بدران جيا كرد: “الاعتداءات التركية تهدف لإنعاش المرتزقة وعرقلة القضاء عليهم”

38
حوار/ صلاح إيبو –

تطورات عدة سياسية وميدانية شهدتها الساحة السورية في الآونة الأخيرة، ولعل أبرزها العدوان التركي المباشر على مواقع قوات سوريا الديمقراطية في كوباني وكري سبي والتي جاءت في اليوم الذي تلا الاجتماع الرباعي بإسطنبول، وفي السياق أجرت صحيفتنا حواراً مع مستشار الإدارة الذاتية الديمقراطية بدران جيا كرد والذي وضع هذه الهجمات التركية في خانة الانتقام من المشروع الديمقراطي، في ظل فشل مرتزقتها من حصد المكاسب السياسية، إضافة لمحاولة تركيا الضغط على التحالف ومنعه من دعم قسد. ولكن؛ استبعد جيا كرد في الوقت ذاته من أن تبدي أمريكا ودول التحالف رغبة جدية للانسحاب من سوريا قبل ترتيب المنطقة من جديد وفق مخططاتها، مشيراً إلى أن فرص تحرير عفرين متعددة. ولكن؛ يجب العمل الجاد لاستغلال تلك الفرص في عملية التحرير.
وفيما يلي نص الحوار:
 ـ يتداول اليوم عزم أمريكا طرح استراتيجيتها الجديدة في سوريا، برأيكم ماذا تحمل هذه الاستراتيجية من تغيرات على الساحة السورية وتأثيرها في مستقبل شرق الفرات؟
ما تطرحه الولايات المتحدة الآن من أهداف واستراتيجيات في المنطقة ليست جديدة بكل معنى الكلمة، إنما تأتي في إطار استراتيجيتها العامة التي طرحتها نهاية العام الماضي، وتمحورت في الحفاظ على مصالح ونفوذ الأمن القومي الأمريكي في العالم، وكذلك محاربة الإرهاب بكافة أشكاله. ولكون منطقة الشرق الأوسط تشكل مركزاً لهذا الصراع بين القوى المختلفة لاعتبارات جيوسياسية وتاريخية، وهذا ما يفرض على الولايات المتحدة بان تكون هذه المنطقة مركز ثقل لمخططاتها السياسية والعسكرية وبشكل خاص في سورية والعراق. إذ؛ تعتبرها الباب الأوسع والأكثر شرعية للتمدد والتوسع في المنطقة والعالم، وضرب القوى التي تراها شريرة وتعرقل وتنافس مصالحها، وهذا يُعتبر اللب الأساسي لاستراتيجية نظام الحداثة الرأسمالية العالمية التي تفرز الفوضى والأزمات، وكما إنها نمقت وأدلجت هذا الصراع تحت اسم محاربة الإرهاب والتطرف وأجمعت العالم في أحلاف دولية وعالمية وانخرطت في هذا الصراع وخوّلت وكلفت نفسها بمهمة إنسانية لا بد منها في حماية البشرية والعالم من التطرف والإرهاب. وضمن هذا المفهوم؛ فإن التحالف الدولي وفي مقدمتها أمريكا لا يمكن له الخروج من سوريا بسهولة كما يُعتَقد، فوجود فصائل متطرفة غير منسجمة مع السياسة الدولية وكذلك التمدد الإيراني وتهديده لإسرائيل والتواجد الروسي، وإعادة النظام السوري لقوته الحليف الأساسي لإيران أيديولوجياً كلها أسباب وأهداف مباشرة تُبرر بقاءها في المنطقة، كما إنها ستحاول الإبقاء على بعض الفصائل التي تدّعي بانها معتدلة في المناطق الشمالية من سوريا، لإيجاد حالة من التوازن والضغط على النظام السوري لفتح الطريق أمام مسار جنيف السياسي، وبالتالي هذه العملية إضعاف للنظام السوري ولهذه العملية أثار إيجابية على مناطق الشمال السوري، وبخاصة مناطق الإدارة الذاتية، حيث يمكن الاستفادة من هذه المعادلة سياسياً إلى أبعد الحدود وهي الخوض بقوة بعملية سياسية مرتقبة في جنيف.
ظهرت مؤخراً رسائل سياسية متعددة ومن مسؤولين كِبار في أمريكا بصدد مشاركة الكرد باجتماعات جنيف المقبلة، ما هي قرأتكم لهذه التصريحات؟ وهل يمكن أن نضع هذه التصريحات في خانة الزوبعة الإعلامية فقط؟
إن التصريحات الأخيرة لمسؤولي الولايات المتحدة حول مشاركة الإدارة الذاتية ومجلس سوريا الديمقراطية في العملية السياسية واللجنة الدستورية لها مدلولين، أولها غاياتها سياسية تُريد أن تضغط على القوى الأخرى روسيا وتركيا وسوريا، لتحصل على تنازلات هامة لمصالحها لتتمكن من إعادة ترتيب أوراقها في كسب المبادرة السياسية لملف سورية بعد أن تمسكت بها روسيا وتركيا.
وثانياً باتت القوى الدولية تعي جيداً بعد ثماني سنوات من عمر الأزمة السورية بأنه لا يمكن أن يكون هناك حل بدون مشاركة فعليّة لشعوب شمال سوريا، وليس خيار آخر، إما حل سياسي جامع في إطار سورية موحدة وإلا ستواجه سورية التقسيم العرقي والطائفي وهذا ما لا يتمناه أحد بعد التجربة العراقية.
ـ بدأت أمريكا بإظهار المزيد من العِداء لإيران على الأرض السورية، هل يمكن أن يحدث صدام مباشر بين التحالف والقوات الإيرانية في دير الزور ومحيطها بهدف قطع الحدود العراقية السورية أمام إيران؟
نعم؛ إن أمريكا مُصِرّة على تحجيم الدور الإيراني في كل المنطقة وليس في سوريا لوحدها، حاولت جاهدةً في العراق إبعاد إيران من التشكيلة الحكومية الجديدة وخطي خطوات هامة في هذا الاتجاه. ولكن؛ النفوذ الإيراني متجذر أيديولوجيا في العراق لا يمكن تجاوزه بسهولة والآن في سورية تعمل على قدم وساق، تارةً مع روسيا وأخرى مع تركيا، وتوظيف إسرائيل لهذا الأمر في غاية الأهمية من حيث توجيه ضربات عسكرية، كما حصلت سابقاً ويمكن أن يحدث فيما بعد أيضاً وهناك احتمالات كبيرة في تصعيد عسكري واسع بين إيران وإسرائيل على الأراضي السورية. والقاعدة الأمريكية في “التنف” هدفها الأساسي هو الفصل بين الحدود العراقية السورية، واعتقد بأن هذا التصعيد سيزداد بعد عملية دحر الإرهاب في دير الزور.
ـ هناك إجماع شبه دولي على مشاركة الكرد بخمسة أشخاص في لجنة الدستور. لكن؛ هناك معارضات من قِبل النظام على مشاركة الكرد والأمم المتحدة، ما صحة هذه المعلومات؟ وهل تم دعوتكم أو مشاورتكم في هذا الأمر؟
حتى الآن لا يوجد توافق دولي على كيفية تشكيل اللجنة المكلفة لإعداد الدستور السوري، حيث النظام السوري حتى الآن لا يقبل بحضور أو إشراف أممي لهذه اللجنة، أي أنها ليست لديها نية صادقة ونزيهة في إنشاء دستور جديد للبلاد، وحتى الآن لا توجد أي دعوة رسمية للإدارة الذاتية لكي تتمثل في إنشاء الدستور. وهذا ما يرفضه النظام والمعارضة وهم سيكتفون بضم شخصيات كردية تمثلهم ولا يمثلون أحد من مكونات شمال سوريا أو الإدارة الذاتية. وهذه التباينات في المواقف تخلق صورة ضبابية على أرض الواقع حول كيفية حسم المعارك، حيث إن النظام وروسيا وإيران سيتخذون القرار النهائي بعد الحسم العسكري لصالحهم وإلا المناقشة الحالية لتشكيل اللجنة ما هي إلا مراوغة سياسية للحسم العسكري.
 ـ أردوغان خفّض من لهجته تجاه منبج. لكن؛ مازال يستمر بتهديد شرق الفرات، هل يدل ذلك على أن تركيا بدأت تفهم أهمية منبج في التوازن بين القوى الدولية (أمريكا وروسيا)؟ وكيف يمكن ترجمة التوافق (الروسي ـ التركي والنظام السوري والإيراني) بالعِداء للقوى الديمقراطية في شرق الفرات؟
كل المناطق التي حررتها قسد من داعش والتي تمت حمايتها من المجموعات الإرهابية المدعومة تركياً، مستهدفة من قبل الفاشية التركية لكونها تحمل بين طياتها تجربة ديموقراطية، وتضمن حقوق كافة المكونات بما فيها الكرد وهذا الأمر يهدد مضاجع السلاطين العثمانيين، لكون أركان النظام الفاشي التركي مبنية على الإنكار والإبادة؛ فإن أي اعتراف للحقوق القومية والديمقراطية للشعوب التي تستعمرها تعني انهيار للنظام الفاشي، وعلى هذا الأساس تبني استراتيجياتها وتمارس السياسة. إن التهديدات والهجمات الأخيرة على غرب كوباني وكري سبي بالمدافع ومختلف أنواع الأسلحة ليست سوى إحدى حلقات حرب الإبادة المُعلنة على شمال وشرق سورية، وفي هذا التوقيت تدل بأنها تهدف إلى تصفية مكتسبات شعوب شمال وشرق سوريا في مرحلة الأزمة السورية بينما خسرتها المعارضة الإخوانية التركية وهذه عملية انتقامية بحتة. وكما إنها تهدف إلى زعزعة الاستقرار وخلق حالة من الفوضى لكي تتمكن من إنعاش الفصائل الإرهابية المتطرفة التي تعيش في موت سريري، وعرقلة العمليات التي تؤدي إلى القضاء على الإرهاب، فإن انتهى الإرهاب انتهى النظام الفاشي الإرهابي، كما تهدف من جهة أخرى إلى الضغط على التحالف الدولي ليتنازل عن دعمه لقسد، هكذا نرى بأن التهديد الأكبر الذي يواجه سورية بشكل عام وشمال وشرق سوريا بشكل خاص هو تركيا، وتهاجم المناطق المستقرة والآمنة. كما كانت عفرين واليوم كوباني وكري سبي في الوقت الذي تتوجه الجهود الدولية نحو الحل السياسي وإنهاء داعش والإرهاب، بينما تركيا تفتح أبواب الجحيم مجدداً لتقضي على كل الجهود الدولية الرامية الى الحل السياسي ومحاربة الإرهاب، وهذه للمرة الثانية والعاشرة تضع انضمام تركيا إلى الحلف الأطلسي على المحك .لذلك؛ يتطلب من الجميع إبداء المواقف الصارمة والحازمة دولياً وإقليمياً وسورياً وكردياً للَجم وحشية الدولة التركية، إلا أن المواقف والتصاريح الأخيرة من قِبل روسيا وسوريا لا تخدم الحل السياسي والحوار، بل أنها تُحرض تركيا أكثر للمجابهة سواء مع قسد أو التحالف الدولي وإن هذه الدول تريد أن تصفي حساباتها مع أمريكا والتحالف الدولي.
ـ فيما يخص إدلب، عُقِد اجتماع رباعي في إسطنبول، وسيتبعه اجتماع يضم سبع دول لها دور فاعل في سوريا، برأيكم إلى أين تتجه البوصلة في إدلب؟
أرادت تركيا من خلال الاجتماع الرباعي في إسطنبول بتدويل إشكالية إدلب وإبقائها كما هي لأنها تُوقِن بفشلها ولم تستطيع فعل المزيد أو مواجهة المجموعات الإرهابية ولا تُريد المجابهة مع روسيا، وكذلك روسيا تحاول قدر الإمكان الحفاظ على علاقتها بتركيا كي لا تنحاز إلى التحالف الدولي، وسيكون وضع إدلب بين المماطلة السياسية والمعركة الفعليّة. ولكن؛ هذا إلى فترة من الزمن ولا يمكن أن يستمر الاتفاق الهش، وستشهد إدلب معارك لا بد منها، حيث هناك الكثير من الأطراف غير راضين عن هذا الاتفاق حتى الجانب الآخر من سوريا وإيران يبحثون عن الذرائع للهجوم وفشل اتفاقية سوتشي تُثبته جميع الأطراف، ومن أجل تغطية هذا الفشل تقوم تركيا بقيادة أردوغان بمهاجمة مناطق أخرى وتستهدف مناطق شرق الفرات. والاجتماع الرباعي كان هدفه إنقاذ إدلب من المعركة المحتملة ولكنها أيضاً فشلت واكتفت بقرارات عامة، والتي لا يختلف عليها أحد من الأطراف المتصارعة في سوريا، وهو أنه لا بديل عن الحل السياسي في سوريا. ولكن؛ بعد انتهاء الاجتماع مباشرة بدأت بالهجوم على كوباني وكري سبي أمام مَرأى أصحاب القرار؛ أي إنه أن الاجتماع لم ينتهِ بقرار وإرادة موحدة.
 ـ خلال التصريحات المتتالية لقادة من قوات سوريا الديمقراطية في وقت سابق على أن تحرير عفرين هو حقيقة قائمة، في الشق السياسي ما الفرص المواتية لتحرير عفرين في ظل الصمت الدولي حول انتهاكات الدولة التركية وسعيها لإبادة الكرد هناك؟
 بكل تأكيد قضية تحرير عفرين هي قضية كردستانية وسورية وطنية بالنسبة لنا، وتُعتبر من أولويات نضالنا التحرري لكونها تعيش وضعا استعمارياً وإرهابياً بكل معنى الكلمة، ويتم ممارسة سياسة التطهير العرقي وعمليات الإبادة بشكل ممنهج، حيث تختلف الممارسات اليومية في عفرين عن كل المناطق المحتلة الأخرى من سوريا وكردستان.
إن فشل السياسات التركية وتفاهماتها مع شركائها في الشمال السوري، يفتح أبواب هامة لاستغلالها من أجل تحرير عفرين وأيضاً الوضع المؤقت وغير المستقر لمناطق الاحتلال التركي، قد تُفجر في أي لحظة معركة تحرير عفرين، حيث التوازنات والتفاهمات مؤقتة بين الشركاء في تلك المنطقة كما تحدثنا عن وضع إدلب سابقاً، بالإضافة وبشكل أساسي علينا أن نصعّد من نضالنا على الأصعدة كافة؛ لخلق فرص مواتية والاستفادة من أبسط الإمكانيات المتاحة، وعلينا ألا ننتظر النجاح على حساب فشل الآخرين وإنما أن نعمل بكل طاقاتنا من أجل إفشال السياسات الاستعمارية، وألا تحقق هدفها المنشود وأن نكون دائماً حجر عثرة وعصي في عجلة الاستعمار المسلط على رقاب شعبنا الآمن، فإن اتحدت العوامل الذاتية للنجاح مع الظروف الموضوعية المحيطة بنا عند ذلك فقط يمكننا تحرير عفرين.
ـ كان هناك حديث قبل عام عن مخطط لتشكيل ثلاث مناطق نفوذ في سوريا (علوية، كردية، وسنية)؛ هل يمكن القول إن المنطقة الممتدة من جرابلس إلى إدلب اليوم باتت واقعاً لمنطقة النفوذ السني العربي بدعم من تركيا الداعم الرئيسي للإخوان المسلمين؟ وإن كان ذلك حقيقة فما مصير عفرين؟
نعم تركيا تحاول الحفاظ على جزء من سورية كمنطقة نفوذ سنية إخوانية، وكان لها نية في حلب وحمص وريف دمشق ودرعا ولكنها خسرتها بالتوالي، والآن المعركة الحاسمة في الشمال السوري وتتبادر إلى الأذهان الكثير من التساؤلات حول مصير التفاهم الروسي ـ التركي والخلاف الأمريكي ـ التركي، وحوار الإدارة الذاتية مع دمشق ومصير جنيف وإدلب والمناطق الأخرى في ظل الاحتلال التركي ووجود إيران وعلاقته مع دمشق وروسيا والسياسة الأمريكية الإسرائيلية تجاه إيران. كلها قضايا عالقة ومعرضة للتغيرات المتسارعة، فلا يمكن القول بأن المنطقة السنية تم انشاؤها حسب المخطط التركي فمازال الوضع بحاجة إلى الكثير من الحلول، وعفرين لا يمكن أن تصبح جزءاً من المخطط الإخواني لاعتبارات كثيرة، أولاً ثقافياً واجتماعياً عفرين بعيدة كل البعد عن الثقافة والفكر الإخواني وثانياً سياسياً هناك مشروع سياسي وحركة سياسية تقود النضال الديمقراطي بأشكاله كافة من أجل عفرين، فهذه الاعتبارات المختصرة تجعل من عفرين معارضة وغير منسجمة مع المخطط المزعوم إلا في حالة واحدة يمكن أن يتم، إذا تم تهجير المواطنين المحليين كافة من عفرين؛ أي تهجير نصف مليون كردي سوري من مناطقهم أمام أنظار العالم دون رادع، وهذا سيتحول إلى أكبر قضية إنسانية دولية في القرن الحادي والعشرين.