سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011
Banner Before Header

من جديد … تعالوا إلى كلمة سواء

 رجائي فايد –

تصادف أني كنت في مهمة وظيفية لحقول دواجن أربيل (كان ذلك في منتصف ثمانينات القرن الماضي) وشاهدت موظفاً خفيف الظل،  يأكل حبات شعير لبنية لم تنضج بعد، ولما سألته  لماذا يأكل ذلك، أجابني ضاحكاً (مواليدي ستستدعى للخدمة العسكرية، لذلك أتدرب على أكل الشعير، لأني سأسجل نفسي جاش والحمد لله !!)، و(جاش) معناها لمن لا يعرف الكردية (جحش)، و(الجاش) هو لقب كان يطلق من الكرد استهزاءً بهذه الفئة، التي تحمل السلاح دفاعاّ عن النظام العراقي، وبالتالي تحارب مليشيات البيشمركة الكردية، وكان كل مجموعة من هؤلاء تنتسب إلى رجل عشائري معروف،  بل كانوا يحملون اسمه (جماعة الآغا فلان)، كان الاسم الرسمي لهؤلاء هو فرسان صلاح الدين أو الجحافل الخفيفة، ويكلف النظام هؤلاء بحماية منطقة من المناطق، وبالتالي كانت تدور بينهم وبين من يطلق عليهم النظام المتمردون معارك، سالت بسببها دماء بين الطرفين، فالبندقية الكردية توجه إلى صدر كردي آخر، ولأن طبيعة هذه التشكيلات يغلب عليها الطابع العشائري،  لذلك كانت العلاقة بين الفرد المنتمي إليها وآمره تتسم بتقاليد العشيرة، فالوطن يتلخص في العشيرة وأوامر ونواهي زعيم العشيرة لا تناقش، وكان العراق حينئذ فيه الجيش النظامي والجيش الشعبي (ميليشيات حزب البعث العربي الاشتراكي) وفرسان صلاح الدين، بينما كان على الجانب الآخر ميليشيات البيشمركة،  والتي يطلق عليها النظام المتمردون أو الخونة أو أدلاء الخيانة، وكانت هناك أحزاباّ كردية تابعة لنظام البعث هما الحزب الديمقراطي الكردستاني والحزب الثوري الكردستاني، وكانت موضع استهزاء الجميع، إذ يعتبرونها مجرد أحزاب كرتونية، وكان النظام العراقي ينفق بسخاء على هؤلاء سواء،  كانوا أفراداّ أو مستشارين من الأغوات وزعماء العشائر، حيث كانت لهم مقرات وأموال تدفع للأغا بعدد من ينتسبون تحت إمرته مهما كان الآغا مبالغاّ في تلك الأعداد، وكان النظام يتغاضى عن ذلك،  كما يتغاضى عن أي مخالفات أو جرائم يرتكبها هؤلاء، بل كان ربما يشجع ذلك انطلاقاً من تحقيق (فرق تسد)، وما أكثر الجرائم التي ارتكبوها في حق أبناء قوميتهم،  وبعد تداعيات حرب تحرير الكويت، وصدور قرار مجلس الأمن رقم 688 الخاص بحماية المدنيين، وتحديد منطقة الملاذ الآمن شمال خط العرض36،  أصبح المجال مهيئاً لإمكانية إقامة كيان كردى بعيداّ عن سلطات بغداد، ويؤكد الخبراء أن هؤلاء الذين كان يطلق عليهم (جاش)، كان لهم دوراّ مهما في تمكين الكرد في إقامة كيانهم،  فبدلاّ من الاحتراب الداخلي الكردي الكردي،  توحدت البنادق من أجل هدف أسمى،  وهنا لابد من التنويه بأن من يستعدون لتولى الأمر في المنطقة،  وجدوا أنهم لو نكئوا الجراح القديمة (وما أكثرها)،  ستشغلهم تلك الجراح وثاراتها،  وبالتالي لن يتمكنوا  من تحقيق أي شيء، لذلك فإن من الأفضل هو نسيان الماضي بكل آلامه وجراحة وثاراته، والتطلع إلى بناء كيان يبتعد بالكرد عن ممارسات نظام البعث، لذلك قال الجميع عفا الله عما سلف، وتوحد الجميع في الدفاع عن كيانهم، ولو افترضنا أن هذا الحل العبقري لم يجد آذاناّ صاغية، وظل الجميع في حالة احتراب داخلي لانهاية له، فهل كان بالإمكان بناء كيان كهذا؟.
  حكايتنا تلك ليست من وحى الخيال، بل إن أحداثها مازالت ماثلة، وما أكثر من عاشوها ومازالوا بيننا حتى الآن، وأنا أجزم أن مثل هؤلاء يتمنون تكرار هذا المشهد من جديد، ويقول الجميع للجميع عفا الله عما سلف، وتعالوا سوياً لنتوافق على كلمة سواء