أخوة في الإنسانية

50
أزهر أحمد –

  ليس كعادته التي ألفته عليها.. فهو مستعجل هذه المرة، وعلامات التوتر بادية على حركاته، ووجهه الغاضب يرسل رسائل لا تسر الناظر.
وأنا اتأمله  استغربت  لحركاته ، وأقول في نفسي ليس هذا ابن الحليب الكردي، الذي عهدته منذ إن سكن حيناً  ونحن عهدنا اتزان تصرفاته، وهدوئه،  حكمته، حزنه، ولكن ليس بهذا المقدار نعلم سبب حزنه فهو قد خسر كل شيء، خسر الأرواح والأموال في دير الزور.
كان من الأثرياء في دير الزور، واليوم بعد أن فقد الأولاد والزوجة لا يجد سوى قبواَ لا يتجاوز مساحته أربعين متراً،   لا يحتوي سوى على حصيرة، ومخدتين وطنجرة وإبريق  شاي أسود، ومذياع صغير لا يفارق  أذنه. رغم ذلك كان يستطيع أن يسيطر على حركاته وأعصابه وملامح وجهه يخبئها، كان يدفعنا لمساعدته  أكثر فأكثر، فهو وحيد برفقته طفلين هما حسن وحسين، حسن خمسة أعوام وحسين ستة أعوام.
قال قبل أن أودعه: أريد أن أترك هذه الأمانة، وقد وردتني من صديق خرج من سجون أردوغان كان السجان التركي يعذب مدنياً كردي ويقول له:
“تمر الأسماء واسمك حر فأنت الغاية والمطلب…إن نَطقت بربك لائذاً سياطنا من دمك تشرب.. دلنا على الثوار وإلا              قطعنا عضوك  ولن تنجب…كن ابن  من شئت أنت فالكرد جهنم لكم مركب…على أشلاء الأطفال نرقص ودماءكم كالخمر سنشرب”.
وكلما كنت أنظر إليه وهو يتعذب  كان إصراري الداخلي بأنه رضع حليباً كردياً يكبر، وإن ذاك الحليب والدم يجمعاننا فكنت استمد قوتي منه وأقول فيه: “كردي سجين له  قضية رغم  جراحه والضرب لم يغضب…تراه معلقا في السماء        وسياط الأرض عليه تلعب…إن لم يجدِ ضرب السياط فعليه ماء وتيار من الكهرب…زنزانة نسجها حداد ادغم وقضبانها من اللمس تغضب…سجين صار اسمه رقماً كابوساً لم  يسلم من لسعة عقرب”.
عندما قرأت ما في  تلك الورقة التي أحزنتني كثيراً  لعدم وجود أي اسم يعرفني بصاحبها، ورغم إنها جراح  تجمعنا وشدتني كلماتها، ولكن ما زادني غصة هوإنني لم استطع معرفة اسم المسجون،  ولدى سؤالي لذاك الشيخ أجاب في غصة ودموعه تنهار: ليت من أوصل الرسالة كان هنا. فهو ابني تركه الأتراك فقتله زبانية النظام، عذراً أخي فأني شربت من الحليب الكردي حاولت كثيراً معرفة اسم السجين ولكن بقي ذلك حسرة في قلبي يزيد من ألمي واليوم زادني ألماً بأن متسلقاً دعياً للوطنية يطلب مني الرحيل ويقول أنك لست من هنا. ذلك الحليب الذي شربته من أمي الكردية دفعني أن أفصح لك عن ما خبأته عن غيرك.
سأرحل أرجوك سامحني،  وكرر قائلاً:  قسماً سأبقى أبحث عمَن يجمعني به الحليب والوطن. فسالت دموعه وهو يعلن الرحيل  وأنا أتأمله؛ لم يكن منه سوى لملمة تلك الوريقات التي ابتلت هي الأخرى بالدموع وكأنها تقاسمنا الحزن.
لا يا صديقي لن ترحل، فهمنا ولقمتنا ودمنا واحد، نحن أخوة في إنسانيتنا قبل كل شيء، صدقت نحن رضعنا من حليب الإنسانية التي تبقينا أخوة ما حيينا.