مخرجات سوتشي… هل تكون اتفاق حماية الإرهاب وشرعنة الاحتلال!!

216
صلاح إيبو –

حالة من الترقب تسود محافظة إدلب التي وضع فيها الروس والأتراك حدوداً جديدة ربما تبدو مؤقتة، ولكنها تعكس رؤية أخرى لمدى جدية الروس للحفاظ على وحدة التراب السورية، إذا قال مولود شاويش أوغلو وزير الخارجية التركي بعد يوم واحد من الاتفاق الروسي التركي بخصوص إدلب إن الروس سيضمنون عدم دخول قوات النظام إلى إدلب، وإن تركيا ستعمل على نقل المزيد من قواتها العسكرية إليها، في تصور يوحي بان النقاط 12 التي وزعها الأتراك على محاذاة مناطق التماس بين فصائلها المسلحة والنظام السوري، ستتحول إلى مخافر حدودية لإعادة رسم الخارطة الميدانية والسياسية التي باركها الإيرانيين والنظام معاً.

الاتفاق التركي ـ الروسي الأخير والذي سيدخل حيز التنفيذ منتصف الشهر القادم، ينظر إليه كنقطة تقارب بين النظام السوري وحكومة العدالة والتنمية في تركيا برعاية روسية، وهو ما سيخلق أرضية جديدة للأهداف التركية في سوريا ووضع المعارضة المدعومة تركياً ومستقبل المناطق الشمالية المحتلة تركياً وعلى رأسها عفرين.
وبهذا نستطيع القول أن تركيا التي وضعت في موقف محرج قبيل القمة الثلاثية في طهران، تمكنت بمناورة سياسية وتقديم تنازلات اقتصادية لروسيا وميدانية لصالح النظام السوري في ريف اللاذقية بالتحديد، من الحفاظ على تواجدها في إدلب، بتحويل مسار آستانا من العمل على الفصل بين المجموعات الإرهابية وأخرى معتدلة وفق المنظور التركي، إلى العمل على سحب السلاح الثقيل من يد المعارضة في المنطقة العازلة، لكن مقابل ذلك تبقى المناطق الممتدة من عفرين إلى جرابلس مسار نقاش آخر، فهل سيطبق ما اتفق في إدلب على هذه المنطقة أيضاً أم الوضع مختلف؟!.
وفق المعلومات الأخيرة الواردة من عفرين، إن الاستخبارات التركية وجهت رسالة شديدة اللهجة للفصائل المسلحة كافة المتواجدة في عفرين، بتسليم سلاحها الثقيل وتشكيل غرفة عمليات مشتركة يشرف عليها ضباط من الجيش التركي والاستخبارات إلى جانب عدد من المرتزقة الموالين لتركيا وغالبيتهم من التركمان.
هذا التوجه التركي في عفرين، جاء بعد تزايد وتيرة العمليات العسكرية لوحدات حماية الشعب والمرأة ضد المرتزقة والاحتلال التركي والفلتان الأمني من جهة، ويمكن ربطه بما اتفق عليه في سوتشي بين بوتين واردوغان.
إذاً الخاسر الوحيد من الاتفاق الروسي ـ التركي هو المعارضة المسلحة والسياسية، كون الاتفاق ينص على سحب السلاح الثقيل إلى عمق 15-20 كيلومتراً، أي الانسحاب التكتيكي من جبل التركمان وجبل الكرد في ريف اللاذقية ومناطق واسعة من جسر الشغور وسهل الغاب، وهي تعتبر مناطق استراتيجية من المنظور العسكري، وبهذا تفقد المعارضة المسلحة أمكانية المناورة وكذلك إقامة المتاريس والأنفاق التي عملت على تأهيلها لسنوات، إضافة لأن هذه المناطق تعتبر هامة لتركيا لوجود الحزب الإسلامي التركستاني الذي يتلقى الدعم من تركيا.
والسؤال الآخر هنا، هل تستطيع تركيا سحب السلاح الثقيل فعلاً من جبهة النصرة وبعض الفصائل التي اعتبرتها إرهابية، أم أنها ستقود عملية عسكرية رمزية (مسرحية) لمحاربتها كما حدث في جرابلس أمام مرتزقة داعش، في الواقع آخر الأخبار عن تحركات جبهة النصرة جاءت من ريف عفرين، بعد سيطرة النصرة (هيئة تحرير الشام) على قرية دير بلوط التابعة لناحية جنديريسه من فيلق الرحمن، فكيف تمكنت النصرة المصنفة على لائحة الإرهاب التركية مؤخراً من السيطرة على قرية تحت الاحتلال التركي المباشر وتقع في الشريط الحدودي.

من هنا تتوضح صورة الالتفاف التركي على التزاماتها أمام الدول الضامنة في آستانا، فجبهة النصرة التي بدأت التمدد بريف عفرين ربما تتجذر رويداً رويداً تحت انظار الاحتلال التركي وبموافقة روسية وتحمل معها عتادها الثقيل كافة، وستستخدم تركيا اتفاقها الأخير كورقة ضغط على الفصائل المسلحة التي هي بالأصل تحت إمرتها، بهدف تحريكها إلى أماكن أخرى بالريف الشمالي وربما بمحيط منبج وشرق الفرات في ظل التوافق التركي مع النظام السوري، وبالتالي المتاجرة بها في الميدان السياسي بما يراعى مصالحها وشعارها البراق “الحفاظ على الأمن القومي التركي”.
وليس مصادفة أن تقوم طائرات إسرائيلية بقصف مواقع للنظام السوري في الساحل عشية الاتفاق الروسي ـ التركي، والكل يعلم ان معظم الغارات الإسرائيلية على سوريا تتم بمشاورات غربية وروسية، وينظر إلى هذه الغارات كرسالة غربية للروس والنظام وخلفهما تركيا وإيران. إن أي اتفاق مستقبلي يجب أن يراعي مصالحاً في المنطقة وإلا لن تقف في موقع المتفرج، وكانت الدول الغربية قد هددت بالتدخل العسكري المباشر في حال أستخدم النظام أسلحة كيماوية في إدلب، والغريب أن المانيا وفرنسا وبريطانيا قد انضمت بشكلٍ أكثر فاعلية للتهديدات ربما خوفاً من سيل المهاجرين غير الشرعيين الذين ستنظمهم تركيا وترسلهم إلى أوروبا، إضافة لمكاسب أخرى سياسية واقتصادية في الشرق الأوسط عامة. والمحصلة تنذر بتغيرات سياسية في مسار الحل للأزمة السورية، إضافة لشرعنة الاحتلال التركي في الشمال السوري ولا سيما عفرين التي يعمل على تغير ديمغرافيتها يومياً حتى بات اليوم نسبة الكرد فيها أقل من 50%، وهنا يتطلب الأمر تحريك بعض الأوراق الراكدة في الشمال السوري الذي شهد تحركات وحشود عسكرية كبيرة، وربما ولادة اتفاقيات وتحالفات تخدم وحدة التراب السوري وتحرره من الاحتلال، وتعكير صفو السلطان الذي حظي بفرصة الانتصار السياسي وسوق نفسه كأمير حرب وأمير سلام في الوقت ذاته.