سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011
Banner Before Header

الباب معركةُ عناوين الأزمةِ السوريّةِ

تقرير/ رامان آزاد –

تتطلبُ معركةُ البابِ فهماً دقيقاً لتفاصيلها، اعتباراً من سيطرة مرتزقة داعش عليها ومن بعدها الاحتلال التركيّ للمدينة ووصولاً لحالة الاقتتال الفصائليّ المستمرةِ، وليس مبالغةً أنّها تختزلُ في خطوطها العامةِ مجملَ الأزمةِ السوريّةِ، وعكست حجمَ التنافسِ الدوليّ في سوريا.
حلب -الباب بداية التنسيق الروسيّ- التركيّ
فهمُ الأحداثِ يتطلبُ جمعها وفقَ ترتيبها (تزامناً أو تتابعاً) والربط بينها، فالتدخل العسكريّ الروسيّ في سوريا في 30/9/2015 لم يحقق إنجازاتٍ ملحوظةً على الأرضِ، وتأكدت موسكو من حاجتها لدورِ مركب لأنقرة، في سوريا وشراكتها بمشروعها الاستراتيجيّ وكذلك لتجاوزِ مشكلات القوقاز، فارتأت أن تتجاوزَ عن إسقاط القاذفة سو-24 في 24/11/2015، ومعلوم أن استقطاب انقرة عضوة الناتو يتطلب إغراءات كبيرةٍ. ومعركة الباب تختزلُ كثيراً من مشاهدِ الحربِ السوريّة وتُظهر دور التسوياتِ والتوافقاتِ بين واشنطن وموسكو.
 تطلبتِ البابُ توافقاً بين موسكو وواشنطن، لتحديدِ القوةِ العسكريّةِ التي ستُخرِج داعش منها، وكانتِ النتيجةُ أنها تُركت لأنقرة. ونذكر أنّ ثلاثَ قوىً وصلت إلى مشارفِ الباب من ثلاثِ جهاتٍ مختلفة، كانت قسد قد تقدّمت من جهةِ الشرقِ بعد تحرير مدينة منبج في 12/8/2016، والجيش السوريّ الذي وصل مشارف بلدة تادف القريبة، وقوات الاحتلال التركيّ والمرتزقة الموالين له بعد إعلان عملية درع الفرات واحتلال مدينة جرابلس في 24/8/2016.
عملت موسكو على استقطابِ أنقرة عبر موقفٍ تضامنيّ معها إثر الانقلابِ المزعومِ في 15/7/2016، وكانت موسكو أول محطةٍ خارجيّةٍ لأردوغان بعد الانقلاب فزارها في 9/8/2016، وسبق الزيارةَ باعتذارٍ شديدٍ عن إسقاطِ القاذفةِ الروسيّة.
وفعلاً بدأت أنقرة في 6/11/2016 عمليةً عسكريّةً لاحتلالِ مدينة الباب، وتجاوز التوافقُ التركيّ-الروسيّ فيما بعد حادثَ اغتيالِ السفير الروسيّ أندريه كارلوف في 19/12/2016، وقد صرخ القاتلُ بعد التكبير “لا تنسوا حلب”، وقصد الاتفاق التركيّ-الروسيّ، وفي 13/12/2016 تمَّ التوافقِ على إخراجِ المسلحين من حلب وإعلانُها خالية من الإرهابِ في 22/12/2016.
بداية أستانه
في 29/12/2016 أعلن الرئيس الروسيّ فلاديمير بوتين التوصلَ لاتفاقٍ لوقفٍ شاملٍ لإطلاقِ النارِ في سوريا بضمانةٍ روسيّةٍ وتركيّةٍ، وأعلنت أطرافُ الأزمةِ التزامَها بالاتفاقِ الذي يمهّدُ لمفاوضاتٍ سياسيّةٍ. وقال بوتين إنّه جرى توقيعُ ثلاث وثائقَ بين المعارضةِ والنظامِ، تتعلقُ الأولى بوقفٍ شاملٍ لإطلاقِ النارِ، والثانية بالرقابة عليه، والثالثة بالاستعدادِ لمفاوضاتِ سلامٍ. وفي إطار الاتفاق أيضاً، أعلنت موسكو بدءَ الاستعداداتِ لمحادثات سلام تُعقدُ بالعاصمةِ الكازاخيّة أستانه.
 وفي 31/12/2016 صوّت مجلسُ الأمن الدوليّ بالإجماعِ لصالحِ مشروع القرار التركيّ-الروسيّ المتعلق باتفاق وقف إطلاق النار، وأُدخلت كثيرٌ من التعديلاتِ على مضمونه. وصدر القرار 2336 الذي أكّد أنّ مجلسَ الأمن أخذ علماً بالوثائق الروسيّة-التركيّة دون أن يتبناها.
أعلنت أنقرة احتلال مدينةِ البابِ في 23/2/2017، وانعقدت الجولة الثالثة في14/3/2017 وبالتالي فإنّ ثلاث جولاتٍ من أستانه انعقدت فيما كانت تركيا تواصلُ العمليةَ العسكريّة التركيّة في مدينة الباب حتى إعلان احتلالها. الأمرُ الذي يقودُ للاستنتاج أنّ التدخل العسكريّ التركيّ جاء عبر الاحتواءِ الروسيّ لأنقرة، ولم تستطع أنقرة خلال خمس سنوات من الأزمةِ السوريّة التدخلَ المباشر.
معركة أنقرة في الباب كانت استمراراً للاستهداف المباشر للمشروع الفيدراليّ، فقد أرادت عبر الاحتلال منعَ التواصلِ الجغرافيّ بين كوباني وعفرين، ما أسهم بفرضِ الحصارِ على عفرين، التي كرر المسؤولين الأتراك أنّها ستكونُ الهدفَ أيّ عملية قادمة، وبنفس آلية التوافق الدوليّ بدأت العدوان على عفرين في 20/1/2018.
خلافٌ على التهريبِ
من المؤكد أنّ اسم “الجيش الوطنيّ” هلاميّ شكليّ ومجرد عنوانٍ للمرتزقة السوريين الموالين لتركيا، للإيحاء زوراً أنَّ من يقاتلون هم سوريون يواصلون ثورة التغيير في البلد، رغم أنّ حديثَ الثورة وشعاراتها أضحى من الماضي.
فبعد احتلال مدينة الباب تركتها أنقرة نهباً للمرتزقة الموالين لها مكافأة لهم، والنتيجة المؤكدة هي الانفلاتُ الأمنيّ والتضييق على الأهاليّ والاعتقال التعسفيّ وحوادث التفجيرِ والاقتتالِ الفصائليّ، ولكنه لا ينالُ نصيبَه من الاهتمامِ الإعلاميّ، وكأيّ منطقةٍ تخضع للاحتلالِ التركيّ فإنّ معرّضة لسياسة التتريك وتغيير معالم المدينة والثقافة وفرض اللغة والعلم التركيّ.
في 17/5/2020 تدخلتِ الشرطةُ العسكريّة لوضع حدٍّ للاشتباكاتِ بين مرتزقة الحمزات والجبهة الشامية من تشكيلات ما يسمى “الجيش الوطني السوري”، وأوضحتِ المصادر أنَّ المواجهاتِ اندلعت عندما قطع مرتزقة الجبهة الشاميّة الطريق على شاحنات معدّة للتهريب تقوم بها مرتزقة الحمزات إلى قريةِ السكريّة الواقعة ضمن مناطق سيطرة النظام. وأن 4 فصائل اشتبكت فيما بينها هي الشرطة العسكريّة التابعة للمجلس المحليّ، مرتزقة احرار الشام، الجبهة الشامية، الحمزات. واندلعت الاشتباكات في مدينة الباب وقرية قباسين واستخدمت فيها الأسلحة الثقيلة. فيما ذكر مصدر آخر أنّ الاشتباكات وقعت على خلفّية عدم التقاسم لسرقة.
ومن نماذج الاشتباكاتِ أيضاً ما وقع في 28/3/2020 حيث قتل أمنيان وجرح آخرون من مرتزقة تجمع أحرار الشرقية التي اشتبكت مع الشرطة المدنيّة، على خلفيةٍ طلب الشرطة فضّ التجمعات تنفيذاً لإجراء الحظر الوقائيّ لمنع تفشي وباء كورونا، فقد تطور شجار في سوق المدينة قرب مشفى الفارابي مع أصحاب البسطات المحسوبين على مرتزقة الشرقيّة فتدخل مرتزقة الشرقية، واشتبكوا مع عناصر الشرطة، وأصيب ملازم من الشرطة، وقتل مرتزقة للشرقية وأصيب أخرون.
 اقتتال تنافسيّ
التنافس الفصائليّ هو سبب مباشر للاقتتال بينها كما حصل في 11/6/2017 إذ تطور شجارٌ لتندلع اشتباكاتٌ بين مرتزقة “الحمزة” و”الفوج الأول”، على طريق حزوان على أطراف مدينة الباب، واستخدمت فيها الأسلحة الخفيفة والمتوسطة، وقُتل 9 مرتزقٍ من الحمزة و7 من الفوج الأول، بحسب شبكة “بلدي نيوز”. وأرجع ناشطون أسباب الاشتباكات إلى أنّها محاولة لإنهاء وجود حركة أحرار الشام بريف حلب الشمالي، التي قيل أنّ الفوج الأول إليها، ولذلك استنفرتِ مرتزقة أحرار الشام، وساندوا “الفوج الأول”.
لا اشتباكات مع قوات النظام
رغم القرب الجغرافيّ فإنّ ثمّة هدوء على الحدود المتاخمة لمنطقة سيطرة النظام ويذكر أنّ اشتباكات اندلعت للمرة الأولى في إطار التسابق للوصول إليها قبل أن تحسم قطعيّاً لصالح تركيا ويومها كانت قوات النظام تتقدم باتجاه مدينة الباب ففي 9/2/2017 تقدمت قوات النظام باتجاه بلدة أبو الزندين بعد سيطرتها على بلدتي دير قاق والشماوية ومزارعها وبادرت قوات النظام بقصفٍ مدفعيّ على مواقع المرتزقة. وكان قوات النظام قد أحكمت سيطرتها على سلسلة قرى (العويشية، حورات، تادف) جنوب مدينة الباب التي كانت تحت سيطرة مرتزقة داعش حينها. وقد أوعزت تركيا بفتح جبهة بالمنطقة في 1/2/2020 للضغط من خلالها على جبهات إدلب المحتدمة، وفشل هجوم المرتزقة على قريتيّ الرحالة والشعالة.
وذكر الجيش التركيّ أنّ التنسيقَ الدوليّ تضمن منع وقوع اشتباكات بين عناصره وبين جيش النظام السوريّ الذي كان يتقدم على محور الجنوبي للمدينةِ. ولهذا فإنّ معركة الباب كانت واحدة من أكثر جبهات القتال تعقيداً خلال الحرب السوريّة وكانت مقدمة العدوان على عفرين بتأمين عزلها شرقاً.
كغيرها من المناطقِ التي تحتلها تركيا عبر المرتزقةِ، فالوضعُ الأمنيّ في مدينةِ البابِ مضطربٌ للغايةِ، وفي فوضى السلاحِ تقعُ حوادثُ التفجيرِ والاقتتالِ من وقتٍ لآخرٍ.