كوباني … قِبلة العالم

38
كل شيء تغير في هذه المدينة التي كانت مدينة أشباح قبل أعوام، نظام الإدارة الذاتية التي يعتمدها سكان هذه المقاطعة أصبحَ مثالاً يُحتذى به في مناطق عدة من شمال سوريا، إدارة مدنية وقوةٌ عسكرية من أبناء هذه المنطقة يديرونها ويبنونها بإمكانياتهم الذاتية، رغم تخلي مئات المنظمات التي وعدت في المساهمة بإعادة إعمار المدينة عنها بعد الدمار.

قبل أربعة أعوام من الآن كان المشهد مغايراً في مدينة كوباني، اشتباكاتٌ وحرب شوارع في مساحةٍ راهنت عليها دولٌ وأمم.
كوباني التي أصبحت ضحية سياسةٍ إقليمية بين تركيا والنظام السوري وداعش، بعد اتفاقيات بين تلك الأطراف حضرها أمراء لداعش، هجرها سكانها وبقي في المدينة فقط من كان قادراً على خوض المعركة المصيرية. في أواخر عام 2014 شن داعش هجوماً واسعاً صوب مقاطعة كوباني، إذ سيطر على أكثر من 300 قرية في غضون أيام، لم تكن الخيارات متاحةُ أمام المقاتلين المتحصنين في المدينة سوى الدفاع عنها رغم قلة الأسلحة والذخيرة.
“قلعة المقاومة” كما تسمى محلياً في إشارة إلى كوباني، كانت السبّاقة في البدءِ بثورة روج آفا عام 2012, عدا أنها تشكل رمزية كبيرة للكرد عموماً فكوباني هي أول مدينة زارها قائد الشعب الكردي عبد الله أوجلان أثناء عبوره إلى روج آفا نهاية الثمانينيات من القرن الماضي، وخرّج مئات الكوادر العسكرية والتنظيمية من سكان المقاطعة، لذا فكان هجوم داعش الذي يختبئ تحت عباءته دولٌ وحكومات، ذو طابع انتقامي من تلك المقومات.
بالأسلحة الخفيفة قاوم مئات المقاتلين، دافعوا عن آخر أحياء مدينة كوباني المتبقية، ممن لبوا نداء قائد الشعب الكردي عبد الله أوجلان، حتى وصلت طائرات التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية وقصفت مواقعاً لداعش في المدينة.
مقاومة كوباني أدهشت العالم

اندهش العالم من المقاومة الجبارة التي أبداها مقاتلون نصفهم نساء في وجه قوّة إرهابية مدعومة من عدةِ دولٍ وتشكل خطراً على العالم بأسره، فقد فرضوا بهذه المقاومة على العالم بأثره أن ينادي بالتضامن مع المدينة الصغيرة كوباني.
أعلن الأول من تشرين الأول من عام 2014 على أنه اليوم العالمي للتضامن مع كوباني، إذ خرجت عشرات المدن في أغلب دول العالم في مسيرات دعماً ومساندة للمقاومة في كوباني، كان  له هدف أساسي وهي القضاء على الإرهاب الذي لا يعرف معنى الإنسانية ولا الأخلاق والقوانين والأعراف الدولية.
تردد اسم كوباني على لسان مواطني أمريكا اللاتينية وكذلك في العاصمة اليابانية طوكيو الذين خرجوا كغيرهم من المدن الأوروبية والتركية في مسيرات حاشدة، وحتى في العاصمة الأفغانية كابل التي خرجت نساؤها لأول مرة في التاريخ في مسيرةٍ داعمة لكوباني.
العشرات فقدوا حياتهم في اشتباكات بين الأمن التركي ومتظاهرين كرد في مدنٍ عدة، ضد سياسة تركيا في دعمها لداعش في الحرب على كوباني، عدا أن آلاف الكردستانيين شكلوا حائطاً بشرياً بالقرب من الحدود بين كوباني وتركيا، دعماً للمقاتلين، وحرصاً على منع أي دعمٍ قد تقدمه الحكومة التركية لداعش.
رايات النصر ترفرف في سماء كوباني

في السادس والعشرين من شهر كانون الثاني عام 2015 رُفعت راية لوحدات حماية الشعب على تلة كانيا كردان في كوباني، في إشارة إلى تحرير المدينة بالكامل من داعش بعد أشهرٍ من المعارك.
اليوم تقدم كافة الخدمات في هذه المنطقة، والقوة العسكرية المتواجدة فيها تدافع عنها وتحميها، والمشافي الكبيرة والأسواق والعمارات والتجمعات السكنية والازدحام السكاني يحكي قصصاً أخرى عن الإرادة التي صنعت النصر وتصنع البناء والإعمار الآن، وكأنها ليست كوباني التي كادت أن تُباد جغرافياً!!
إرادة الشعب في كوباني كانت الأقوى، فقد بنوا مدينتهم بإرادة وإدارةٍ ذاتية ليس لها نظير في أي مكان آخر. فإذا كنت قد مررت بها قبل أربعة أعوام، ستأخذك الدهشة إن رأيتها اليوم، مشاف وأبنية مشيّدة مدارس وحدائق منظمة، فهذه البقعة الجغرافية التي قصدتها أبشع المرتزقة اليوم تزخر بكبرى المؤسسات التربوية والطبية، عدا ذلك فتعتبر كوباني بداية نهاية داعش التي تمددت وسيطرت على مساحة شاسعة من سوريا والعراق وارتكبت فيها إجرامها بحق المدنيين، حتى فقدت الآلاف من مرتزقتها في المدينة، وأُرغمت على التراجع رويداً رويداً، وخسرت المدينة التي اتخذتها عاصمة لها وهي الرقة وسط سوريا، بينما يتحصن عددٌ كبير من المرتزقة في الجيب الأخير لهم بالقرب من مدينة دير الزور والتي ستكون نهاية وجوده كقوة مرتزقة ولن يطول الانتظار لترفرف رايات النصر على كل بقعة تدنست بأثر المرتزقة لتبنى سوريا جديدة لكل شعوبها.