سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011
Banner Before Header

لماذا المجتمعات تنتصر؟!

آلدار خليل – 

بعد 1991 انهارت منظومة الاشتراكية المشيدة تحت القيادة السوفياتية وأعلن العالم الغربي انتصاره في الحرب الباردة التي امتدت لعقود قاسية والتي عانى منها مئات الملايين من البشر في مختلف أصقاع الكرة الأرضية؛ نتيجة ذلك الصراع بين المحورين الغربي والسوفياتي.
بعد إنهاء منظومة الاشتراكية المشيدة؛ صدر كتاب للمفكر الأمريكي فرانسيس فوكوياما تحت عنوان “نهاية التاريخ”. في ذلك الوقت؛ تصدرت فرضية فوكايوما الصحف وباتت حديث الساعة لوسائل الإعلام، لا سيما وأنها كانت تستند على فرضية مفادها أن العالم الغربي بفلسفته الرأسمالية انتصر على الاشتراكية، وأن الرأسمالية هي الأكثر نجاعة على قيادة العالم سيما وأنها الوحيدة الباقية. فوكوياما بفرضيته هذه قام بإغلاق المجال والباب أمام أي بديل ممكن أن يظهر سواء في تلك الحقبة أو المستقبل.
هذه الفرضية ترافقت مع حملة إعلامية غربية؛ هدفها تحطيم الأمل والحلم لدى العالم بظهور نظام اجتماعي وسياسي عالمي أكثر عدالة بغض النظر عن المسميات سواء أكانت الاشتراكية أم غيرها.
يحتسب للاشتراكية المشيدة إنها كانت سبباً لتحسين شروط العمال والفقراء والإبقاء على الطبقة المتوسطة. لكن؛ تلك المكتسبات التي جاءت نتيجة نضالات مريرة إلى جانب وجود منظومة الاشتراكية باتت فريسة للتوحش الرأسمالي الذي أوصل العالم إلى ما هو عليه.
دول فقيرة تحكمها أنظمة استبدادية مدعومة غربياً وهو ما اعترف به القادة الغربيون حينما بدأ ما سمي بالربيع العربي (ربيع الشعوب) عندما أقرت أن ذلك الدعم لم يؤدي إلى ظهور أنظمة ديمقراطية ولا أنظمة مستقرة. مع ظهور جائحة كورونا التي تنتشر بسرعة كبيرة ومخيفة؛ بدأ الحديث مرة أخرى وبقوة حول جدوى القيادة الرأسمالية العالمية التي أظهرت دولها عجزاً فاضحاً في تقدير المخاطر وضعفاً شديداً بالأنظمة الموجودة رغم كل ما قيل عن تطورها مقارنة مع بقية العالم.
بالشكل العملي؛ بدأ قادة الدول الغربية يتوجهون بكثافة إلى شعوبهم محاولين استرضاءهم وفي المقدمة الرئيس الأمريكي. ناهيكم عن التحول في آليات التعامل الحكومي والدولي مع هذه الأزمة بحيث باتوا يطلبون من الشعوب في أن تتمسك بتعليمات السلامة والوقاية بعد أن كانوا دائماً يحددون القرارات ويفرضونها كي يلتزم بها الشعب، هذه أيضاً مفارقة في أن الحلول تكمن في المجتمع دائماً وبالتالي كل ما كان يتم الحديث عنه بأن الحكومات والدول تمثل الحلول ما هو إلا وهن ووهم في ظل الانتكاسة الكبيرة أمام هذا الطارئ الصحي؛ فيروس كورونا.
لقد أظهر هذا الفيروس الذي لا يزال يواصل الانتشار والفتك الأهمية الكبيرة للمجتمعات المنظمة التي يمكن أن تبادر للعمل للحفاظ على نفسها وليس على الأنظمة الدولتية التي حولت كل شيء إلى سلعة تباع وتشترى كما بتنا نشاهد وهو ما يفرض على كل الفاعلين في المجتمعات العمل لاستخلاص العبر والدروس الكثيرة من خلال تنظيم كل الطاقات على جميع المستويات والجبهات ومن ثم تطوير البدائل وتجذيرها من خلال المبادرات الخلاقة سواء؛ من خلال الذين يملكون قدرات فكرية وفلسفية ومالية لتطوير مجتمعاتهم التي لم تتمكن لدولة كأداة قمع وإخضاع المجتمعات في النيل منهم، حيث المجتمع خاصة وفي ظل إنه ليس بالمسبب؛ وكذلك في الوقت الذي يسميه البعض بأن فايروس يقتل الناس. لكن؛ الحكومات تأثرت أكثر وتراجعت، بذلك يتم التأكيد بأن منظومة المجتمع هي القادرة على حماية ذاتها بشكلها المنظم؛ بمعنى أمام هذه الطارئة وقدرة المجتمع في أن يحمي ذاته بأقل خسائر ممكنة؛ نصل لفكرة مردها بأن أشكال التنظيم المجتمعي كافة الخالية من المنفعة الشخصية هي التي تنتصر دائماً؛ أي إننا بحاجة لذلك الشكل لا إلى الشكل الموجود الذي فشل؛ وهو ذاته من عمّق مشاكل المجتمعات بالشكل المفروض عليها وتجريدها من عوامل قوتها.
في شمال وشرق سوريا حيث التجربة الوليدة التي تمتلك إطاراً  نظرياً ومنظومة إدارية؛ باتت هناك حاجة حياتية على صعيد تطويرها أكثر من أي وقت مضى؛ لمواجهة المخاطر الجمة التي يواجها ملايين البشر الذين يعيشون في تلك المناطق وكذلك تأكيداً على أهمية وصواب الفلسفة التي تستند عليها الإدارة وهو ما سيجعلها نموذجاً يحتذى به أكثر من أي وقت مضى. من خلال تطوير هياكل الإدارة ابتداءً من الكومين كأصغر وحدة وصولًا إلى جميع الهيئات المختلفة بشكل يؤهلها للوصول إلى أعلى درجات التناغم والتكامل الذي يظهر أجمل وأعظم ما لدى الأفراد والمجتمع.
المبادرات الاجتماعية التي تظهر في هذه الفترة هامة أيضاً ويجب ألا تكون محصورة في الأزمات فقط؛ إنما تستمر دوماً وهنا نتحدث عن آليات النهوض المجتمعي والتعاون في الأصعدة والمجالات كافة؛ المجتمع لطالما يمثل الحلول الناجحة في تحقيق الاستقرار والوحدة والتماسك عبر تنظيماته الديمقراطية والمسؤولة حتماً لا بد من أن يكون التطور فيه موجوداً بحيث يحافظ على استقلاليته الدائمة في ظل إننا أمام بداية عصر جديد وهو عصر المجتمعات المنظمة الديمقراطية.