المرأة والجاهلية

338
حنان عثمان –

من المعلوم وبشكل جلي أن الحياة الاجتماعية والثقافية في الجزيرة العربية قبيل ظهور الإسلام، والتي اصطلح المؤرخون العرب على تسميتها بالفترة «الجاهلية»، كانت تتسم بالكثير من مظاهر التخلف؛ وفيها العديد من صور الظلم والاستغلال والعبودية، ولكن كثيرون ممن تحدثوا عن تلك المرحلة بالغوا في وصفها ورسموا لها في أذهاننا صورة عمومية قاتمة ومظلمة، ونعتوها بأبشع الأوصاف، واختزلوا كل تلك الحقبة ببعض الممارسات الشاذة وغير الإنسانية التي كانت تتبع من قبل بعض القبائل وليس كلها، كالوأد والسبي، لكن الحقائق التاريخية تنبؤنا عن أشياء كثيرة ومختلفة.
وعلى الرغم من سيادة المفاهيم الرجولية على كل تفاصيل ومكونات المجتمع قبل وبعد الإسلام، إلا أنه كان للمرأة حضوراً لافتاً وهاماً في مختلف الجوانب، ليس في العصر الجاهلي وحسب؛ بل وفي الدولة الإسلامية أيام الرسول وبعده، ولم يقتصر دورها في الحياة الاجتماعية، بل وفي صلب الحياة السياسية أيضاً، وحتى في مجال العلاقات القبلية، فكثيراً ما كانت النساء تشارك في حل النزاع بين القبائل، أو تأجيج الخلافات وإشعال الحروب، كما فعلت البسوس في الحرب التي سميت على اسمها، وهند في معركة أحد وعائشة بنت أبي بكر في موقعة الجمل، ولكن مشاركة المرأة السياسية عموماً كانت من وراء الستار، الأمر الذي جعل مشاركتها هامشية حيناً ومستترة أحياناً، أو غير مدونة، ولم يأت على ذكرها أحد، فالتي أسعفها الحظ وبرزت دخلت بوابة التاريخ وذكرت في سجلاته، والتي لم يسعفها الحظ طواها النسيان.
فعند مراجعة المصادر التاريخية تظهر أمامنا نساء ناجحات تميزن بالشخصية القوية أو برجاحة العقل، فمثلاً زرقاء اليمامة كانت تستشرف بذكائها ما وراء الأفق، ومع ذلك؛ فإن التدقيق في قصتها يجعلنا نكتشف أن ميزتها الأساسية لم تكن قوة البصر، بل البصيرة، وخديجة بنت خويلد كانت تجارتها تعادل ثلث تجارة مكة بأكملها، وصحر بنت النعمان اشتهرت بالحكمة والذكاء والكمال، وكانوا يقصدونها في المشاجرات والأنساب، وهنالك خولة بنت الأزور الفارسة الشجاعة، والخنساء الشاعرة المخضرمة، وبالإجمال يمكن القول: إن وضع المرأة لم يكن بالصورة السيئة والداكنة التي يحاول البعض رسمها، ولم تكن شخصيتها مستلبة تماماً، فمثلاً كانت المرأة تتمتع بحرية اختيار زوجها، وأن تشترط على زوجها أن تملك أمرها ولا يتزوج عليها. وما تسمية بعض القبائل بأسماء الأمهات إلا دليل على المكانة الرفيعة للمرأة في ذلك الزمان.
وهذا خلاف للصورة النمطية التي طُبعت في أذهاننا عن وحشية المجتمع الجاهلي وهمجيته في تعامله مع المرأة.