سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011
Banner Before Header

القومية تنافي الديمقراطية

معاوية محمد –

نشأت الدولة القومية في أوروبا منذ قرابة مئتي عام، وكان من روادها نابليون بونابرت في فرنسا وبسمارك في ألمانيا ومع استعمار الغرب لمعظم بلاد الشرق الأوسط انتقل هذا الفكر إلى المنطقة العربية، فتأسست معظم الدول العربية على أساس قومي حيث استعان العسكر بهذا الفكر لتوطيد أركان حكمهم.
تعد الدولة القومية من ألد أعداء الديمقراطية بسبب ما تتضمن من أفكار وأساليب إقصائية وعنصرية في ذات الوقت، تجاه كافة المكونات العرقية التي يتكون منها فسيفساء الوطن، فمن النادر إيجاد دولة ذات صبغة قومية واحدة، فغالبية الدول العربية مثلاً تحوي قوميات أخرى مثل الأمازيغ في المغرب ودول شمال إفريقيا، والكرد في منطقة الشرق الأوسط، وفي نفس المنطقة أيضاً شعوب أخرى مثل الآشور والسريان والشركس والأرمن والكثير من القوميات الأخرى.
فوجود دولة قومية تنافي أبسط الحقوق الديمقراطية للشعوب الأخرى التي تعيش على أراضي تلك الدول التي تلجأ لتوطيد الحكم القومي عن طريق فرض اللغة الواحدة والعلم الواحد واللون الواحد، وربما أحياناً الحزب الواحد على كافة الشعوب الأخرى، وسيتم تغييبها وصهرها بثقافاتها ضمن سياق القومية الواحدة.
 القومية تركز على مفهوم الوطن وقداسة هذا المفهوم حيث تشبه الدولة بالشمس والشعب بالنجوم التي ستختفي في حضرة الدولة الموقرة، القومية تؤسس بأفكارها المنغلقة لتوتر دائم مع الدول المحيطة بها، لأنها ترى فيها تهديداً مباشراَ لقوميتها وترفض التعاطي مع أي أمر ينافي أُسسها في حكم الدولة، وتبني جيشاً يستغل مقدرات الشعب الخاضع لحكم تلك الدولة بحجة وجود عدو دائم يتربص بالدولة ويعتبر عدواً لها.
كما أن القومية تؤكد على مركزية الحكم وتبعية جميع مناطق الدولة لعاصمة مركزية وفئة برجوازية تتحكم في جميع القوانين التي تكفل لها السيطرة على كل شيء في الدولة، حتى القطاع الاقتصادي الذي سوف تغرقه بالقوانين التي من شأنها تدعيم السلطة المركزية للدولة. ومن الأوجه القومية للدولة وجود برلمان شكلي بحجة التمثيل الشعبي في الحكم، لكن هذا البرلمان الذي يمثل البرجوازيين في تلك الدولة لا ينفك عن مسايرة النظام القومي للحكم، وبعد مئتي عام من الحكم القومي أثبتت الظروف فشل هذا الحكم في الإدارة الحقيقية في البلدان التي اعتنقت هذا الفكر، فأوروبا التي تعد مهداً لهذا الفكر تخلت عنه مؤسسة الاتحاد الأوربي لتوحيد جهودها، ضمن نظام إداري يعترف بالقوميات الأخرى ويحاسب اليمينين القوميين ويحاصر أفكارهم العنصرية، التي كادت أن تفني شعوب أوروبا عندما سيطر الفكر النازي وأفكاره اليمينية القومية على الحكم في ألمانيا، حيث نادى بتفوق العنصر الآري الجرماني على باقي الأمم وكان سبباً في إشعال الحرب العالمية الثانية، لتغذية النزعة القومية لدى هتلر ورفاقه في الحزب النازي.
والمنطقة العربية وشعوبها حالها كحال العديد من الشعوب تحسست فشل هذه الأنظمة القومية في تحقيق أهدافها وتنمية اقتصادها، الذي بات على شفير الهاوية بسبب الممارسات التي لجأت إليها تلك الأنظمة. لكن في ظل غياب أيديولوجية واضحة لدى الشعوب وانحسار كثير من الأفكار واستغلال الثورات وجدت الشعوب العربية نفسها أمام خيارين، أقنعتها الأنظمة القومية لا ثالت لهما. فإما الفوضى أو العودة إلى ظل الدولة القومية بكل سلبياتها” وأثار صعود بعض التنظيمات المتطرفة المخاوف لدى الشعوب، مما أجبرها على الاقتناع أن لا خيار أمامها إلا العودة إلى حضن القومية والقومويين.
أن الفترات الزمنية المتلاحقة أثبتت بأن القومية لا تصلح أن تكون نظام حكم للشعوب، بسبب حجم السلبيات فيها وانغلاقها ورؤيتها لكل شيء بمنظور العنصر الواحد، الذي سيركز على الحزب الواحد واللغة الواحدة وحكم الفرد، محاولاً صهر كل القوميات الأخرى بكل الطرق وحتى أحيانا بالإبادة الفردية أو الجماعية التي طالما استخدمها القوميين لفرض أفكارهم ورؤيتهم على المجتمع.