فلسفة الأمة الديمقراطية ودورها في خلاص الشعوب من الاضطهاد

38
تقرير/ فيروشاه أحمد –

لم تكن فلسفة الأمة الديمقراطية شكلاً من الخيال الأدبي، ولا أسطورة تتغنى بها الأجيال القادمة، بل هي مجموعة قيم أخلاقية مجتمعية مستقاة من الحقائق المجتمعية؛ بدءاً من ثقافة الآلهة الأنثى مروراً بالثورة الزراعية ومن ثم بالزرادشتية، ولا يمكن النظر إليها كنصوص جامدة، بل العمل عليها كنمط جديد لبناء مجتمع كبير يتضمن في محتواه مكونات مختلفة وثقافات متعددة كونها تركيبة جديدة وخلاصة لكل الفلسفات الإنسانية. من خلال هذه الفلسفة والقيم المجتمعية يمكن للكرد أيضاً أن يكونوا جزءاً من المجتمع الشرق الأوسطي من خلال العصرانية الديمقراطية التي ستخفف القهر والفقر والتناقضات بين البشر، وبقدر ما يتم العمل وفق هذه القيم الأخلاقية؛ ستعيش المجتمعات بعيدة عن الاستغلال والاستعباد، وتهتم أكثر ببناء الإنسان الحر في مجتمع خالٍ من الحروب والأزمات.
وبذات السياق تصبح الديمقراطية من المبادئ الرئيسية في حياة الدولة والأفراد، لأن الديمقراطية الحقيقية تُلغي كل الفروقات المادية والقومية بين الناس، كون الحكومات القومية دائماً تعمل وفق السلطة والهيمنة الأحادية وتهميش الآخر، لهذا تبقى الديمقراطية واحدة من الأسس التي رسختها فلسفة الأمة الديمقراطية في بناء الإنسان الحر.
الكرد حقيقة تاريخية

تناولت فلسفة الأمة الديمقراطية الوجود الكردي تاريخياً كحقيقة محورية في الشرق الأوسط، والوجود كمفهوم وكمصطلح بات يشكل جدلاً واضحاً كونه تلازم مع الزمن منذ نشأة الكرد، فلا زمن بلا كرد ولا يمكن الحديث عن الكرد بمنأى عن الزمن وكلاهما يساهمان في نشوء الكرد تاريخياً (حالة التكون والتباين هي وعيّ في حالة كمون) وكقاعدة علمية وبمجرد أن ينشأ الموجود مرافقاً مع الزمن قد سار خطوة نحو الأمام باكتساب الوعي. والأهم من كل هذا وذاك هو معرفة النشوء والوجود والوعي، ومدى العلاقة بينهما وخاصة فيما يتعلق بالكرد ووجودهم الذي ما زال يشكل خلافاً وتبايناً لدى الكثيرين من الدول والشخصيات حتى وقتنا الحاضر، وفي هذا الوقت الكرد بحاجة إلى فلسفة وتاريخ يؤكدان على وجوده، كونه أكثر المجتمعات في الشرق تعرض وعبر التاريخ إلى كلِّ أشكال القهر والإبادة والإنكار ولا سيما منذ بداية القرن الثامن عشر الميلادي، وكانت كل الإبادات ترمي إلى إخراج الكرد من صفته الوجودية.
(الكردايتية ليست واقعاً يقف بثبوتٍ دائمٍ في التاريخ، بل تطوَّر وجودها مارةً بتحولات، مثلما هي كل ظاهرة اجتماعية) وتبقى الأساليب العلمية من الأشكال المعوقة لمعرفة هذه الحقيقة، كون هذه الأشكال العلمية مرتبطة مع السلطة والسلطة مرهونة بالأيديولوجيا المهيمنة، لهذا ما زال وجود الكرد يلاقي صعوبات كثيرة، لأن الأرض التي سكنوها والتاريخ الذي ينسب إليهم قد أثر في صيرورة بقائهم في الهامش من الحياة، رغم التأكيدات بأن إنسان “الهوموسابيانس” قد سكن في أعالي ميزوبوتاميا قبل ثلاثمئة ألف سنة قبل الميلاد.
ولا يخفى على كل باحثٍ ومؤرخ بأن الكرد من أصحاب اللغة الرمزية في ذاك الوقت، وفي الألف العشرين قبل الميلاد كانت “الثورة النيوليتية” التي ولدت الثورة الزراعية وبنت القرية ثم المدينة، وقد حافظ الكرد على وجودهم من خلال ثقافتهم (فيتأتى من قوة الثقافة التاريخية التي يرتكزون إليها) هذه الثقافة كانت اللبنة الأساسية التي ساهمت في بناء التاريخ والمجتمعات عبر كل العصور.
وتبقى للتقاليد الزرادشتية الدور الأهم في الحفاظ على الوجود الكردي، وهي مرحلة هامة وانتقالية كونها أول ثورة دينية وأخلاقية، وقد (تأثر الوجود الكردي أيضاً بشدة من الانطلاقة الإسلامية المجاورة) وفيما بعد باتت العلاقات بين الكرد والعرب والكرد والأتراك (شعوب ميزوبوتاميا) تلعب دوراً ذو أهمية في تطور الواقع الكردي، وبخاصة في القرنين السابع والحادي عشر الميلاديين، ولا يمكن أغفال دور العلاقات الكردية مع الأرمن والسريان واليهود من هذا التأثير والأهمية.
الأمة الديمقراطية وتحولاتها

من خلال ما تقدم تبنت فلسفة الأمة الديمقراطية مجموعة قيم، ساهمت في بناء الإنسان الحر، وبحسب هذه الفلسفة لا قيمة للحياة بدون إنسانِ حر.
لأن -الفرد ـ أو المواطن الحر يشغل اللبنة الأساسية في بناء الأمة الديمقراطية، فقد أخذ الاهتمام الأول وقبل أي أمر آخر، ومن الصفات الهامة التي يتسم بها هذا الفرد أن يكون ذو ذهنية كومونية حتى يشعر بحريته، وأن يتخلى عن أنانيته لأنها تكسبه حرية زائفة، وهذه من صفات الفرد في المجتمع الرأسمالي لأن (الفردية الرأسمالية قد تشكلت على خلفية إنكار المجتمع) بينما الفرد في الأمة الديمقراطية يختلف عن الفرد في المجتمع الرأسمالي  كونه من طلاب الكومونة المجتمعية، ومن مهام الكومونة أنها تتبنى أفرادها وتحميهم، وما يجعل هذا المجتمع قوياً ومتماسكاً هو روح المسؤولية الأخلاقية في ذوات أفرادها.
الأمة الديمقراطية تستوجب إدارة ذاتية

لهذا يبقى الشرط الأول لديمومة فلسفة الأمة الديمقراطية الكومونة والفرد الحر وأن (يمارس حريته على أرضية السياسة الديمقراطية ضمن كومونة أو جماعته التي ينتسب إليها) من هنا يمكن إضفاء البعد السياسي لإنشاء هذه الأمة في منظومة المجتمع الكردستاني KCK وهي قريبة من شبه الاستقلال الديمقراطي (حيث يستحيل التفكير بالأمة الديمقراطية من دون إدارة ذاتية) ولا يمكن للأمة الديمقراطية أن تستمر لولا كيانات مجتمعية بإدارات ذاتية، وبقدر ما يعيش الفرد في مجتمع سياسي؛ يكون منظماً وينظم واقعاً سياسياً، وهذه الصفة في الأفراد تجعل من الأمة الديمقراطية بالاستمرارية، وقد تجعل الفردانية من هذه الأمة تعيش متناثرة حتى لو كانوا في ظل دولة (إذا عجزت المجتمعات والأمم عن الخلاص من الأنارشية أو الفوضى العمياء خلال فترة زمنية قصيرة، فإنها تتفسخ وتنحل وتتناثر وتغدوا آلة بيد عوالم أخرى غريبة).
من هذه المعارف تدخل الأمة الديمقراطية في الحياة الاجتماعية وتحقق تغيرات هامة فيها، فمن الحياة النمطية والتقليدية التي كانت في المجتمع الرأسمالي تعيش تحولات في العمق، وبالمقابل تحاول الحداثوية أن تعيش تغييرات في مجتمعاتها ألا أنها تبدو تغيرات صورية وشكلية لا طائل منها، وتصبح هذه التحولات إلى أمراض سرطانية في بنيتها الاجتماعية والمدنية وتشكل مع الأيام تراكمات وتناقضات وأزمات سياسية واقتصادية.
كون المرأة دخلت مصيدة السلطة منذ آلاف السنين، أصبحت في العصر الرأسمالي (ملكة السلع)، بل باتت أرخص يد مأجورة و(أداة رئيسية لتخفيض الأجور) ومن الواضح أنها استُغلت واستُثمرت جهودها وجسدها في الحداثوية أكثر من كل العصور الفائتة، من هنا (يعد منظومة المجتمع الكردستاني الـ KCK ضمان حياة الفرد الحر والمجتمع الديمقراطي) لأنها تمثل الركن الأساس في صيرورة المجتمع الكردي كأمة ديمقراطية، بذات السياق كان الكرد قبل هذا مجتمع مشتت ومبعثر كونه تعرض لأبشع اشكال الإبادات.

حين تسترد المرأة حقوقها سيعيش المجتمع حياة ندية في ظل الأمة الديمقراطية، ولا يمكن أن يعيش المجتمع هذه الحياة الندية إلا من خلال توفر الأمن والغذاء واستمرارية النسل، إلى جانب الفهم الكامل بأن يتخلى الرجل الكردي عن مفهوم التملك بشأن المرأة، والمطلوب من المرأة أيضاً أن تحس وتعيش بذاتها ولذاتها.
من جانب أخر يجب أن ندرك تماماً بأن الدولة القومية، هي أدوات سلطوية بيد الحداثة الرأسمالية كي تحقق لنفسها الربح الأعظمي، من هنا عملت الحداثوية على إفراغ كردستان من محتواها كوطن من خلال ممارسة الحروب الخاصة (الإبادة الثقافية) وكفلسفة اقتصادية تعمل الأمة الديمقراطية على وقف ممارسات الحداثة الرأسمالية كافة، والعمل على تحقيق الاقتصاد المجتمعي والاكتفاء الذاتي.
ولا يمكن الاستمرارية في هذا النهج إلا من خلال بنية قانونية، وهذه البنية تعتمد على التنوع، بينما تعتمد الدولة القومية على صياغة أكثر القوانين الخاصة في حياة المجتمع والسبب في ذلك (يعود إلى سعيها للقضاء على المجتمع الأخلاقي والسياسي) وبالمحصلة يمكن وصف الأمة الديمقراطية بأنها أمة أخلاقية وسياسية.
وتبقى الثقافة في فلسفة الأمة الديمقراطية الركن الأساس، كون الأمم نشأت من هذه الثقافة، والتي تحتوي (على الدين والفلسفة والميثولوجيا والعلم ومختلف الحقول الفنية) وتسعى هذه الأمة إلى بناء المجتمع الحقيقي بالعودة إلى التاريخ والثقافة كونهما يتعرضان للتشوية والإبادة أكثر من كل القيم، وما كانت النهضة الأوروبية أن تنتصر لولا العودة للتاريخ والثقافة.
الدبلوماسية وسيلة لحل القضايا السياسية

لا يمكن الحفاظ على مكتسبات الأمة الديمقراطية إذ لم يقترن ببناء نظام يهتم بالدفاع الذاتي (لطالما تحلى الدفاع الذاتي بأهمية عظيمة بالنسبة للكرد على مر التاريخ نظراً للظروف الملموسة التي مروا بها) وتبقى اللغة الدبلوماسية في فلسفة الأمة الديمقراطية ثقافة أخلاقية وسياسية بحتة، لأنها (أداة لإرساء السلم والتعاضد والتبادل الخلاق فيما بين المجتمعات في كنف تقاليد الأمة الديمقراطية) وتعتبر الدبلوماسية وسيلة لحل القضايا السياسية العالقة بين الدول، والكرد اليوم بأمس الحاجة لهذه الدبلوماسية أكثر من أي وقت مضى، والحاجة تقتضي بـ (تشكيل محفل مشترك بين الكرد المشتتين والمنقسمين فيما بينهم على اختلاف مصالحهم) ومن هنا يجب الإسراع بتشكيل وتفعيل “المؤتمر الوطني الديمقراطي” لأن لهذا المؤتمر أهميته في سياق الدبلوماسية الكردية في وقتنا الحاضر.
مما تقدم تبقى فلسفة الأمة الديمقراطية الحل الأمثل في وضع الحلول لكل الإشكاليات في مجتمعات الشرق الأوسط، وتتمثل الحلول كلها بنمط الإدارة الذاتية الديمقراطية التي تساهم وتتفاعل فيها كل المكونات وبخصوصية وهوية ثقافية وتاريخية دون الغاء أو تهميش لأي مكون، وتساهم كل المكونات في صياغة دستور يضمن لكل مكون حق المواطنة دون تميز عرقي أو طائفي.

المرجع: الحضارة الديمقراطية. القضية الكردية المجلد الخامس عبدالله أوجلان