تركيا…. خلق الفوضى والتقسيم في سوريا

73
روج موسى ـ وكالة هاوار –

تتحرك الأحداث بوتيرة متسارعة على محور الشمال السوري بما فيه إدلب وعفرين، لما تحمله تركيا من مخاوف واضطرابات في سياساتها وتقديمها ما بقي من أوراق في جيبها لروسيا والنظام السوري، من أجل حفظ ماء وجه حكومتها في سبيل تأخير الحل بسوريا، للبحث عن فرص لإقناع الجميع بـ”التقسيم” كأمر واقع وضرب المشروع الديمقراطي في شمال سوريا.
كانت إدلب محطة النظام السوري الجديدة، الذي تقوده روسيا وإيران في الميدان العسكري والسياسي، بعد إفراغ آخر جيب لما تسمى بالمعارضة السورية المدعومة تركياً في جنوبي البلاد والغوطة، وذلك عبر صفقات متبادلة بين الروس وتركيا على عفرين.
حيث استفاد الاثنان من الصفقة، روسيا بسطت سيطرتها بشكل أكبر في البلاد وأصبحت صاحبة الحدود مع الأردن وإسرائيل أيضاً، اللذين يُعتبران حلفاء بريطانيا، وكذلك أحدثت تشتتاً بين دول الغرب وحلف الناتو من جهة أخرى ولا سيما بين تركيا وأمريكا، أما تركيا فاستفادت من ضرب الكرد تماشياً مع مشروعها في إبادتهم بشتى الأساليب. لكن؛ أردوغان سعى لتقديم التنازلات الواحدة تلو الأخرى لروسيا في سبيل تأخير عملية تسليم إدلب ومناقشة الدستور الجديد في البلاد. لذلك؛ عقد اجتماع ثلاثي بين روسيا وتركيا وإيران من ثم اجتماع بين روسيا و تركيا في سوتشي ليتفقا بشكل مؤقت على مناطق “منزوعة السلاح” بإدلب وريف حلب الغربي.
القمة الرباعية والنتائج المبهمة
ومع تزايد الامتعاض الغربي من جهة والضغط الروسي على تركيا من جهة أخرى كان أردوغان في موقف حرج ومتخبط في قراراته فلجأ إلى قمة رباعية في إسطنبول من أجل التخفيف والتهدئة ومحاولة كسب الفتات من الطرفين، ولم تظهر نتائج هذا اللقاء، الذي جمع فرنسا وألمانيا وروسيا وتركيا، بشكل واضح إلا أن تركيا بدأت بخلق فوضى على الحدود في شرقي الفرات التي تحميها قوات سوريا الديمقراطية والتحالف الدولي.
الناشطة والكاتبة الأمريكية ميردث تاكس علقت على هذا الاجتماع وتحرك الدول المعنية بالوضع في سوريا ورأت أن تركيا تقوم بأفعال “تسعد” فقط روسيا حالياً من أجل تشتيت الغرب، قائلةً: “إذا نظرنا إلى أن ألمانيا والولايات المتحدة تشتتتا وترغبان في الاستفادة من أي مصداقية تحصل عليها من تحقيق مقتل خاشقجي، فإن أردوغان يرى كم يمكنه أن يتهرب عن طريق إرسال الطائرات والضرب بالقناصة ضد روج آفا وشمال سوريا. لقد فعل هذا من قبل، ويُسعِد بوتين لأن هذا يجعل الغرب يبدو سيئاً ومقسماً، وتأمل روسيا أن يشجع القصف على روج آفا على الانحناء للأسد. لكنني؛ لا أعتقد أن هناك خطة منسقة”.
كما ترى ميردث بأن ألمانيا وأمريكا منشغلتان جداً بالانتخابات المحلية حيث أن أنجيلا ميركل قد فقدت الكثير خلال الجولة الانتخابية وترامب يقوم بالحشد على حدود المكسيك ويهدد أمريكا اللاتينية قبيل انتخابات الكونغرس، الأمر الذي قد يجعله وجهاً لوجه أمام قادة البنتاغون، ومن هذا المنطلق تركز ميردث في القول بأنه في حال حاولت تركيا استفزاز الجيش الأمريكي في شمال سوريا وحلفائه من قوات سوريا الديمقراطية فإن ترامب قد يلجأ للتحرك الذي يراه مناسباً.
اللاجئون ورقة الضغط التركية في وجه أوروبا
ويرى الدكتور كاميران متين في جامعة ساسكس البريطانية في التطور الأخير بأن تركيا تستغل صمت وانشغال الدول الأوروبية بموضوع اللاجئين في ضرب الشمال السوري فعلق بـ “إن سياسة الدول الأوروبية -فرنسا وألمانيا بشكل خاص- تجاه سوريا وتركيا يتم تحديدها من خلال سياساتها الداخلية من ناحية ومصالح جغرافية استراتيجية أوسع في مواجهة روسيا بشكل خاص. وعلى المستوى الداخلي، لا يمكن للحكومات الحاكمة في فرنسا وألمانيا تحمّل تدفق جديد للاجئين، وتعرف تركيا هذا فتستخدم هذا الوضع، كما استخدم في الماضي، لاستخراج تنازلات دبلوماسية وسياسية من أوروبا”.
ويضيف متين: “إن التنازل الأساسي الذي تسعى تركيا إلى تحقيقه هنا هو الصمت العملي لهذه الدول فيما يتعلق بمحاولات تركيا تدمير مشروع الإدارة الذاتية الديمقراطية في الشمال السوري. مع تزايد الاحتكاكات بين الغرب وروسيا، خاصة بعد انسحاب الولايات المتحدة من معاهدة القوى النووية مع روسيا INF، وتسعى الدول الأوروبية أيضاً إلى إبقاء تركيا خارج المدار الروسي قدر المستطاع، ولهذا السبب من المحتمل أن تقبل شروط تركيا أو مطالبها تجاه روج آفا. لذا؛ لا أعتقد أن هناك بالضرورة اتفاقية لضرب الكرد، ولكن هناك اتفاق بين فرنسا وألمانيا على أن تركيا تستطيع فعل ذلك دون عقاب”.
وبالتزامن مع انتهاكات جيش الاحتلال التركي في الشمال السوري واستهدافه الحجر والبشر في المناطق الحدودية اضطرت قيادة غرفة عمليات حملة دحر الإرهاب لإنهاء داعش في الجيب الأخير لها على ضفاف الفرات الشرقية لتوقيفها بشكل مؤقت.
كما عبّرت الولايات المتحدة الأمريكية عن قلقها وعدم رضاها عما تقوم به تركيا التي من شأنها التأثير في عمليات محاربة الإرهاب في المنطقة، وأكدت على استمرارية دعمها لقوات سوريا الديمقراطية وأنها سوف تعمل على تهدئة الوضع، لتقوم بعدها بنشر دوريات مشتركة بينها وبين قوات سوريا الديمقراطية على الشريط الحدودي في كوباني وكرى سبي وسري كانيه لمراقبة الوضع.
ومع كل هذا التسارع للأحداث في الشمال السوري يرى مراقبون بأن تركيا تسعى في تحركها لخلق الفوضى من أجل تأخير الحل بتسليم إدلب وخروجها من سوريا، وتبحث عن فرص فيما بعد لجعل الجميع يرضى بالأمر الواقع في كل من إدلب وعفرين والشهباء وتأخذ بسوريا إلى التقسيم.