الشاعر معين بسيسو… الشعر والأرض توأمان

28
قاسم ابراهيم –

الشاعر معين بسيسو انجبته مدينة غزة الفلسطينية — ١٩٢٦م –تلقى تعليمه الابتدائي والإعدادي والثانوي في غزة، انتقل بعدها إلى الجامعة الأمريكية في القاهرة – كلية الآداب – قسم الصحافة . نال منها إجازة جامعية سنة ١٩٥٢م – العام نفسه الذي نشر فيه ديوانه الأول – المعركة – ليبدأ معركته مع الحياة .
عمل مدرّساً في غزة وبغداد وصحفياً في القاهرة ودمشق، انخرط  في العمل الوطني والديمقراطي في القاهرة وسجن  لاشتراكه في المظاهرات ضد توطين شعبه الفلسطيني في سيناء، عاد إلى بيروت ليصبح  مستشاراً لرئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية .
ناضل بالكلمة والطلقة في سبيل قضيته الفلسطينية، فقد كان يشعر بحالة شعبه ومعاناته في الداخل وبلاد النزوح واللجوء، وما كان يبدعه من شعر وجداني ووطني  لم يكن إلا أشلاء من قلبه والجهد الذي يكتب به قصائده ونثره ومسرحياته إلا من دمه، هذا هو المفهوم الذي كان يحمله بكل صدق في قاموسه لهذا كان ارتباطه بشعبه وأرضه يصل إلى درجة الجنون؛ يتمزق قلبه وراء كل شبر من أرضه يقول:
“تفاجئني الأرض أن الشجر
يخبئ أسلحة
يا نجمة في الجليل
ويا تينة في الخليل
يا شجرة السرو في القدس
وبين بيتي وبين أريحا قصيدة
ونابلس تطبع كفي جريدة”
 جعل من نفسه سمكة، ومن شعبه بحراً وعلى رأي الشاعر رسول حمزاتوف؛ فالسمكة التي تكذب على البحر تغرق، وشاعرنا لم يغرق فنراه رغم رحيله منذ أربع وثلاثين عام لاتزال أشعاره تلهب الحماس في الشباب، وتدفع الجماهير نحو النضال والتمسك بالأرض، ويقول: أنشد أناشيد الكفاح وسر بقافلة الجيّاع .
كتابات وأشعار ومسرحيات بسيسو تعيش تفاصيل يوميات شعبه، كيف لا والقصيدة عنده موسيقا الأرض، والقصيدة كانت دائماً هي الفصل الأول والنشيد الأول عند كتّاب الأرض المحتلة، أنها موسيقا الأرض؛ والأرض لا يمكنها العيش دون موسيقا – وطالما القصيدة كذلك لدى كتّاب الأرض المحتلة؛ فكان لابد لقصائده أن تدافع عن توأمها الأرض، لهذا كان سلاحا ضد الطاغية وسوطها، سلاحاً بيد الجماهير أو أنها معملا لإنجاب هذا السلاح حيث يقول : “الشعر كان دائماً ذلك المقاتل العنيد، أنه الشعر في مختلف مراحله مصنع الذخيرة، يقدم الأسلحة للجماهير” ويقول أيضاً في هذا السياق: “الشعر ضد يد الطاغية وضد سوطه ..السوط المجدول من شرايين الفقراء”.
هذا الشاعر الذي جعل الشعر بندقيته ولسان حاله، تعرف على الشعر وعلى أبطاله من خلال اطلاعه ودراسته أشعار وكتابات بول إيلوار ولويس أراغون ولوركا ونيرودا وناظم حكمت. وبوشكين وغيرهم،  فكان لابد أن يتأثر بهم وبأفكارهم، وبالتالي ليس غريباً أن يسير على خُطا سيرهم ونهجهم المبني على خدمة الإنسان والبحث عن حقيقة وجوده . من  دواوينه بعد ديوانه -المعركة – فلسطين في القلب – الأشجار تموت واقفة – قصائد على زجاج النوافذ -آخر القراصنة من العصافير وغيرها. أما أعماله النثرية فنذكر منها: “مات الجبل عاش الجبل – دفاتر فلسطينية…” ومن أعماله المسرحية نذكر ” ثورة الزنج”.
ترك لنا الشاعر معين بسيسو مجموعة كبيرة من الأعمال، واكب فيها مختلف مراحل كفاح ونضال وحياة شعبه الفلسطيني ومازال أثر صوته  يدوي وقصائده ظلت صفعة في وجه الأعداء، فقد ناضل بالكلمة الشجاعة والرصاص الحي وبالسلاح الأبيض في سبيل قضيته الفلسطينية ومن أجل الإنسانية جمعاء.
من يقرأ قصائد الشاعر الراحل يشعر إن هذا الشعر النضالي العالي النبرة والإحساس الصادق والشعور المتدفق يعد  بحق إضافة ثرية إلى المعركة الشعرية، وهو الذي حاز على جائزة اللوتس العالمية عام ١٩٨٢م. وعلى أعلى وسام فلسطيني – درع الثورة – هذه رقعة من المساحة الكبيرة عن شاع كبير رحل دون أن يودعنا إثر نوبة قلبية حادة في  ٢٤ / ١/ ١٩٨٤م. في بلاد الغربة ولكن بعد أن قال كلمته وبصوت عال جداً وهو القائل: “فأنت إن سكتَّ متَّ،  وإن نطقتَّ متَّ، قلها ومت” .