المرأة بين العمل والمنزل

133
أفين يوسف –
بعد ثورة روج آفا وشمال سوريا، وما حققته من مكتسبات خلال سبع سنوات، كان من اللافت والهام جداً انخراط المرأة في الحراك الثوري وبروز دورها على المستويات كافة، وفي كل المجالات العسكرية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية، فبعد كل ما تعرضت له المرأة من عنف وتهميش وإذلال على مدى عصور من الزمن، إلا أنها نفضت غبار العبودية عن نفسها وعادت لحياتها الطبيعية التي سلبت منها على أيدي أصحاب الذهنية السلطوية الذكورية.
فكيف استطاعت المرأة أن تثبت جدارتها بعد مئات السنين من الاستعباد؟ وكيف يمكنها أن توفق بين عملها وبيتها الذي ما زال من أولى مسؤوليتها رغم تعاون الرجل معها في بعض الأمور؟
إن طبيعة المرأة المعطاءة تجعلها قادرة على تحمل أعباء الحياة كافة رغم ثقلها، فهي مجبولة من الحنان والحب والتضحية والعطاء والإرادة والقوة، وتحمل على عاتقها مسؤوليات المنزل كافة دون أن تشتكي أو تتذمر، فكل امرأةٍ برأيي تملك قدرة إبداعيةً معينة، وتلك القدرة كانت مخبئةٌ تحت عباءة الواجبات المنزلية التي ترى بعض النسوة أنها أهم من كل شيء حتى من حريتها، فتلك المرأة البارعة في الأشغال اليدوية كانت تكتفي بصنع بعض الأشياء لعائلتها وأولادها، والمرأة الشاعرة كانت تخفي في داخلها كل تلك المشاعر الجياشة وتحتفظ بها لنفسها حفاظاً على العادات والتقاليد البالية التي ترى بأن الشعر من اختصاص الرجل وهو معيب بالنسبة للمرأة، وأخرياتٍ كن يبدعن في الرسم والكتابة والنسيج والخياطة والتجميل وحتى الطهي، لكنهن كن يحتفظن بتلك المواهب لأنفسهن أو أنهن كن يستخدمنها فقط في نطاقٍ ضيق يشمل العائلة وبعض الجيران، والآن وبعد ثورة روج آفا وشمال سوريا فُتح للمرأة الطريق لتمارس حقوقها في العمل والإبداع، وخرجت ليبرز دورها الريادي في المجالات كافة؛ بدايةً من انخراطها في الجانب العسكري ودورها في تحرير المناطق من المرتزقة وبخاصةٍ دورها في تحرير النساء من براثن داعش، كما أنها اتخذت مكانها في مؤسسات المجتمع المدني كافة، وخاضت المرأة بكل جدارة معترك السياسة ولعبت دوراً هاماً في العلاقات الدبلوماسية، وأوصلت صوتها وصوت كل امرأة لشتى أصقاع العالم، وساهمت بشكل فعال في بناء مجتمع ديمقراطي حر أساسه العيش المشترك وأخوة الشعوب، واستندت في ذلك على فكر وفلسفة القائد الكردي عبد الله أوجلان الذي كان أول من دعا لحرية المرأة.
أصبحت المرأة في روج آفا وشمال سوريا مثالاً تحتذي به النساء كافة في أنحاء العالم أجمع، فقد نظمت نفسها بنفسها ضمن اتحادات ومنظمات ومؤسسات نسوية مثل مؤتمر ستار ومجلس المرأة السورية ورابطة المرأة المثقفة وغيرها، كما أقامت مشاريع خاصةً بها عبر الكوبراتيفات والجمعيات التعاونية لتحقق بذلك الاكتفاء الذاتي، ولتساهم في رفع المستوى الاقتصادي للبلاد، واتخذت مكانها في المجالس والبلديات بجانب الرجل وافتتحت مكاتب خاصة بالمرأة في كل مؤسسة.
وبجانب كل ما ذكرت آنفاً؛ فهي تقوم بواجباتها المنزلية وتربي أطفالها وتعلمهم وتتحمل أعباء كثيرة، إلا أنها أكثر سعادة من ذي قبل، لأنها حققت طموحاتها وأثبتت قدرتها على الإبداع والعمل في أي مكان، وأكدت أن المرأة ليست أداةً أو آلةً للعمل في المنزل فقط، فالمجتمع لا يكون حراً إذا لم تكن المرأة حرة.