عفرين والتغييرُ الممنهج

38
تحقيق/ رامان آزاد –

لازلنا نتحدثُ عن عفرين الوطنِ بتعابيرَ رومانسيّة ونلطّف الألفاظَ، ولا نخرجُ عن حديثِ الأمنياتِ، وعندما تتسنّى لنا فرصةُ التواصلُ مع الأهلِ والأصدقاءِ داخلَ عفرين التي غادرناها قبيل يوم الجراد، تفيضُ أحاديثنا بأملِ اللقاءِ القريبِ، ولكن الواقع أنّ عفرين تعيش حالة تغيير ممنهجة شاملة ديمغرافيّاً وإداريّاً وسياسيّاً.
من طبيعةِ الإنسانِ التمسّكُ بخيطِ الأملِ مهما كان واهياً، وقد يلجأ للعاطفة فيصوّرُ أملاً لنفسه لا أساسَ واقعيّ له، ثم يصدّقُه وينتظرُ تحقّقَهُ. ولكن؛ هذا الأملَ يعطّلُ التصالحَ مع الذات والواقع، وما يحدثُ معنا هو شيءٌ من هذا، فالحقيقةُ أنَّ عفرين ليست محتلةٌ، بل مستباحةٌ، وأضحت بؤرَ استيطانٍ لمن أُخرج من الغوطةِ والمناطقَ التي استعادَ الجيشُ السوريُّ السيطرةَ عليها، وهي قضية محلُّ توافقٍ دوليّ كما العدوان عليها.
تخبطُ البعضِ إزاء المأساة
الكرديّ المأسور حزبيّاً لا تعنيه الحقيقةُ إذ لا همَّ له إلا أن يُكيلَ الاتهاماتِ لفريقٍ كرديّ آخر كانتِ المنطقةُ بإدارته، ويتجاهلُ سلوكَ وجرائمَ التركيّ ومرتزقته ولا يشيرُ إليهم بانتقادٍ، ولعله من الموضوعيّة والمسؤوليّة القول إنّ الإدارة الذاتيّة وقعت بأخطاء كثيرة وكان من الممكنِ تفاديها والوقوفُ عليها، ولكنها لم تكن جسيمةً وكان معظمها نتيجة قلة الخبرة، وقد سارتِ الحياة بشكلٍ طبيعيّ. ولكن؛ تلك الأخطاء لا تبرّرُ الاحتلالَ أو التغييرَ الديمغرافيّ ولا قطعَ غصنِ شجرةٍ أبداً. وقد نذهب أبعد من ذلك بالقول إنَّ من أخطاء الإدارة الذاتيّة نوعان متناقضان اعتمادُ الولاءِ أكثر من الكفاءة، والانفتاح لاستيعاب المجتمع ليقعَ في ظله الاختراقُ، والسؤال هل الاحتلالُ التركيّ ودخول المرتزقة تصحيحٌ لتلك الأخطاء؟ وما شرعيته ومن فوّضه بذلك؟
من الغريبِ جداً تهليلُ البعضِ وترحيبُهم بالاحتلالِ وتبريرُ كلِّ الممارساتِ الإجراميّة والسرقاتِ، التي ارتكبها عناصرُ الفصائل الإرهابيّة التي استقدمتها أنقرة وجمعتها لتنفيذ مخططها باحتلال عفرين، بعدما كانت لسنواتٍ ترفعُ شعارَ الثورةِ لإسقاطِ النظام السياسيّ في سوريا، فهل يمرُّ إسقاطُ النظامِ من عفرين؟
بعضُ المهللين للاحتلالِ التركيّ عادوا إلى عفرين متقمّصين شخصيّة المقاومِ والوطنيّ، ولنتأكدَ أنَّ ثمّة شرخَاً بالصف الكرديّ أعمقُ مما نتصوّر، ويصعُبُ ترميمه بالشعاراتِ والبياناتِ، وأنّ الخطابَ الحزبيَّ لا زال في طورِ التلقينِ وتردّدُهُ القواعدُ، وأنّ الكلمةَ الموحِّدةَ لشملِ الكردِ لا حاضنةَ شعبيّة لها، فالحواضنُ حزبيّةٌ فقط.
وتبقى التعييناتُ الجديدةُ في ظلِّ الاحتلالِ ظاهرةً لافتةً، فبعضَ حملةِ الشهادات والمثقفين وقفوا على قارعةِ الأحداث طيلة السنوات الماضية في بطالةٍ كاملةٍ، ولسان حالهم وقتها قولُ اليهودِ للنبي موسى “اذهب أنت وربُّكَ فقاتلا إنّا هاهنا قاعدون”. وأما اليوم فهم يتولّون الوظائفَ في ظلِّ الاحتلالِ.
على المستوى الأخلاقيّ والوطنيّ نسأل، إذا كان قبولُ التعيين في ظلِّ الاحتلالِ احتواءً للأمر الواقع، ألم يكن من الممكنِ فِعلُ ذلك سابقاً أو الوقوف بوجهِ أخطاءِ الإدارةِ الذاتيّة وتجاوزُ الاختلاف الحزبيّ لما فيه خيرُ البلد؟ لماذا لا يتخذ هؤلاء الموقف ذاته بالنأي بالنفس اليومَ أيضاً؟ والأنكى قولُ البعضِ “عفرين كانت محتلةً”، فهل تحرّرتِ اليومَ وقد خرج منها أهلُها؟ لعلها كذلك في منظورهم، وما قولهم إلا تأكيدٌ لارتباطهم بالاحتلال، الذي حرّر الحقدَ المختزنَ في نفوسِهم.
من نافلةِ القولِ إنَّ أيَّ احتلالٍ ليس له شرعيّة، وهو لا يبحث عنها، بل يبحثُ عن الديمومةِ وإطالة مدةِ البقاءِ، والسبيلُ لذلك إيجادُ أفرادٍ من البلد المحتل متعاونين معه، وإذا كان الاحتلال التركيّ قد دخل عفرين مروراً على جثامين الشهداء، فهل يمكنُ تقلّدُ منصبٍ من قبله؟ هذه هي المعادلة ببساطة!
عفرينُ جرحٌ عميقٌ لمَّا يتوقف نزفُه، وجريمةٌ كبرى صَمَتَ العالمُ إزاءها وانحياز إلى الجاني خوفاً منه، فيما يجترُّ الكرديّ خلافاتِه، يدينُ هذا ويمدحُ ذاك، ولعله يبرّئ العدوَ، فالتغييرُ أنطقَ صامتي الأمس، ليعلنوا البراءةَ من الماضي القريب، والولاءَ للعهدِ الجديدِ في بياناتٍ رسميّةٍ مبتذلةٍ. 
إسقاط التوصيف الكرديّ والوطنيّ عن عفرين
تستمرُّ في عفرين عمليةُ التغييرِ الديمغرافيّ والاستيلاءِ على البيوت، لتبدوَ عملياتُ السرقة و”تقشيط” البيوتُ جُنحاً بسيطة.  فقوافلُ طويلةٌ من حافلاتِ المُبعدين من دوما دخلت عفرين على مدار أيام، وتمَّ توطينُهم وإسكانُهم في البيوتِ، حيثُ لا يعدم المرتزقة الحجّة لتبرير عملياتِ الاستيلاء باتهامِ أصحابها سياسيّاً والانتماء إلى حزب الاتحاد الديمقراطيّ أو العمل بمؤسسات الإدارة الذاتيّة، كما يُطالبُ الأهالي بأوراق تثبتُ ملكيّاتهم، وحتى لو توفّرتِ الوثائقُ فلا اعتبارَ لها، ليتمَّ اللجوءُ إلى القوةِ والتهديد لإخراجِ الناس من البيوت.
التغييرُ الديمغرافيّ ليس استمراراً للعدوانِ التركيّ، بل هدفُه الأساسيّ، فأنقرة تعلم أنَّ التوافقَ الدوليّ الذي فوّضها باحتلالِ عفرين سيطالبُها بالخروج منها في تفاهمٍ قادمٍ، وتحضيراً للانسحابِ لا يدّخرُ الاحتلالُ التركيّ جهداً في إجراءاتِ توطينِ الموالين له على الحدودِ، ويستفيدُ من كاملِ الوقتِ الممنوحِ له ويستعجلُ التغييرَ الديمغرافيّ لفرضِ أمرِ واقعٍ يصعُبُ تغييره فيما بعد.
كلُّ معطياتِ الواقع تؤكّدُ أنَّ التغييرَ الديمغرافيّ يسيرُ على قدمٍ وساق، وتأتي إجراءاتُ منعِ العودة وسياساتِ التخويفِ والاعتقال وأعمال الخطف والقتل داخل عفرين بهذا السياق تماماً. وهذا هو مضمونُ تعليمات الاستخباراتِ التركيّة لقادة فصائل المسلّحين بالتضييقِ على الأهالي ودفعهم للخروج، بالتوازي مع استقدامِ التركمان وتوطينهم بالمنطقة.
فيما يؤكّد رفعُ العلمُ الأحمرُ ذو الهلالِ بكلِّ مكانٍ الاحتلال التركيّ للمنطقة، بالتوازي مع تغييرِ أسماءِ المؤسساتِ والساحاتِ، فساحةُ دوّار وطنيّ سُمّيت بدوّار “18 آذار” وهو يوم الجراد وإعلانِ احتلال المدينة، فيما دوّار كاوا أصبح اسمُه دوّار “غصن الزيتون”، كما سُمّيت ساحةٌ ثالثةٌ باسم أردوغان. حتى أسماء القرى لم تسلم من التغيير، فقرية قسطل مقداد أُطلق عليه اسم “سلجوق أوباسي” وقرية كوتانا أصبحت “زافير أوباسي”.
عفرين تغيّرت تماماً وبسرعة هائلة، سكانٌ جددٌ، وسلوكيّات مختلفة، وبات واقع اليوم يُلاحق كلَّ ما تبقى من تفاصيل الأمسِ القريب ويعتقله ويحاكمه، ومجرّدُ تهمةٍ ملفقةٍ أو اشتباهٍ تكفي لمصادرةِ كلّ شيءٍ حتى الحياة. ولعل عفرين باتت سجناً كبيراً، كلُّ شيء فيها تغيّر الأعلام والسكان، ولم تعد الكرديّة لغة الحياة اليوميّة ولا اللوحات الإعلانيّة.
وبتجميع الصورةِ؛ فإنّنا أمام عمليةِ ليس إسقاطِ التوصيفِ الكرديّ عن عفرين وإجراءِ تغييرٍ جوهريّ في التركيبةِ السكانيّةِ، بل وحتى الانتماء الوطنيّ السوريّ عبر تمكين موالين لأنقرة من الاحتلال، وإذا ما علمنا أنَّ العدوانَ على عفرين وفتحَ جبهةِ الغوطةِ كانا ضمن توافقٍ دوليّ، فإنّ ما يجري في عفرين لا يخرجُ عن هذا عن التوافق أيضاً.
عفرين من الاحتلالِ إلى الاستباحةِ
لازلنا لا نعي حجمَ الحدثِ، فعفرينُ مستعمرةٌ تركيّةٌ اليوم هذا هو الواقعُ، واحتفاظُ الأهالي بمفاتيحِ بيوتهمِ يرمزُ لأملهم بالعودة، ولكن ليس بمقدورِ العائدين استعادةُ بيوتهم التي تمَّ الاستيلاء عليها، ومعظمُ العائدين هم من كبار السنِّ والنساءِ. ومبدئيّاً لن يعودَ عفرينيّ إلى بيته وحقله ولا حتى لزيارةِ أضرحة ذويه، لا بل لن يسيرَ في جنازةِ أحدٍ من أهله في عفرين.
ربما يتعيّن على أيّ كرديّ أن يفكرَ مليّاً، قبل أن ينطقَ بحرف واحد أمام هول الكارثة، ولعلَّ صمتَ البعضِ أجدى، ولننصت بعمقٍ إلى شذراتِ الأحاديثِ المقتضبةِ التي ترِدُ من عفرين، والتي تحكي بكثيرٍ من الحذرِ من الواقعَ الراهنَ فيها، وما يرِدُنا من إشاراتٍ يتطلبُ قراءةَ ما بين السطور، وقول الباقين فيها: “إنّ الله وحده هو المعوّل والموئل والحامي يعني الكثير”، فهم يعيشون على حوافِ الموتِ على مدار الوقت، ولعلهم يختزلون كلَّ شيءٍ بالقولِ: “إنّ مجرّدَ بقائنا أحياءَ معجزةٌ لا يمكن تفسيرُها”، فعصابات المرتزقة التي تحتمي بالاحتلالِ تعملُ على تدميرِ الحياةِ.
واقعُ عفرين يتجاوزُ الاحتلالَ، ليكونَ استباحة كاملة للمنطقة، وإنهاءَ معالمِ خصوصيّتها، بالتتريك في الإدارةِ والإرادةِ والتعريبِ عبر الاستيطان، وتُعقدُ اجتماعاتٌ متتاليةُ تضمُّ ضباط الاستخبارات التركيّة وقادة فصائل المرتزقة مضمونها استنزافُ صبر الأهالي، والتضييق عليهم بكلِّ الوسائل وتقنينُ إمكانيّةِ الحياة ودفعُهم للخروج من بيوتهم ومغادرة المنطقة، ليتولى سماسرة التهريبِ ابتزازهم، ولعلهم يتعرضون لعبواتِ الموت المزروعة على الطرقاتِ والتي قد تنفجر فتودي ببعض وتقطّع أوصال آخرين.
المداهماتُ وحملاتُ التفتيش محتملةٌ حتى في ساعات الليل المتأخرة، ولا يمكنُ التكهّنُ بما يبحثون عنه، وإذا كانتِ المداهماتُ قانونيّاً تستندُ لأدلة وقرائن تبرّرُها، فهؤلاء ليس لهم قوانين ولا يلتزمون بأخلاقيات ولا يقدرون حرمة البيوت، يداهمون البيوت بحثاً عن أيّ شبهةٍ، وبالتالي فالغاية هي ضربُ بيئة الحياة وإخضاع الناس أو ﻹجبارهم على ترك بيوتهم.
في المدينةِ لا يخرجُ الناسُ للشارعِ إلا للضرورةِ، يتحركون بحذرٍ، يُوقفون بشبهةٍ أو بدونها، ساعاتٌ قليلةٌ من الغيابِ عن البيوتِ تكفي لسرقتها أو الاستيلاء عليها، ولا يعلمُ الناس متى تُداهمُ بيوتُهم، يبحثون عن أيّ شيء، ويستمرُّ الاعتقال، بينما تُفرضُ حالاتُ حظرِ التجول بسببٍ وبغير سبب، فيما لا يمكن التكهن بساعةِ اندلاعِ الاشتباكاتِ في الأحياء السكنيّة، عدا إطلاقِ النار العشوائيّ للترهيب. ومن خرج من الغوطة برعاية دوليّة، ودخل عفرين عبر إدلب وتم توطينها فيها هو من يرفع صوته اليوم ويتظاهر، وفي القرى والبلدات قد يُدعى الأهالي للاجتماع في الساحات لساعات ليعودوا إلى بيوتهم وقد سُرقت مجدداً.
لازال طريقُ العودةِ إلى عفرين مغلقاً، ومعظم العائدين نساء وكبار السن وأطفال. والأهالي المهجّرون توزعوا في مناطق الشهباء حتى المسلمية على جمرِ الانتظار، والنزول إلى حلب مغامرةٌ، رحلةٌ على حوافِ الموتِ، وقد قضت عوائلٌ بانفجار الألغام، فيما نشط سماسرة الطريق من المهرّبين.
عفرين مقابل الغوطة وازدواجيّة في المعايير
المفارقةُ أنَّ المرحَّلين من دوما والضمير ينتقلون بالحافلاتِ وسط اهتمامٍ إعلاميّ بكل إجلالٍ واحترامٍ ويتعاطفُ العالمُ معهم، وتغيّر توصيفهم من إرهابيين إلى مجرد معارضين! فيما مصيرُ أهالي عفرين النازحين والمقيمين في المخيماتِ تُرِك للمجهولِ حتى إشعارٍ آخر. وبالتالي فمأساةُ الزيتونِ مستمرّةٌ مادام احتلالُ عفرين محلُّ توافقٍ دوليّ.
فجأةً لم يعد أهالي عفرين يملكون شيئاً، لا بيوتَ، لا أشجارَ زيتون، لا آلياتٍ، ولا يأمنون حياتهم. فيما سُرق موسمُ الزيتون بطرقٍ مختلفة، بالقوة والترهيب وأسلمُ الطرقِ كان فرضُ أسعارٍ متدنية على المحصولِ ومُنعُ إخراجِ الزيتِ والزيتونِ من المنطقة، كما فُرضت الإتاوات الباهظة على الأهالي، وكان أقبح الأعذار أنّهم يحمون الأهالي، ولكن ممن يحمونهم؟ واليوم أضحى المعبر الذي افتتحه الاحتلالُ قناةً رئيسيّة لإدخالِ الموسمِ المسروقِ إلى تركيا علناً.
أيُّ سفاهة، التماسُ الأعذارِ للمحتلِّ وإجرامِه، فلا أحدَ يشبهُ سفّاحَ أنقرة، الذي سلّط شذاذَ الآفاق على بلدِ الزيتونِ والسلام، فعفرينُ مأساةٌ صنعها الإجرامُ الناطقُ والنفاقُ الصامتُ وجعجعةُ الشامتِ. وفي تأكيد للتوافق الدوليّ تقدّم بوتين بالشكرِ لأردوغان لتعاونه في إنجاز السيطرة على الغوطة خلال القمة الثلاثيّة. ولنتيقنَ أنَّ تزامنَ معاركِ الغوطةِ وعفرين لم يكن أبداً صدفة. وما دام التغييرُ الديمغرافيّ هدفَ الحرب فهو بالتأكيدِ محلُّ التوافق أيضاً. وقد ردَّ أردوغان على تصريح وزير الخارجية الروسيّ لافروف تأكيداً للخطة التركيّة، بأنّ عفرين ستُعادُ إلى “سكانها الأصليين” وأنّ القرارَ يعودُ ﻷنقرة وحدها، والكذبة هنا واضحة لأنّ عودة الناس إلى مناطقها لا يتطلب حرباً بل مجرد توفير السلام، فيما العدوان يعني التغيير الديمغرافيّ، والتهجير القسريّ للسكان الأصلاء.
واعتماداً على الغوطةِ ومشهدِ دوما الكيماويّ، جاء العرض المسرحيّ الثلاثيّ (الأمريكيّ- البريطانيّ- والفرنسيّ) مُسبقِ الدفعِ باستهداف أهداف عسكريّة في سوريا، بعد إعلام موسكو بتفاصيله، وبذلك فالتوافقُ يشملُ مجالاً أوسع مما نتصوّرُ، مع مبادرة الخارجيّة التركية للترحيبِ بالضرباتِ الصاروخيّة. ذلك لأنّ إدارة ترامب لم تحرّك ساكناً إزاء العدوان والاحتلال التركيّ لعفرين، فيما ارتفعت الأصوات من أجل إدلب، وبتجميع كليّ للقصّةِ نجد أنّنا أمام تباكٍ مفتعلٍ لقصّةٍ لم يتمّ التأكدُ من صحّتها، وكأنّهم أرادوا إعادة الاعتبار لمسلحي جيش الإسلام ربيب السعودية. فيما تخرسُ كلُّ الألسن حيال جرائم الاحتلال التركيّ الموصوفة في عفرين. ولتتضح ملامح الخطة الروسيّة واقعاً واعتمادها الحلّ العسكريّ لفرضِ رؤيتها، مع الاتهامات الموجّهة للإدارة الذاتيّة ودفع أنقرة للعدوان على شرق الفرات.
يحيى العريضي “الناطق” الرسميّ باسم هيئة العليا للتفاوض والمعروف بتطرفه والمنقلب على ولي نعمته، قال: “من حقِّ المهجّرين من غوطة دمشق وغيرها الانتقال إلى أماكن للعيش فيها سواء في عفرين أو أيّة منطقة سورية غيرها”. وكأنّ عفرين مستباحة ليس لها أهلٌ، أو أنّ النزوح مصير أهلها النهائيّ، والعودة ستكون محدودة، لكل ذلك نقول: المراجعة باتت ضرورية وملحة.
ما يحدث في عفرين تجاوز هدفَه إنهاءِ حزبٍ أو فصيل كرديّ، ليكون استئصالاً وجوديّاً للكرد، إذ انتقل الكرديّ من الجبلِ إلى المخيم في استثنائيّة تاريخيّة.