مهرجان التراث الشعبي الأول للمرأة في منبج… فائض من الإبداع

27
روناهي / منبج-  تحت شعار “خصائل الحياة تكمن فيك، والإبداع من صنيع يديك”؛ أقامت لجنة الثقافة والفنّ في مدينة منبج وريفها، مهرجان التراث الشعبيّ الأول للمرأة؛ بحضور لجان ومؤسسات المجتمع المدنيّ، إضافةً إلى جمهور غفير من أهالي المدينة.
بلا شكّ أن دراسة أيّ محتوى علميّ وأدبيّ بغضّ النظر عن اختلاف طرائق منهجه؛ سيبدأ بالأنثى لأنّها هي اللغة الأولى في الوجود. ففي زمن ما على ضفاف الفرات المجاور لمدينة منبج؛ امتزج عرق المرأة بمائها، وخضرتها بحيويتها، وجمالها بطبيعتها. فأحالت غبار البادية إلى واحة خضراء؛ وشحنتها بالطاقة والعاطفة؛ مولّدةً في معبد هيرا بوليس أولى الثقافات؛ كثقافة المجتمع الندّ. إذ ألهمت التاريخ أن يكتب ما أنتجته من حضارة، وإبداع، وتراث؛ الأمر الذي يدلّ على عظمتها الكبيرة.
هذا المهرجان تكريم لعطائها

 نالت المرأة بعد ثورة روج آفا في الشمال السوريّ؛ الاهتمام الذي كانت تناله سابقاً، بحيث تمكّنت المرأة أن تضع يدها مع الأخريات لبناء المجتمع دون تهميش وإقصاء؛ وبفاعلية تامة. فنظّمت لنفسها الندوات، والمهرجانات لهذا الغرض، ومن أبرزها مهرجان التراث الشعبيّ الأول للمرأة، والذي نظمته لجنة الثقافة والفن في مدينة منبج وريفها تحت شعار “خصائل الحياة تكمن فيك، والإبداع من صنيع يديك”؛ وذلك في قاعة المسرح التابعة لاتحاد المثقفين في مدينة منبج وريفها.
واللافت في الأمر أن طيلة فترة المهرجان تميّز بحضور الحشود الغفيرة من جماهير أهالي منبج وريفها. باعتباره الحاضر الأبرز لكافة فعاليات المهرجان المتنوعة، فضلاً عن حضور لجان، ومؤسسات المجتمع المدني، ونخبة كبيرة من مثقفي المدينة وريفها.
وكانت قد بدأت الفعاليات بالوقوف دقيقة صمت على أرواح الشهداء، ثم ألقت النائبة في المجلس التشريعي عذاب عبود كلمة قالت فيها: “إن المجتمع؛ لا يتحرّر أبداً إلا بتحرّر المرأة؛ كونها كانت مقيّدة خلال فترات كثيرة من تاريخ حياة المرأة بمفاهيم خاطئة، على الرغم من امتلاكها قدرات وطاقات هائلة. لكن مع قيام ثورة روج آفا والشمال السوري والتي ساهمت بتحرّير المرأة؛ أثبتت للعالم قوة شخصيتها وقدراتها من خلال إدارة شؤونها في جميع الأصعدة والمجالات، بحيث أصبحت ترى نفسها؛ أنها مسؤولة أمام أبناء شعبها”. واختتمت عذاب بأنها تتمنى المزيد من العطاء والديمومة والاستمرارية في النجاح؛ وتمنت الرحمة للشهداء ولشهيدات الحرية، والنصر لثورة الشمال السوري المباركة.
ومن جانبها ألقت الرئيسة المشتركة للجنة الثقافة والفن ضحى شلاش كلمة قالت فيها: “نشكر تلبيتكم لدعوتنا لمهرجان التراث الشعبي الأول للمرأة في منبج. وهو إحدى إنجازات لجنة الثقافة والفن منذ تأسيسها، ولا غرابةً في أن يكون هذا المهرجان مخصصاً للمرأة، لأنها تشكّل نصف المجتمع. ولا نبالغ إذا قلنا كله. فقد كتب عنها المؤرخون، والأدباء وأبدعوا في كتاباتهم ووصفهم لها، لكن لم يعطوها حقها”. وفي حديثها عن إنجازات المرأة طالبت ضحى بقراءة التاريخ جيداً للتعرّف على نساء اشتهرنَ بالقيادة، وحرّرن أمماً وشعوباً. وأكدت ضحى بأن هذا المهرجان كان الأول للمرأة؛ تكريماً لعطائها، وسيقام هذا المهرجان سنوياً في مدينة منبج وريفها.
عروض مسرحية للتمسك بالتراث

وقد تألّق المسرح ضمن فعاليات مهرجان التراث الشعبيّ للمرأة؛ باعتبار أن تاريخ المرأة مسرحاً للحب والوجود والخير؛ فعلى خشبة المسرح؛ عُرِضَت مسرحيتان من قِبل فرقة المخرج المسرحيّ أحمد شحاذة، حيث إن العرض الأول كان قصيراً للغاية، فحمل عنوان التكاتف الاجتماعي. مُمثلِاً الشعب السوريّ الذي عانى ويلات الحرب، والذي دفع ضريبتها ثمناً غالياً من الأرواح، وكأنها زوبعة بعرض اليّم، لتحصد ما تشاء في طريقها طيلة ثماني سنوات من الحرب، حيث أضفى على العرض المسرحي التفاؤل والأمل أيضاً، فقد كانت المسرحية عبارة عن سفينة كبيرة؛ تقلّ جميع السوريين إلى شاطئ الأمان، وقد عكست حالة الأمان في مناطق الشمال السوري.
أما العرض المسرحيّ الثاني، فقد كان عنوان الصورة فيها بالمقلوب؛ حيث جسّدت فيه مجموعة من الفتيات؛ مقاربة صعبة بين زمنين مختلفين. ففي الفصل الأول؛ قامت الفتيات بتجسيد واقع المرأة الريفية البسيطة والجميلة؛ على الرغم ممّا يسودها من تعب ومشقة كبيرتين. أما بالنسبة إلى الفصل الثاني؛ فاتسم بتعلّق الفتيات في وقتنا الحاضر بالإنترنت، وبمواقع التواصل الاجتماعي، يعكس حال القيّم الأخلاقية المبتذلة. وقد اعتمدت المسرحية على التشخيص الواقعي، والنفسي؛ لإثارة عواطف الجمهور من خلال تطلّعهم إلى شحن القيّم والمُثل ذات البعد الأخلاقي.
وقد لاحظنا رضى من الجمهور الكبير المتابع للعرضيين. حيث أكدت الجماهير الحاضرة بأنهما كانا ناجحين بغضّ النظر عن الانتقادات التي وُجِّهت للعملين من قِبل نخبة من المطّلعين على الشأن المسرحيّ، وذلك من كون ألبسة الفتيات الممثّلات حديثة؛ لا تعبّر تماماً عن الرؤية القديمة للمرأة؛ واعتزازها بالموروث الشعبي، فضلاً عن كون مدة العمل الأول قصيرة.
امتزاج ثقافة المرأة بالطبيعة

لا تنقطع الطبيعة؛ عّما تملكه من جمال وسحر من توشيح الموجودات الكونية جميعاً بهذه الصفات الجذّابة من حولها، وخاصةً المرأة؛ لأنها إحدى هذه الموجودات ولا غرابة في أن تتفق المظاهر الطبيعية فيما بينها بما فيها الأنثى من الافتخار بالملاحم، ودندنة الأناشيد، وتغنّي بالفلكلور الذي أبدعته مفعمة بالصوفيّة والشاعرية والحب.
فكان مهرجان التراث؛ حصّة للغناء، والتغريد؛ حيث شاركت الفنانة رويا الحسن بمقطوعات من وحي وتراث الشعب الكرديّ. فأطربت الحضور بمشاعر دفّاقة جياشة من الشجو والترنيم؛ إذ سلبت الألباب بالأداء الممّيز المفترش بالحيوية والعذوبة.
ومن جهة أخرى؛ شاركت الشاعرة رقية الحسن بقصائد شعرية؛ غلب عليها الطابع البدويّ.  معتمدةً على ألفاظ وتراكيب استقتها من واقع الحياة الريفية، وبألوان مختلفة من النايل، والعتابا؛ ونقتبس بعضاً ممّا شاركت به:
كل مين كال الشعر، وجرّب العشق جّتالْ
لاموني الخلك، وكالوا عنهْ صابه هبالْ
تظل غالي جوّة الكلب مهما الزمن طالْ
بالحسن ما تنوصف والشعر عنها انكالْ
أنا شايل هموم وحزن بالصدر كنها جبالْ
بالإرادة انتصرت على  إعاقتها

إن القيود التي باتت مفروضة من المجتمع على توجّهات المرأة وإبداعها؛ وضعتها في خانة لا تُحسد عليها أبداً بحكم أن هناك من يقف أمامها؛ فأحاطتها بمزيد من القيود التي كرست الفوقية والسلطوية، فكان من آثارها التهميش والتسلّط، ولكن في المقابل ظهرت نساء أبدعنَ وبرزنَ بما يملكنه من غنى ثقافيّ كبير، ومن بين هذه النسوة في منبج غادة الجاسم، حيث أجرت صحيفتنا معها حواراً على هامش المهرجان؛ لتحدّثنا عن مشاركتها في المهرجان؛ حيث نوهت قائلةً: “حاولت من خلال خطابي أن أتحدّى المستحيل والمواقف الصعبة التي تعتري بعض النسوة اللواتي يشبهن في حالتهن حالتي هذه. لأن كثير من أفراد المجتمع حاولوا تثبيطي وإخباري بالتوقف عن اللهاث وراء السراب البعيد؛ باعتبار أن السليمين ليسوا متحمّسين بالقدر الذي أنا أملكه، فكان الرهان أما أكون أو لا أكون. ومن هنا جاءت كلمتي للنساء؛ لأظهر أن باستطاعتهن الوقوف أمام المحن والصعاب بكل جرأة وشجاعة”.
وخلال حديثها عن بلورة فكرها؛ ليتطابق مع نظرتها الخلّاقة في تحقيق ما تصبو إليه، أضافت غادة بأنها أصيبت بإعاقة دائمة، لازمتها منذ أن كانت صغيرة وذلك بحادث سير، وظلت أحلامها ترافقها مذ ذاك الحين؛ وأشارت بأنها ترغب كثيراً بمتابعة تحصيلها العلميّ وتحقيق أهدافها في الحياة، وتابعت غادة بالقول: “الإعاقة وقفت حيلولة في دربي، فلم أستطع لهذا الهدف المضي في بادئ الأمر. لكن إيماني الكبير بقدراتي؛ جعلني أُقيم انقلاباً على نفسي وأحثّها على المتابعة. وهكذا سنحت لي الفرصة بتقديم محو أمية من خلال ما يُعرف بسبر المعلومات، ثمّ تقدّمت للثانوية، فنجحت من أول مرّة، ثمّ أكملت الجامعة، ونلت التخرّج بعد عناءٍ مضنٍ. والآن أعمل مدرّسة في لجنة التربية والتعليم في مدينة منبج”.