حملة دحر الإرهاب… نحو سوريا ديمقراطية

31
تحقيق/ فيروشاه أحمد –

مازالت الحرب على داعش في سوريا مستمرةً وقائمة، وبقدر ما تطول الحرب؛ سيزداد التدخل الأجنبي وتصبح الحلول صعبة والمعالجة لإنهائها أصعب، لأن كل الدول المتصارعة تبحث عن مصالحها وتحقيق أجنداتها السياسية والاقتصادية والعسكرية لِما لهذه المنطقة من موقع جيو سياسي واقتصادي، لهذه الأسباب وغيرها طالت الأزمة في سوريا مثلها مثل اليمن والعراق ولبيبا وغيرها.
 ولولا هذا التدخل وهذا الإرهاب، لما احتاجت الثورة السورية لكل هذا الخلط والتدخلات من الدول الإقليمية والدولية، كونها كانت ثورة سلمية ديمقراطية شارك فيها كل الطيف السوري بشعارات واحدة وتمحورت هذه الشعارات حول الحرية والكرامة، لكن بعد مضي أكثر من ستة أشهر تأكد النظام وحلفائه بأن ثورة الشعب سوف تحقق مطالبه، فعمد إلى تحويل مسار هذه الثورة السلمية إلى أزمة إقليمية ومن ثم دولية.

باتت سوريا مرتعاً لكل القوى الإقليمية والدولية، التي جنّدت فصائل مسلحة ومرتزقة تعمل بالوكالة، لتحقيق أجندات تلك الدول، وخرج الشعب السوري من المشهد السياسي يُلملم نفسه خارج الوطن وفي المعسكرات الأممية يبحث عن قوته، وتعرضت البنية التحتية لأبشع أشكال الدمار والسرقة والنهب، والذين كانوا ومازالوا يمثلون ما يُسمى المعارضة السورية يعيشون في أحلامهم الوردية.
هذا الفراغ السياسي في الوضع السوري سمح لكل تنظيمات وفصائل المرتزقة بالانجرار في المشهد، والعمل وفق استراتيجيات الدول الكبرى، وكانت تركيا الدولة الأولى التي سخّرت المرتزقة في مناطق (شمال وشرق سوريا)، لتقاسمها الكعكة السورية، وكأن سوريا شاة مذبوحة تتقاسمها كل الوحوش، التدخل السافر والمباشر على الأرض والقتل والتهجير الممنهج، لتعلن شعوب شمال وشرق سوريا عن وجودها ورفضها للعدوان التركي وكل ما تمارسه مجاميع المرتزقة من انتهاكات وتجاوزات للقيم والأعراف الدولية والإنسانية ، ويعلنوا عن تشكيل قوة عسكرية تقف بالمرصاد لكل محاولات الاحتلال تلك.
أهمية وضرورة دحر الإرهاب
الكرد مثلهم مثل باقي الشعوب وعبر التاريخ لم ولن يكونوا دُعاة قتل وغزو، كونهم أبناء ثقافة إنسانية عمرها أكثر من عشرة آلاف سنة قبل الميلاد، لكنهم بذات الوقت لا يقبلون بالضيم، وحين دخل الإرهاب مناطقهم حملوا بنادقهم للدفاع عن أرضهم وعرضهم، فكانت أولى الجماعات الإرهابية التي هيأتها وساندتها تركيا قد دخلت مدينة سري كانيه في هذه الأثناء باتت مهمة الكرد محاربة هذه الفصائل المرتزقة (جبهة النصرة) عملاً سورّياً ووطنياً، حينها سارعوا إلى تشكيل وحدات حماية الشعب ومن الجنسين للتصدي لهؤلاء المرتزقة، ففي 2012 دخل ما يُسمى بالجيش الحر المدينة، وتبعهم جبهة النصرة وغرباء الشام، في المرحلة التالية 2013 تدفقت أعداد أخرى من المرتزقة بغية السيطرة الكاملة على المدينة، إلا أن وحدات حماية الشعب ووحدات حماية المرأة تصدوا لهذه الجماعات الإرهابية وتم طردهم منها.
كانت هذه الجماعات المرتزقة تهدف إلى فصل المناطق الشمالية عن بعضها بغية إخضاعها بسهولة، وهذه المعركة كانت بإشراف أردوغان الذي أنزلق إلى محاولات تفجير حرب أهلية، بعد أن أشرك قوات تركية خاصة، وقد سخر أمولاً وأسلحة لذلك، بل حاول أن يدخل المدينة بعد انسحاب قوات النظام منها، وهو الذي أقنع المرتزقة بأن يحققوا منطقة عازلة خالية من الكرد وتقسيم المناطق الشمالية  كي تُعزلها عن الجزيرة.
من هنا جاءت أهمية محاربة كل المكونات للإرهاب رسالة قبل أن تكون عملاً عسكرياً، فخلال السنوات الماضية بات الكرد رموزاً للنضال على الساحة السورية لمحاربة ودحر داعش، فمن سري كانيه كانت البداية وتكللت بطولاتهم في كوباني بالنصر، ودحر داعش بات حقيقة لا غُبار عليها، ومع تعاون التحالف عملوا على رسم خارطة جديدة للشمال السوري بعد أن غيروا اتجاه البوصلة في المنطقة.
في ظل هذا التغيير تأتي أهمية  تأسيس قوات سوريا الديمقراطية في محاربة الإرهاب من أولوياتها ثم أضحت قبلة للأحرار من العرب والسريان وغيرهم، ليتم تأسيس قوات سوريا الديمقراطية، وتوجّه المنطقة نحو استراتيجيات جديدة، هذه الأهمية باتت واضحة المعالم بعد تحرير الرقة من داعش من قبلها، وقد تشكلت من وحدات حماية الشعب وفصائل من القوات العربية والتركمانية والسريانية وغيرها، وبات مجلس سوريا الديمقراطية ممثلاً لإرادة شعوب شمال وشرق سوريا، وأضحت قوات سوريا الديمقراطية القوة الوحيدة التي حررت الكثير من المناطق وأخرجت داعش منها وحررت مئات الآلاف من سكان المنطقة من عبودية وظلام داعش.
 ولأن الريادة والمبادرة كانت من الكرد في سد الفراغ الحاصل منذ البداية وتنظيم مناطقهم اجتماعياً وسياسياً وعسكرياً، فقد برزوا كقوة أساسية لا يمكن إغفالها، عن هذه الأهمية يقول الدكتور مصطفى اللباد: “هناك تنامياً بالاعتراف الدولي بالكرد كقوة على الأرض، إنهم ومنذ اندلاع الأزمة السورية لم ينخرطوا مع قوى المعارضة، ولم يميلوا أيضاً تجاه الحكومة السورية”، من هذه التحولات باتت القوى الدولية تتجه نحو الكرد بأنهم قوة سياسية وعسكرية ويمكن أن يلعبوا دوراً هاماً في مستقبل سوريا.
مقاومة داعش أولاً
لا يخفى على أحد وجود مليشيات عسكرية كثيرة في سوريا وهم منقسمون بين الإرهاب والمقاومة، والقوة المتمثلة بقوات سوريا الديمقراطية هي أقوى وأكبر القوات العسكرية على الأرض وهي التي تدافع عن سوريا وعن مناطقها في الوقت نفسه، ومنذ مئات السنين تربط هذه المكونات علاقات وطيدة من كرد وعرب وسريان وآشور وأرمن وغيرهم.
وهم الآن ومن خلال قوات سوريا الديمقراطية يقومون بدحر قوى المرتزقة (داعش) بإعلان الحملة المستمرة بمحاربتهم، ولا ينكر أحد بأن الفضل يعود لهم في تحرير العديد من المناطق في شمال وشرق سوريا مثل سري كانيه، كوباني، الشدادي، الرقة، منبج، الطبقة، ودير الزور من رجِس المرتزقة، وأمام هذه البطولات اعترف بهم العدو قبل الصديق (أمريكا وروسيا) وبدورهم وتضحياتهم.
أهمية المنطقة دون الإرهاب

تأتي أهمية منطقة الشرق الأوسط الخالية من الإرهاب بتوفر قوة بشرية وثروات هائلة، وسوريا جزء من هذا الشرق وشمال وشرق سوريا من أغنى مناطقها. لهذا؛ عمدت الدول الداعمة للإرهاب (تركيا) على زعزعة الأمن والاستقرار في سوريا منذ بداية الثورة السورية، حين استقدمت المرتزقة ودعمتها وأرسلتها لسوريا وبخاصة لهذه المناطق، لأنها أي تركيا أدركت تماماً بأن للكرد مشروع ديمقراطي يتمثل في الإدارة الذاتية التي شاركت في صياغتها كل المكونات السورية.
وعندما علمت بعض الدول الإقليمية والدولية بأن سوريا تسير نحو خارطة ومستقبل جديد، صنعت أقوى قوة إرهابية في العالم وأرسلتهم للمنطقة، كي تعيق تطلعات السوريين نحو الحرية والاستقرار، ولم تدرك تلك الدول بأن كل المكونات في شمال وشرق سوريا مستعدة لمحاربة هذه القوى الظلامية، فكانت المفاجأة لتلك الدول بأن الإرهاب بدأ يتقهقر وما زالت الحملة مستمرة عليهم.
إن المنطقة بقدر ما تتمتع بصيغة ديمقراطية؛ ستعمل شعوبها على ترسيخ مفاهيم المجتمع المدني، من خلال نظام سياسي مجتمعي لا مركزي قوامه دستور سوري جديد يضمن حق المواطنة لكل الأفراد دون تمييز بين جنس أو قومية أو طائفة أو مذهب، وهذا ما يجعل سوريا تسير نحو تحقيق وحدتها الداخلية والبدء بإعادة الاعمار وبناء بنيته التحتية بقوة حتى يتحقق العيش الكريم لكل المكونات.
حملة دحر الإرهاب والضربات الموجعة
بدأت حملة عاصفة الجزيرة لتحرير ريف دير الزور من مرتزقة داعش في أيلول 2017 ومرت بمراحل متعددة تهدف إلى تحرير ما تبقى من الأراضي السورية، لم تأتِ هذه الحملة إلا بعد وحدة وتكاتف شعوب المنطقة حول قوات سوريا الديمقراطية، وتلقي العشرات من طلبات الاستنجاد بها من سكان المنطقة لتحريرها من داعش، بداية تم تحرير بلدة “الصور” ثم بدأت المرحلة الجديدة وعلى أربعة محاور، وخلال أقل من ستة أشهر حررت هذه القوات أكثر من خمسة آلاف كم2، وكان لتحرير حقل التنك الأهمية الكبيرة، وفي المرحلة التالية من الحملة تم تحرير قرية الباغوز التي تُعتبر بوابة حقيقية لتحرير الهجين آخر معاقل داعش، وهي الآن  تحاصر هذه المجموعات المرتزقة في بلدة الهجين وقراها التي تبعد مئة كم عن دير الزور، وقد أحرزت هذه القوات انتصارات على داعش وحررت المنطقة منهم، وما زالت “عاصفة الجزيرة” مستمرة لدحر داعش.
 بالمقابل هذه الانكسارات المتتالية لقوى الإرهاب، أظهرت من جديد حرص تركيا على إطالة عمر داعش ودعمها، فدفعت بقواتها نحو مناطق الشمال السوري وأطلقت صواريخ نحو بلداتها (كوباني وكري سبي) وغيرها من البلدات كي تخفف عن داعش هزائمها، بل وهددت بالاجتياح العسكري لهذه المناطق، إلا أنها تلقت التأكيد على أن قوات سوريا الديمقراطية وكل شعوب شمال وشرق سوريا ستكون لها بالمرصاد، وأجبر تصميم قوات سوريا الديمقراطية وقرارها بإيقاف حملة دحر الارهاب مؤقتاً التحالف على ضبط الحدود بين الطرفين وتسير دوريات مشتركة على خط الحدود.
سوريا وما بعد حملة دحر الإرهاب

للإرهاب تعريف واحد، ولكن له أشكال متعددة، والشكل الميداني للإرهاب بشكل عام بات قاب قوسين أو أدنى من الانتهاء، لكن إرهاب داعش ما زال قائماً ويتمثل في كثير من الدول الإقليمية والدولية، وقد يمارس الإرهاب السياسي وهو الأخطر على مكونات سوريا وتحديداً في شمال وشرق البلاد.
المشهد العسكري في سوريا يقترب من النهاية، ولكن المشهد السياسي وهو الأهم أصبح في ساحة نزال كل القوى المتصارعة، وقد تبدأ المقايضات السياسية في تثبيت استقرار سوريا، هذه المقايضات لا تمت بصلة للأخلاق والمبادئ، وكل الدول مهيأة أن تخوض معارك سياسية رخيصة مقابل أن تحقق مصالحها، والدول الرئيسية التي تحاول بسط نفوذها وهيمنتها مستعدة أن تدخل عمق التجربة من خلال لعبة المقايضات.
ويبقى قسم كبير من الشعب السوري لا يملك الحق في تقرير مصيره، كونه مقسم أيضاً لتيارات هنا وأحزاب هناك، وليس له مرجعية سياسية تخوض السياسة بدلاً عنه. لذا؛ ليس مستبعداً أن تختلف هذه الدول في تقسيم نفوذها، حينها يلجؤون للإرهاب مرة ثانية بالحرب بالوكالة، لهذا لا تستطيع دولة واحدة أن تبسط سيطرتها بمعزل عن الدول الأخرى، وحتى الاتحاد الأوروبي لن يبقى مشاهداً سلبياً في هذا الإطار بل هو أيضاً وجه قواته نحو المنطقة باسم التحالف كي يحافظ على مصالحه.
في السياق ذاته؛ يبقى لمجلس سوريا الديمقراطية خياراته في تمتين علاقاته مع الجانب الذي يحقق له ولمكونات المنطقة حرياتهم وحقوقهم، فبلغة المقاومة أكدت هذه القوات على دحر داعش وكل القوى الإرهابية، ومن الجانب السياسي يعمل مجلس سوريا الديمقراطية بدبلوماسية معتدلة مع كل الأطراف كي تحقق الأمن والاستقرار لسوريا ومنطقة شمال وشرق سوريا، حتى القوى الدولية رأت بأن مجلس سوريا الديمقراطية جزء من المشهد السياسي القادم لسوريا من خلال دستور جديد يشارك في صياغته كل السوريين، يضمن لكل المكونات والأقليات والطوائف حق العيش بالحرية والكرامة.

المرجع: نضال حمادة، معركة رأس العين وانزلاق تركيا نحو الحرب.