سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011
Banner Before Header

العقيدة العسكريّة وسياسة التدخل الخارجي

تقرير/ رامان آزاد –

الجيشُ مؤسسةٌ تضمُّ أفراداً تمّ إعدادهم بدنيّاً وعقائديّاً لخوضِ الحربِ، ولكلِّ دولةٍ جيشٌ حتى تلك التي لا يحتملُ انخراطها بصراع مسلحٍ مباشرٍ، وما يميّز الجيوش النظاميّة عقيدتُها، ورغمَ أنّ الحربَ هي مهمة الجيشِ الأساسيّة إلا أنّها قد تؤدي المهام ذات الطبيعةِ الخاصةِ في الكوارث والأزمات
العقيدة العسكريّة
العقيدة العسكريّة وفق تعريف الناتو هي “مجمل المبادئ الأساسيّة التي تتخذها القواتِ العسكريّة لإنجاز مهامها وهي قواعدٌ ملزمةٌ وإن ظلت المواقف القتاليّة المختلفة الحكم الأساسيّ لاتباع أيّ من قواعدِ العقيدةِ العسكريّةِ.
ووَرَد في قاموس المصطلحات العسكرية الأساسيّ السوفييتيّ تعريفُ العقيدةِ العسكريّة: هي “النظام الرسميّ المعتمد من الدولةِ لمجملِ الآراءِ العلميّة حول طبيعةِ الحربِ الحديثةِ واستخدامِ القواتِ المسلحةِ خلالها… وهي تتكونُ من شقّين أساسيين؛ اجتماعيَ سياسيّ وآخر عسكريّ تقنيّ”.
تتضمنُ العقيدةُ العسكريّةُ أيضاً تحديدَ الجغرافيا التي تعمل عليها القواتُ المسلحة، أي إمكانيّةِ نقلِها للدفاعِ عن مصالحِ الدولةِ خارجَ الحدودِ الوطنيّةِ وشنِّ حروبٍ استباقيّةٍ والدخول بتحالفاتٍ خارجيّةٍ، أو الاقتصارِ على العقيدةِ الدفاعيّةِ ومنعِ الجيشِ الانخراطَ بحربٍ خارجيّة والاقتصارِ على الدفاعِ عن الحدودِ وحفظِ أمنِ واستقرارِ البلادِ.
في مبحثِ العقيدةِ يجبُ التوقفُ على المصدرِ الذي تشتقُّ منه هل سياسيّة أم دينيّة؟ وكذلك مجمل النظريات الأساسيّة التي تعتمدها الدولةِ. فالعقيدة تختلفُ في دولةٍ ذاتِ نظامٍ شموليّ قوميّ عنها في نظامٍ ليبراليّ أو الديمقراطيّ أو بين الشرق والغرب.
موسكو تجددُ العقيدةِ العسكريّةِ
شهدت موسكو متغيراتٍ كانت نتائج مباشرة للحروب، وراجعت القيادةُ الروسيّة الحاليةُ ماضيها السوفييتيّ، لتقدمه بتصوٍّرٍ جديدٍ يخدمُ سياستها، تصورٍ مؤطرٌ بنظرية مؤامرةِ الغربُ واستخدامه مختلف الأدواتِ بالداخلِ والقوى الإقليميّة لاستهداف الأمن القوميّ الروسيّ وعرقلة تقدمِها وتطورها.
ورث الجيش الروسيّ ميزاتِ وعيوبِ الحقبة السوفييتيّة، وكان ترميمه أهم أهداف حكومةُ بوتين، لجعلَه أداةَ السياسةِ الخارجيّةِ الروسيّة لمرحلةِ ما بعد الاتحادِ السوفيتيّ الذي مرّ بتجارب أكّدت ضعفَ أداءِ الجيشِ، ومنها غزو أفغانستان عام 1979 الذي أدّى بعد عشرِ سنوات من الاحتلال للهزيمةِ والتفكك، بسبب دعمِ واشنطن لحركةِ طالبان، وحرب الشيشان الأولى (1994-1996) والثانية (1999-2009)، وحادثُ تحطمِ الغواصةِ النوويّةِ K-141 كورسك في بحر بارنتس في 12/8/2000، ومقتلِ 118 بحّارٍ.
كانت حربُ يوغسلافيا مرحلةٌ ضعفٍ مؤلمة لروسيا، فقد شنّ الناتو في 24/3/1999 لمدةِ 79 يوماً غاراتٍ جويّةٍ سمّتها موسكو “حربَ التماس” وحذّر الرئيس الروسيّ الأسبق، بوريس يلتسين، الغربَ من احتمالِ انخراطِ موسكو بالحربِ، ولكنه عمليّاً لم يفعل شيئاً، وبالنتيجة استقال يلتسين في 31/12/1999 ليصلَ فلاديمير بوتين للسلطةِ. وبقيت تلك الحرب محطةً مهمةً على مستوى التنظيرِ العسكريّ، والاستعداداتِ الاحتياطيّةِ لمواجهةِ حربٍ يخوضُها حلفُ الناتو ضد روسيا، قريباً من دول حلف وراسو وجمهوريات البلطيق المستقلة شملت تدريباتٍ عسكريّةً موسّعةً لمواجهةِ حربٍ إقليميّةٍ ومشاركةِ الطيران الاستراتيجيّ. ولم تُستبعد التدابيرُ النوويّةُ من الحساباتِ، وإمكانيّةُ المبادرةِ باستخدامها دفاعاً عن الأمنِ القوميّ الروسيّ.
تبنّى بوتين أولوية استعادةَ روسيا لمكانتها بإعادةِ بناءِ القوةِ العسكريّة وتوسيعِ نطاق نفوذها، وشكّلت جملةٌ الوقائعِ بعد الأزمة الأوكرانية والعقوبات الغربيّة الاقتصاديّة مؤشراتِ لعودةِ الحربِ الباردةِ بين روسيا ودول الناتو. وتأكيداً لتوجهاتِ موسكو السياسيّةِ صدّق الرئيسُ الروسيّ بوتين، في 26/12/2014، على صيغةِ جديدةِ للعقيدةِ العسكريّةِ الروسيّة اعتبرت تحرّكاتِ حلف الناتو، بقيادةِ واشنطن، بالجوارِ الروسيّ أهم الأخطار الخارجيّة. واتسمّتِ العقيدةَ الجديدةَ بصيغةٍ دفاعيّةٍ متشددةٍ أجازت إمكانيّة استخدامِ السلاحِ النوويّ بحال التهديدات الوجوديّة كاستخدام أسلحة الدمار الشامل أو أسلحة تقليديّة ضدها، وركّزت على تطوير قدرات روسيا العسكريّة. فالاستسلامُ للتفردِ الأمريكيّ الأطلسيّ بقيادة العالم موتٌ وفناءُ، ومواجهته تتطلبُ بلورةَ تكتل جيويوليتيكيّ مناوئ للأطلسيّة.
يعتبر بوتين المنطقةِ الأوراسيّة جزءاً من الأمنِ القوميّ والمصالحِ الوطنيّةِ الروسيّةِ المركزيّةِ، لا يجوزُ التهاونِ فيها، وجاءتِ السياسةُ الروسيّةُ على نسقٍ واحدٍ بالفضاءِ الأوراسيّ، فكانت حروب الشيشان وجورجيا والتدخلُ شرق أوكرانيا وضمَّ شبه جزيرة القرم، والتدخل العسكريّ في سوريا. وفيما أبدتِ مرونة سياسيّة حيال برنامج إيران النوويّ، واجهت بقوةٍ مشروع “أطلَسَةِ أوروبا الشرقيّة” ونشر الدرع الصاروخيّ الأمريكيّ، فموسكو لا تعارضُ استقلالَ أوكرانيا السياديّ سواءً حليفاً كانت أم محايدة، لكنها ترفض ضمّها للناتو.
لم تتردد موسكو بالدفاعِ عمّا اعتبرته ضرورةً أمنيّة وجيوسياسيّة، واحتسبت لصراعٍ عسكريّاً طويلاً في سوريا، لتأكيدِ نفوذها قوةً دوليّةً عظمى حاضرةً على الساحلِ الشرقيّ للبحر المتوسطِ، فكان تدخلُها رسالةٌ واضحةٌ لدولِ المنطقةِ، بأنّ واشنطن خذلت الحكوماتِ الموالية ودعمت صعودَ تيارِ الإسلام السياسيّ، فيما تقوم سياستها على الوفاء لحلفائها وتدافعُ عنهم سياسيّاً وعسكريّاً مهما كانتِ التكلفة، وأنّ أيّ حراكٍ مناهضٍ لحلفائها مصيرُه الفشلُ.
إيران أسطورةُ العقيدةِ الدفاعيّةِ
إيران القاجارية ومن بعدها البهلويّة اعتباراً من عام 1921، لم تتسم علاقاتها مع المحيطِ العربيّ بالعدائيّة، ولكن بعد وصول الخمينيّ اعترت الهواجسُ الحكوماتِ العربيّةِ من نظرية تصديرِ الثورةِ واستمرارها جغرافيّاً، وتجلّى ذلك بالدعمِ العربيّ للعراقِ بالحرب التي شنّها على إيران في 22/9/1980 واستمرت ثماني سنواتٍ، وكانت سببَ تغييرِ معادلاتِ السياسةِ، ورغم مرور أكثر من ثلاث عقود على نهاية الحربِ وسقوط نظام صدام حسين، إلا أنّ طهران لازالت تُوظّف نظرية المؤامرة عليها بالتوازي مع استمرارِ تصدير الثورة، ويؤكد الرئيس الإيرانيّ حسن ذلك بقوله: “إنّ المحافظون والإصلاحيون والمعتدلون الحقيقيون هم جميعاً ثوريون وعلينا  تجديد لغة الثورة”، وقال قائد فيلق القدس قاسم سليمانيّ في 11/2/2015: “إنّ الدلائل على تصدير الثورة الإسلاميّة إلى عدد من المناطق باتت واضحة للعيان فقد وصلت إلى من اليمن والبحرين وسوريا والعراق وحتى شمال أفريقيا”، واعتبر ذلك أبرز إنجازات الثورة.
نظرية العدو أو الأسطورة التي تقضي بوجوده تشغلُ المخيلةَ الإيرانيّة على الدوام، وهي محرّكُ سياسةِ طهران، ويقول قادتها إنّ ما يفعلونه هو من منطلقٍ دفاعيّ يستند إلى عقيدةٍ عسكريّة دفاعيّة بالأساس، ولو تمظهر بعض السلوكِ بشكلٍ هجومي أحياناً.
الشكوى من علاقات التناقض والحصار من قبل واشنطن وحلفائها الإقليميين وانقطاع العلاقاتِ والعقوبات هو ديدنُ الساسةِ الإيرانيين، فيقولون أنّهم معرّضون دائماً للمؤامرة لإسقاط الثورة وفرض تغيير النظام السياسيّ، ولا سبيل لمواجهةِ الواقع إلا بتطوير القدرات الدفاعيّة الإيرانيّة، وعدم الانكفاء بلِ المبادرة لمواجهة المخاطر خارج الحدود، سواء في العراق وسوريا ولبنان واليمن، وتأكيد الوجودِ في هذه البلدان مباشرة أو عبر أذرعٍ إقليميّة، وفيما تؤكّد طهران على سلمية مشروعها النوويّ وأنّه غير مخصص لأغراض عسكريّة، فقد مضت في تبنّي استراتيجيّة دفاعيّة تضمنت مشروعَ تطوير الصواريخ الباليستية بمديات مختلفة، وتؤكد في كلِّ مناسبةٍ أنّ كلَّ المصالحِ الأمريكيّة وحتى إسرائيل باتت ضمن نطاقِ الاستهدافِ فيما لو تعرّضت للخطرِ، كما طوّرت منظوماتِ الدفاع الجويّ والقدرات العسكريّة البحريّة.
الاختلاف ما بين المرحلة البهلويّة وما بعد الثورة الإسلاميّة يتعلقُ بالمضمونِ الدينيّ، وليس بالإطار القوميّ، وتمّت إعادةُ صياغةِ الشخصيّةِ الإيرانيّةِ على أنّها رائدةُ الحِراكِ الثوريّ بالمنطقةِ بمواجهةِ ما تسمّيه قوى الاستكبارِ العالميّ بقيادة “حكومةُ الطاغوتِ”، أو “الشيطان الأكبر وربيبته إسرائيل”، ووفق هذا المنحى تُفهمُ العلاقةُ مع حزبِ الله اللبنانيّ وحركةُ حماس الفلسطينيّة ودمشق، والنشاط التبشيريّ والحِراكِ السياسيّ والعسكريّ لإيران بالمنطقة، وجعلُ قضيةِ القدسِ مركزيّةً، وعلى درجةٍ عاليةٍ من الأهميٍة، باعتبارها محرّضاً عاطفيّاً يمكنُ توظيفه سياسيّاً لصالحِ التمددِ الإيرانيّ.