سرجيلا…. نبض تاريخ حي

20
إعداد /عبدالرحمن محمد –

ما من بقعة على أرض سوريا إلا وتحكي عن تاريخ عريق وحضارة تمتد إلى غابر الأيام وسالف العصور والأزمان، وكلما ذكرنا منطقة منها على إنها غنية بالآثار والأوابد التاريخية؛ وجدنا منطقة أخرى أغنى وأعظم شأناً وكأنما تتنافس المواقع الأثرية على احتلال مكان الصدارة في منبع الحضارات وأرض التاريخ.
في شمال سوريا حكايات أخرى للتاريخ، وقصص من قصص الحضارات التي شهدتها المنطقة برمتها، وتعاقب لممالك وإمبراطوريات ازدهرت وتُرِكت لقادم الأيام مفردات لتقدم للبشرية، وفيما يحيط بمحافظة إدلب الكثير من تلك الشواهد.
 “سرجيلا” من إحدى أبرز تلك القرى التي غفت في حضن التاريخ، وتقع إلى الجنوب من مدينة إدلب على الطريق الواصل إلى معرة النعمان، شرق كفر البارة بحوالي 3.5 كم. وهي واحدة من مجموعة قرى أثرية متجاورة حافظت على نمطها ونسيجها العمراني المميز بشكل جيد منذ القِدم وحتى يومنا هذا، الأمر الذي جعلها من أبرز المعالم الحضارية والأثرية في المحافظة.
لمحة تاريخية عن المنطقة:
هيأت الظروف الجيدة من السلم والهدوء التي عاشتها سورية بين عهد الإمبراطور أوغسطس والفتح العربي الإسلامي، أي من بداية التاريخ الميلادي حتى 260 م، ومن 298م حتى 330-340م. لظروف التوسع السكاني والاستقرار في المنطقة، والكثير من التقدم والازدهار الاقتصادي، ثم كانت مسرحاً للعديد من الحروب والزلازل، وافتتحها نور الدين الزنكي عام 1148م.
الوصف العمراني وأنماط البناء:

تُعتبر القرية النموذج الأمثل عن وضع الأرياف في شمال سورية خلال الفترتين الرومانية والبيزنطية. وتستمد قرية “سرجيلا” مكانة خاصة بين القرى الأثرية في المنطقة لوجود الأبنية المتنوعة من البيوت والكنائس والحمامات ومعاصر الزيت ونمط البناء فيها يتألف من ثلاثة عناصر أساسية وهي بناء للسكن والعمل مع فسحة سماوية وسور يحيط بهذه الفسحة، والأبنية فيها مبنية على مستويين الأول أرضي وفوقه طابق ثان حيث تتجاور الغرف ذات السقوف المائلة على خط مستقيم أو على شكل زاوية قائمة.
تتوزع وظائف السكن في البيوت على الغرف في المستويين “الطابقين” من خلال تخصيص غرف الطابق الأرضي للنشاط العملي كالمخازن والإسطبلات ومعاصر الزيت، أما غرف الطابق العلوي فتُخصص للسكن مع وجود الرواق الذي يسمح بالمرور بين الغرف الطابقية أو المتجاورة المطلة على الفسحة السماوية.
تتميز البيوت بعضها عن بعض بعدد الغرف الذي يدل على التوسع غير المتوازي بين الأسر. توجد أقدم البيوت عند الوادي عند ابتداء السفوح، وتتميز الغرف والفسحة بأبعادها الصغيرة كما أن نوعية البناء فيها بدائية. تتكون الجدران من صفين من الحجر الغشيم الصغير الحجم، وربما بناها أصحاب البيوت أنفسهم ولا يوجد فيها أثر للتزيين، وهناك البيوت الكبيرة المبنية بأحجار بسيطة قائمة ومربعة الزوايا تزن الواحدة منها بضع مئات من الكيلوغرامات المرصوفة بدون ملاط، وتعود إلى القرنين الخامس والسادس الميلادي. وهي بحالة حفظ جيدة يصل ارتفاعها إلى ثمانية أو عشرة أمتار أي حتى مستوى السقف.
الحياة الاقتصادية والنشاط السكاني:
ازدهرت الحياة الاجتماعية والاقتصادية، وشهدت المنطقة نمواً سكانياً لافتاً في القرنين الخامس والسادس، وامتاز سكان المنطقة بأنهم فلاحين فقراء نشطين، قاموا بالزراعة وحراثة الأراضي واستصلاح الكثير منها لأنها كانت في الغالب أراض صخرية، كما إنها افتقرت للينابيع ولكنها كانت تشهد هطولات مطرية غزيرة، وبذلك ازدهرت زراعة الأشجار والمزروعات الأخرى وتطورت تربية الحيوانات كالمواشي والخيول والدواجن وازدهرت صناعات هامة كمعاصر الزيتون والعنب، وللتزايد السكاني والحاجة إلى السكن فقد برع سكانها في البناء، وللإنتاج الكثير لجأ بعض تجارها إلى تصدير النبيذ والزيت إلى الخارج.
المعالم الدينية والأثرية:

أظهرت التنقيبات والدراسات التي أجرتها البعثة السورية الفرنسية المشتركة والتي بدأت أعمالها منذ عام 1966م. ان المنطقة تزخر بأوابد وآثار هامة جداً، ومن أهم المعالم الدينية والأثرية في “سرجيلا” الكنائس التي تضم المجمع الكنسي وفيه كنيستين من طراز “بازيليك” وفسحة سماوية، الكنيسة الشمالية فيه مرت بثلاث مراحل تعود الأولى إلى نهاية القرن الرابع وبداية القرن الخامس بينما شهدت المرحلة الثانية توسع الكنيسة حيث أضيفت إليها حنية جديدة تقع إلى شمال الكنيسة السابقة وحائط شمالي وبهو مركزي وبهوان جانبيان في حين أضيفت في المرحلة الثالثة غرفتان إلى الجانب الشمالي الشرقي وتم إكساء أرضيتها بالفسيفساء التي لم يبقَ منها اليوم سوى قطع نقلت إلى متحف معرة النعمان .
أما الكنيسة الجنوبية فهي عبارة عن كنيسة “بازيليكية” صغيرة جدارها الشرقي مستقيم وتحولت هذه الكنيسة بعد الفتح الإسلامي إلى جامع، بدلالة وجود محراب في جدارها الجنوبي، ما يلاحظ في العديد الأمثلة  تقسيم بعض الكنائس بعد الفتح الاسلامي إلى جزأين الأول من أجل المسيحيين والآخر للمسلمين.
كما يعتبر الحمام والمضافة الموجودين في عمق الوادي من أبرز المعالم التي تحتضنها آثار “سرجيلا”، والحمام الوحيد فيها بني عام 473م. ويتألف من صالة كبيرة في الشمال وسلسلة من صالات أصغر في الجنوب فيما يوجد من الناحية الجنوبية من الخارج خزان كبير محفور في الصخر ومغطى ببلاطات حجرية. إضافة إلى صالة شمالية كبيرة كانت تُستخدم كالقسم الخارجي في الحمامات الشعبية ومكاناً للاجتماع، بُني أيضاً في عام 473 م. وبناه أحد سكان القرية واسمه “جوليانوس”.
وكذلك فـ “سرجيلا” تضم العشرات من الأبنية التي تزدان بالنقوش والطراز المتميز بالإضافة إلى المقابر والمدافن السطحية المتميزة بالنقوش الخاصة،  كل ذلك جعلها من وجهات السياحة الهامة وموقعاً آخر من المواقع الهامة التي توثق لتاريخ وحضارة عريقة.

المصادر:
ويكيبيديا الموسوعة الحرة
موقع اكتشف سوريا