الوقوف، لتنتابني رجفة وألم في داخلي لا يوصف بكلمات.
لم أستطع رؤيته، لأنني فقدت بصري حزناً على شقيقتك “روكسانا”، ضمني إليه وقبَّلَ جبيني وسأل في حرقة عن روكسانا وهو يقول حبيبتي جئت لك بالدواء، أين الاولاد يا أم أوصمان، وأخذ يجول في الخيمة الكئيبة دون جدوى، عاد لينادي على روكسانا من جديد وسألني اذ لم يسمع ردها، فأعلمته بموتها، وعاد يسأل عنكم وهو يراني وحيدة ضريرة،  ورحنا نبكي في وجع عميق وبكاء مرير، هدأته وخرجت أجلب له بعض الماء ليشرب ويغتسل، بالكاد عدت للداخل لأرى والدك في سكرات الموت، وهو يخاطبني:
“أرغب أن توصي ولدي أوصمان، قولي له: إن أصلنا تركمان وطوال حياتنا نحن والكرد والعرب نعيش في قرية وبلد ووطن واحد أنني مدين للكرد، و”قسد” فهم من خلصوني من سجن داعش وظلم الاتراك، فالسجان والجلاد والأمراء  كانوا أتراكاً، هم من كانوا يهينوننا، وهم من سرقوا منزلنا وهم من فجروا بيتنا وهم من قتلوا ابنتي روكسانا. قولي لولدي أوصمان أن يبقى ضمن صفوف قوات سورية الديمقراطية ليثأر لحقوق المظلومين وقولي له: إياك والخيانة .
ما زلت أتذكر كلمات والدك عندما ارتفعت روحه إلى السماء حيث النجوم والملائكة وفي نهاية رسالته (إياك والخيانة).
 ولدي العزيز أصارحك أنا الأخرى مريضة أشعر بأنها الأيام الأخيرة في عمري، لذا أرسلت لك هذه الصورة وهذه الرسالة، وصية والدك ووصيتي: إياك والخيانة.