أزمةُ المدنيّةِ وبحثُها عن الحلولِ الداخليّة (2 ــ 4)

54
 عبد الله أوجلان –

المدنيةُ لَم تَخسَر شيئاً من وتيرتِها وسَيرورتِها المتكاثفةِ حتى يومِنا الحالي. حيث تَجَسَّدَ هدفُها الأساسيُّ في الكشفِ عن مزيدٍ من مناطقِ الاستغلال، وفي امتلاكِ مزيدٍ من القوةِ والسلطةِ والدولةِ من أجلِ هذا الاستغلال. بابل هي القوةُ التي نَفَذَت من أزمةِ نهاياتِ أعوامِ 2000 ق.م وهي أكثر عزماً. فهي صاحبةُ مزيدٍ من القوةِ وإمكانياتِ الاستغلال. وقد بَرَزَت إلى المُقَدِّمَةِ في التجارةِ والصناعة. واستطاعَت التأثيرَ بهيمنتِها حتى أعوامِ 300 ق.م، مع بعضِ الانقطاعات. هكذا، فقدَ تَطَلَّعَت كافةُ هيمناتِ هذه الحقبةِ إلى أنْ تَكُون في بابل، مثلما الحالُ في مثالِ الإسكندر الأخير (يَلُوحُ أنّ كلمةَ الهيمنةِ هي أصلُ القيادةِ والسيادة). وأَفضَلُ مَن استفادَ من أزماتِ بابل هم جيرانُهم التُّجّارُ الآشوريون الذين أصبحوا ذئابَ التجارة، وكذلك كولونياتُهم. فالآشوريون ضربٌ من فينيقيي البَرّ. فما حَقَّقَه الفينيقيون تجارياً في البحرِ الأبيضِ المتوسطِ كان الآشوريون سيُحَقِّقونَه في بَرِّ الشرقِ الأوسط. والآشوريون الذين هم في تنافُسٍ حادٍّ مع بابل (لا يَزالُ التنافُسُ السريانيُّ – الكلدانيُّ يَعكِسُ هذا التقليد)، ما كان لَهم إلا أنْ يَحظَوا باحتكارِ التجارةِ في ظلِّ هيمنةِ بابل (2000 – 1600 ق.م).
ستتحقَّقُ انطلاقةُ قوتَين تاريخيتَين من الأزمةِ التي شَهِدَتها بابل بعد حمورابي: انطلاقةُ إبراهيم من الداخل (بين 1700 – 1600 ق.م على وجهِ التخمين)، وانتقالُ الهوريين خارجياً من الدفاعِ إلى الهجوم. وفي عامِ 1596 ق.م، تَنتَقِلُ بابل إلى إدارةٍ مشتَرَكةٍ مع السلالاتِ ذاتِ الأصولِ الهورية (المعروفون بالحثيين والكاسيين)، مُشَكِّلَةً بذلك وضعاً شبيهاً بإدارةِ بغداد الحالية.
ومع خُسرانِ بابل لِهَيمنتِها، تَظهَرُ قوتان مُهَيمنتانِ جديدتان على المسرح. إذ تتنامى الهيمنةُ الحثيةُ في بلادِ الأناضولِ الداخليةِ، مُتَّخِذةً من هاتوشا مركزاً لها (جورم Çorum – بوغازكوي Boğazköy الحالية)، والهيمنةُ الميتانيةُ في مركزِ واشوكاني Waşukanî (أي النبع الطيب، وهي سريه كانيه Serekâni – جيلان بنار Ceylanpınar الحالية على الحدودِ التركية – السورية). كِلتاهما تُؤَسَّسان (1600 – 1250 ق.م) على يدِ المقاطعاتِ التي هي بمثابةِ إماراتٍ مرتكِزةٍ إلى أنسابِ القبائلِ الهورية (الكرد الأوليون). يُمَثِّلُ ذاك العهدُ مرحلةً جديدةً بَرَّاقةً في مدنيةِ الشرقِ الأوسطِ مع عهدِ السلالةِ المصريةِ الجديدة. وتُعاشُ دبلوماسيةٌ مزدهرةٌ للغاية بين مراكزِ المدنياتِ الثلاث، وعهدٌ من العلاقاتِ الشبيهةِ بأمميةٍ بدائيةٍ تأسيساً على الزيجاتِ المتبادَلةِ من النساءِ على مستوى القصور. أما انهيارُ (نزاعاتُ السلالاتِ داخلياً، وهجماتُ القبائل خارجياً) الهيمنةِ الحثيةِ والميتانيةِ بسببِ الأزمةِ التقليدية (أزماتُ هذا العهدِ تتميزُ بفواصلَ بَينيةٍ أطول، حيث تتغير من فترةِ قرنٍ إلى أربعةِ قرون)، فيُمَهِّدُ الطريقَ أمامَ تصاعُدِ السلالاتِ الآشوريةِ المُتَرَصِّدةِ لها، لِتَغدوَ أعتى قوى الهيمنةِ في الشرقِ الأوسطِ على شكلِ مرحلتَين (1300 – 1000، و900 – 600 ق.م).
يُقالُ أن الإمبراطوريةَ الآشوريةَ هي من أكثرِ القوى التي عَرِفَها التاريخُ جَبَروتاً وجُوراً. ولدى الغوصِ في صُلبِ الأمر، فإنَّ جُورَها وتَعَسُّفَها يَكتَسِبُ معناه ارتباطاً بالربحِ الاحتكاريّ. لا فرق بين الآشوريين كشعب وبين الشعوبِ الأخرى مضموناً. لكنّ استنادَ هيمنتِهم إلى احتكارِ التجارةِ قد جَعَلَ العنفَ ضرورةً لازمةً في سبيلِ الربح. فالربحُ في الاحتكاراتِ التجاريةِ مستحيلٌ بِلا عنف، مثلما الحالُ في الاحتكاراتِ الزراعيةِ أيضاً (حُكمُ السومريين على الأرض). هذا هو الواقعُ الذي يَكمُنُ في أساسِ العنفِ الآشوريّ. من هنا، فما أَتت به الهيمنةُ الآشوريةُ على صعيدِ المدنية، قد يَكُونُ – بالحدِّ الأقصى – مَزيداً من السلطةِ لأجلِ مزيدٍ من الربح، ومَزيداً من العنفِ لأجلِ مزيدٍ من السلطة. واضحٌ أنه ثمة تعاظُمٌ في آفاقِ وحَيِّزِ العنف. ولهذا السببِ يُعَدُّ الحلُّ من الطرازِ الآشوريِّ أُمَّ الحلولِ ذاتِ الجذورِ العُنفيةِ تاريخياً. هذا التقليدُ، الذي لا يَزالُ التفكيرُ فيه سائداً كَحَلِّ للقضايا في الشرقِ الأوسط، مَدينٌ بالكثيرِ من الفضلِ للهيمنةِ الآشورية.