ياسمين الحسين: على المرأة في منبج أخذ قوتها من تاريخها فهي حفيدة أتارغتيس آلهة منبج

29
روناهي / منبج- بيَّنت العضوة في مركز الجنولوجيا في مدينة منبج وريفها، ياسمين الحسين من خلال حوار أجريناه؛ المُبعِث والمحرّض لظاهرة العنف، ونشوئها، وأبرز مظاهرها قديماً وحديثاً، وكيف باستطاعة الجنولوجيا دعم المرأة فكرياً.
لا شكّ أنّ تضييق الفكر النّسويّ وقولبته؛ كان من أبشع الجرائم المُرتكبة بحقّ الإنسانيّة والتّي تُمارس على المرأة، فقد وضِعت أسيرة ورهينة؛ لإرادة السّلطة التّي فُرِضت عليها منذ قرابة 5000 سنة عبر الانقلاب السّومريّ؛ ممثّلاً بفكر الشّامان على مفاهيم السّمو والقداسة اتجاه المرأة؛ بما تحفل به من ملكات التّجدّد، والحياة، والخصوبة، لتغدو المرأة على هذا الحال فيما بعد تحت نير العبودية لذلك الفكر السّلطوي.
ولا يزال التّاريخ الحالي حافلاً بذلك الفكر؛ فاختير تاريخ 25/11 من كلّ عام يوماً عالمياً لمناهضة العنف ضدّ المرأة، أمّا في منبج؛ فقد أقيمت عدّة حملات عبر ملصقات في الأسواق لتوعية أهالي منبج بخطر الزّواج المبكّر، علاوةً على التّحذير من الاعتداء بالضرب على النّساء بكافّة أشكاله، كما ترافق ذلك بعرض سنفزيون في قاعة مكتبة محمد منلا غزيل، تناول تبعات تعنيف المرأة، فضلاً عن إقامة ندوة فكريّة حول ظاهرة العنف ضد المرأة بالإضافة لنشاطات عديدة. وبهذا الخصوص أجرت صحيفتنا حواراً مع العضوة في مركز الجنولوجيا في مدينة منبج وريفها، ياسمين الحسين، وكان الحوار على الشّكل التّالي:
ـ هل باستطاعتنا التّعرف على أبرز المظاهر التّي قيّدت المرأة، وأسكنتها في قوقعة التّحجير الذّهني، وشكّلت ظاهرة العنف؟
ربّما إن قُمنا بتعدادها سيطول بنا العدّ، ولكن على سبيل المثال؛ وعلى رأس تلك المظاهر؛ تقع مسألة إدخال المرأة في واقع أنّها في الكثير من الأمور؛ قبلت بها على الرّغم أنّه ليس من اختصاصها التدخّل فيها، فكيف الحال إن كان على الصّعيد الذّهني، فإلى الآن مقولة؛ أنّ هذا ليس من شأنكِ فلا تتدخّلي فيه، لازالت تقال للمرأة في مجتمعاتنا، وخاصّةً كلّما رغبت بإبداء رأيها في مسألة ما، لذلك يُتطلّب قبل كلّ شيء إبعادها عن نمط التّفكير كما يريده الرجل.
والأمر الآخر عندما التاريخ لا يتحدث عن تاريخ وبصمة المرأة عبر العصور، هذا الأمر وحده كافي لندرك بأنها مازالت تتعرض للعنف والظلم.
لذلك إذا كان الحال على هذا المنوال؛ فأين سيكون مكان الإبداع والفكر يعاند المرأة؟ بل والعكس من ذلك، ولكي يتمّ ضمانة عدم تمرّد المرأة على هذا الواقع؛ أُقنعت في الكثير من الأحيان بأنّ الفكر ليس دورها، وإنْ أبدت رأيها في شيء ما، فدائماً يجب الخوف منه، لأنّ رأيّ المرأة، يُعتبر تخريبيّاً حسب النّظرة الذّكورية، ولكيلا يحدث التّخريب فعليها، والأفضل أن تبقى المنفّذة؛ لوصايا وأوامر الزّوج ـ الأب – الأخ – والقائمة تطول بالمؤتمرين على المرأة، من كل هذا لنترك التّحجّر الذّهني على طرف، فالمسألة؛ أبعد منه بكثير، بل تتعدّاها إلى أن تصل أنّه بالأساس؛ لا يتمّ الاعتراف بفكر المرأة مطلقاً.
ـ هل بإمكاننا إسقاط هذه المظاهر التّي قيّدت المرأة على مجتمعنا الحالي؟ بمعنى أدق هل تتلاقى المظاهر قديماً وحديثاً، وما أبرز تلك المظاهر؟
تاريخ اضطهاد المرأة؛ لم يكن العنف في يوم من الأيام له توقيت محدّد، مع العلم بأنّ الأساليب اختلفت حسب اختلاف الأنظمة وتغيّر الزّمان والمكان. ولكن فحوى الموضوع يبقى نفسه، وإن استمرّينا من المكان الذّي توقفّنا عنده في السّؤال السّابق، فسنرى لضمان عدم تمرّد المرأة في أيّ جانب من جوانب الحياة؛ فلابد من إشغالها بأمور أخرى في وقتنا الرّاهن؛ قد يكون قتل المرأة كما كانت تُقتل في غابر الأزمان غير مقبول، ولكن القتل هذه المرّة؛ يتمّ بطرق مختلفة، وبشكل ممنهج، وبأنماط متنوّعة، فمثلاً المتاجرة بجسد المرأة الذّي تحوّل في عصرنا إلى أكثر الوسائل للربح الأعظمي؛ إنّما هو نوع آخر من قتل المرأة، ومن المظاهر المعيقة والمُبعدة لها عن التّفكير، أفلم يتحوّل الجنس إلى وسيلة للتجارة؟ وبالأحرى أصبحت له قطاعات من التّجارة العالمية، وما المادّة الأساسيّة في توسيع هذا القطاع؟ أليس هو جسد المرأة؟ وكلّ هذا يتمّ تحت اسم وشعارات برّاقة؛ تلفت الانتباه بتسميّاتها الغريبة، ولكن مضمونها هو شكل من أشكال العبودية المُحدَّثة أو المُعصرنة، ومن أولى نتائجها هو خلق الإبهام في موضوع الحرّيّة ومعاييرها، إذاً الإصرار على استعباد المرأة لازال مستمراً، ولم يتوقف منذ خمسة آلاف عام، وإلى الآن، ولكن شكله الخارجي اختلف، مع العلم بأنّ بعض المجتمعات لازالت تحتفظ حتّى بالشكل الفظ لتلك المظاهر والممارسات، وما أكثرها في يومنا الحالي أيضاً.
ـ برأيكم كيف استفادت السّلطة، سواءً كانت سلطة الدّولة أم السّلطة الذّكورية من تلك المظاهر، لتُبدي نفسها، كما لو أنها هي صاحبة الحقّ، والمرأة على خطأ؟
إن أساس السّلطة مبنيّ على إسقاط المجتمعات، والتّحكم بها، وليس بالمخفيّ على الجميع بأنّ تحقيق ذلك يمرّ عِبر إسقاط المرأة بشتّى الأساليب، ومن أولى تلك الأساليب؛ هو ذمّ المرأة، وإيصالها لمستوى؛ ينظر له المجتمع على أنّها سبب لكلّ المساوئ، وأنّه أينما تواجدت امرأة؛ فإنّه هناك خطراً مُحدق بالمتواجدين، وهنا للتنويه فكم هي شبيهة أوضاع المرأة؛ بالأوضاع التّي تترك فيها المجتمعات، أوليس أيّ نهوض ووعي اجتماعيّ؛ يُعتبر خطراً على السّلطات؟، ألم تسمي السّلطات الحاكمة في أغلب الأحيان بالخطر على أمن الدّولة أو الوطن؟، ألم تضع القوانين التّي تجعل أيّ تقدّم لإرادة المجتمع بالموصوف بأنّه الإرهاب والتّخلف؟ ألم تقم السّلطات، وكلّ أشكالها بتصنيف الشّعوب ما بين شعوب متطوّرة، وشعوب متخلّفة أو شعوب العالم الثّالث …الخ من مسمّيات!
 أفلم تُجعل الشّعوب والمجتمعات المتواجدة مع بعضها لآلاف السّنيين بالعدوة لبعضها البعض؟ أقحمت المرأة في هكذا أوضاع؛ فأصبح أيّ تقدّم للمرأة أو مطالبتها بأبسط حقوقها؛ يعتبر تعدياً قبل كلّ شيء على العرف الاجتماعي من عادات، وتقاليد، وأخلاق، والتّي تعتبر خطّاً أحمراً، لا يمكن حتّى النّقاش فيه، أو المساس به.
وكثرت المسلّمات أمام المرأة؛ ولكن الشّيء الأهمّ من نتائج تلك المظاهر المطبّقة بحق المرأة؛ هو جعل المرأة مُغتربة عن ذاتها، وكيانها لدرجة أنّ المرأة؛ أصبحت مقتنعة بأنّ لا حول لها ولا قوّة إن لم تكن مستندة على رجلٍ ما. والأسوأ أنّه في الكثير من الأحيان؛ أصبحت المجتمعات تروّض (بالطبع كلمة التّرويض هنا حسب منطق السّلطة، والمتمثّلة بالعقليّة، أو الذّهنيّة الذّكوريّة)، عن طريق استخدام المرأة.
فحينما نغوص في هذا الموضوع، وبالتحديد عندما نسقط هذه الحالة على مجتمعاتنا الشّرقية؛ فإنّنا نرى وخاصّةً في الأزمنة القريبة؛ ما تمّ فيه التخريب تحت يافطة التّقدّم أو الحرية، والتّي هي بالأساس لا تتجاوز الحرّيّة الفرديّة، والتّي هي أساس تمأسس السّلطة بغية إنهاء المجتمعات. فكم من حالات نراها من ابتعاد نسائنا عن جوهر الحرّيّة الحقيقيّ الذّي بالأساس يتناسب مع طبيعتها كأنثى!، وللتذكير كلمة الحرّيّة لو عدنا إلى جذورها باللغة السّومريّة؛ حيث يقال لها أماركي، وباللغة الكرديّة يقال لها آزادي؛ في كلا اللغتين تعني العودة للقيم التّي أنتجتها المرأة الأمّ.
يعني بالأساس الحرّيّة؛ هي مفهوم يتطابق مع جوهر المرأة، ولكن الآن التّلاعب الذّي تقوم به السّلطات باسم الحرّيّة؛ لتسقط المجتمعات ليس بهذا الجوهر الذّي نتحدّث عنه باختصار السّلطة؛ ما هي إلّا أداة لإعاقة المرأة وكسر إرادتها.
وإن أرادت سلطة الدّولة أن يكون للمرأة مكان أو حضور؛ فذلك سيكون بغية التّرويج لسلعهم.  السّلطة والتّحكم الذّكوري جعل من النّساء وعاء لتفريغ سفاهات المنتجين أصحاب القيم البراغماتية الهابطة؛ لذا لا يمكننا التّحدّث عن نهضة اجتماعية دون انتشال المرأة من الحضيض، ومن الأيدي المخرّبة والعابثة بالقيم. وذلك بإرجاع الصّورة الأصلية للمرأة وإعادة الرّوح لها؛ ليتمّ من خلال عودة الرّوح لمجتمعاتنا، ولتبتعد مجتمعاتنا عن الزّيف الذّي تحياه باسم التّطوّر، ولتتطوّر حسب حقيقتها الاجتماعية الغنيّة.
ـ كيف يستطيع علم الجنولوجيا بما يمتلكه من أدوات وأساليب فكرية من دعم المرأة على المستوى الفكري؟
قبل الإجابة على سؤالكم؛ أرغب بأن أنوّه إلى أنّ الجنولوجيا لا تقتصر على المرأة فقط، بل هي علم يحاكي الرّجل والمجتمع بمنظور المرأة، لأنّها الحجر الأساس لبناء مجتمع ديمقراطي حر.  وذلك للوصول إلى حياة تشاركيّة بين الرّجل والمرأة، وعدم تهميش دور أيّ منهما على حساب الآخر. وليتحقّق هذا فإنّه من واجب الجنولوجيا أن تكون وسائلها وأساليبها بالهادفة على تغيير المجتمع، والعمل على انتعاشه، وسموّه على جذوره الأصلية. وليتحقّق هذا فإن الجنولوجيا تعمل قبل كلّ شيء على نشر حب البحث في التّاريخ، في المجتمع من قِبل المرأة، وأيضاّ الرجل. والبحث في التّاريخ لا يكون دائماً بين الكتب، بل أن هناك مخزوناً هائلاً مخفيّاً ضمن طيات مجتمعاتنا، ومفتاح الوصول له؛ هي المرأة؛ لأنّها بالأساس بهزيمتها؛ هُزِمت المجتمعات.
معرفة المرأة لذاتها، وتاريخها؛ تنتج معرفة المجتمعات لأسسها، وطاقاتها. فالمرأة، والمجتمع توأمان لا ينفصلان، وكيف ينفصلان إذا كان المجتمع بالأساس تكوّن في محيط المرأة؟ ولأنّ الجنولوجيا؛ تهتم بكلّ مجالات الحياة، وميادينها، وتساعد المرأة على التعرّف على جوهرها، وطبيعتها، فإنّها تعمل على تعريف المرأة فكرياً بالدّور الكبير لها في إدارة المجتمع، من قِبل أن تحدث الضّغوطات والانكسارات التّي تعرّضت لها خلال الأزمنة من قِبل الذّهنيّة الذّكوريّة والسّلطة. وما الأحكام والأوصاف الّتي نُسِبت للمرأة، والقوالب الجاهزة الموضوعة لها؛ سوى شكل من أشكال التّمييز العنصري المبنيّة وفقاً لهذا المفهوم. ولأنّ المرأة قد طُبّق، ولايزال يُطبّق عليها الكثير من الظّلم الاجتماعي المبنيّ على التّصوّرات والمعتقدات، والتي تجعل من المرأة ضحيّتها دون أن يكون لها ذنب يستوجب هذا الظلم، فإنّه يقع على عاتق الجنولوجيا؛ تسليط الضّوء على هذا النّوع من الظلم الاجتماعي تجاه المرأة، وإدراكه، وإيجاد الحلول له، وإعادة النّظر فيه، والعمل على تصحيح هذا المسار الخاطئ.
ولهذا الجنولوجيا تكون قريبة من الواقع جدّاً، كما أنّها تغوص بالعمق التّاريخي للمرأة، وتنهض بالمرأة على أساس أنّ المرأة العارفة لذاتها؛ تكون معها مجتمعات قويّة بعيدة عن الاغتراب المفروض عليها.
ـ هل تعتقدون أن واقع المرأة في مدينة منبج؛ أخذ الدّور الرّيّادي للمرأة، بعدما عاشت إجحافاً في كافة المستويّات، وكيف برز هذا الدّور؟
لا نستطيع أن نجزم بأن كافّة النّساء في منبج؛ أخذنَ الدّور الرّيّادي؛ فما زال هناك نساء بحاجة إلى التّوعيّة، والتّوجيه، والخروج من قيود العادات والّتقاليد الباليّة التّي وضعها المجتمع الذّكوري، بالطبع وللتوضيح أكثر قصدنا من كلمة العادات والتقاليد الباليّة؛ هي تلك العادات التي أصبحت دخيلة على مجتمعاتنا؛ ولكن في الوقت نفسه؛ تُعتبر كأنّها من جوهر مجتمعاتنا؛ بينما في الحقيقية؛ هي بعيدة كل البعد عن جذورنا الاجتماعيّة.
ومن ناحيّة أخرى هناك نساء في منبج؛ وصلنَ إلى دور رياديّ، واستطعن إثبات وجودهنّ، وإضفاء بصمة مميّزة في مجتمعنا من خلال مشاركتهنّ في كافة الأصعدة والمجالات.
يجب أن نتذكّر دائماً أنّ من الفئات الاجتماعية المتواجدة في مجتمعنا؛ أوّل من احتضن تحرير منبج؛ كانت المرأة، احتضان المرأة لقوّات سوريا الديمقراطية؛ كان بالفعل مختلفاً كثيراً، وكأنّ المرأة بمنبج كانت تبعث رسالة لكلّ العالم، ولمن اضطهدها؛ بأنّها ستكون أوّل من يلتحق بنضال الحرّيّة؛ وستعمل على الوصول لها دائماً.
 كما وكانت مشاركة المرأة في كل المجالات، وتطبيقها لنظام الرّئاسة المشتركة ضمن كل المؤسسات العامّة؛ دليل على رغبتها في التّطوّر. ولكنّها لم تكتف بهذا، بل تشكيلها لمؤسساتها الخاصّة؛ زاد من دورها أيضاً في المجتمع. وبرز الجانب التّوعوي الذّي تعمل على أن تنشره بين كلّ نساء منبج.
ومع هذا لو قارنا كلّ هذه الجهود، والثّمار التّي تجنيها المرأة في منبج مع شريحة النّساء الباقيات؛ إلى الآن قابعات في بيوتهنّ مخافة معاقبة الرّجل لها؛ لأنّها خرجت عن قوانينه، فإنّها تبقى ناقصة كثيراً، فما زالت الكثير من المواضيع عالقة، ويلزمها حلولاً جذرية؛ ناتجة عن دراية، ووعي للمرأة والرجل أيضاً، وخاصةً في أمور تشكيل الأسرة التّي هي الخليّة الأساسيّة؛ لتشكّل المجتمعات.
وفي النّهاية أقول إنّ المرأة في منبج؛ يجب أن تأخذ قوّتها من تاريخها العريق. فهي حفيدة أتارغتيس آلهة منبج، ولا يليق بها شيئاً سوى أن تكون خير ممثلة لتلك الثّقافة الواسعة، وهذا ما سيتحقّق بالوعي لتحقيق التّطوّر الاجتماعي الأكبر، والذّي ستكون المرأة؛ هي الطّليعية، والرّائدة فيه. إضافةً لإقبال المرأة على تنظيم ذاتها أكثر، وأكثر.