الأخلاق والسياسة توافق أم تنافر؟!

30
عبدالله اوجلان –

تُمَثِّلُ الأخلاقُ تقاليدَ الفكرِ الجماعي، ووظيفةُ السياسةِ مختلفةٌ نوعاً ما. فهي تقتضي القوةَ الفكريةَ في سبيلِ النقاشِ والإقرار بصددِ الأعمالِ الجماعية اليوميةِ بالأغلب. الفكرُ المبدعُ يومياً شرطٌ أوليٌّ للسياسة. مرةً أخرى، يدركُ المجتمعُ بأكملِ وجهٍ استحالةَ إمكانيةِ إنتاجِ الفكرِ السياسيِّ أو ممارسةِ السياسةِ بذاتِها، دون الاعتمادِ على الأخلاقِ كمصدرٍ للفكرِ وتَراكُمِه. السياسةُ ساحةُ ممارسةٍ لا غنى عنها لأجلِ الأعمالِ الجماعية اليومية (المصلحة المشتركة للمجتمع). إجراءُ النقاشِ واتخاذُ القرارات شرطٌ لازم، حتى ولو ظَهَرَت أفكارٌ مغايرة، بل وشاذة. المجتمعُ الخالي من السياسة، إما أنْ يقتفي أثَرَ ضوابطِ الآخرين كما القطيع، أو لا يختلفُ بشيءٍ عن الحيوانِ المتألِّمِ كما الدجاجةُ المبتورُ رأسُها. الفكرُ الذاتيُّ للمجتمع ليسَ بمؤسسةِ بُنيةٍ فوقية، بل هو دماغُ المجتمع. وعضواه هما الأخلاقُ والسياسة.
العضوُ الآخَر في المجتمع هو المعبدُ باعتباره المكانَ المقدسَ بالتأكيد. لكنّ هذا المعبدَ لَم يَكُن معبدَ القوةِ المهيمنة (الهرمية والدولة)، بل كان المكانَ الذاتيَّ المقدسَ للمجتمع. فالبحثُ عن مكانٍ مقدسٍ ذاتيٍّ يحتلُّ الزاويةَ الرُّكنَ في اللُّقى الأثرية. ربما أنه البنيةُ الهامةُ الوحيدةُ التي بَقِيَت متماسكةً حتى يومنا الراهن. مِن المستحيل النظرَ لهذا الواقعِ بِعَينِ الصدفة. فهو أولُ مكانٍ مقدسٍ للمجتمع، ويُمَثِّلُ كُلَّ ماضيه وأسلافِه وهويته وشَراكته. إنه مكانُ الذِّكْرِ والعبادةِ الجماعيَّين، ومكانُ تَذَكُّرِ الذاتِ والاستذكار، وعَلامةُ الانتقالِ إلى المستقبل، والمُسَوِّغُ الهامُّ للتجمع. لقد كان المجتمعُ مدركاً أنه بقدرِ ما يُشَيَّدُ المعبدَ في مكانٍ جميلٍ جذابٍ بَهِيٍّ ويستحق الحياة، بقدرِ ما سيَكتَسِبُ قابليتَه في تمثيله، وقِيمتَه الحياتية. بالتالي، كانت أعلى مستوياتِ العظمةِ والبهاءِ تُعرَضُ في المعابد. ومثلما يُظهِرُ المثالُ السومري، فالمعبدُ كان في الوقتِ نفسه مكانَاً لأدواتِ الإنتاجِ ومستودعاً وملجأً للكادحين. أي أنه كان مكانَ النشاطِ التعاونيّ. كما لَم يَكُن مكانَ العبادةِ فحسب، بل ومكانُ التداولِ والقرارِ أيضاً. كان المركزَ السياسيّ، ووكرَ الحِرَفِيِّين، ومكانَ الاختراع، والمركزَ الذي يُجَرِّبُ فيه المعماريون والحكماءُ فنونَهم، وأولُ مثالٍ للأكاديمية. إنّ وجودَ كافةِ مراكزِ التكهنِ في المعابد ليس محضَ صدفة. جميعُ هذه العواملِ والمئاتُ الأخرى منها، تَبسطُ للعيان أهميةَ المعبد. وفي هذه الحالة، سيَكُونُ من الواقعيِّ القول – وبكلِّ يُسر – أنه المركزُ الأيديولوجيُّ والذهنيُّ للمجتمع.