سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011
Banner Before Header

الفيروسُ وآليّة المناعة

تقرير / رامان ىزاد – 

لا يمكنُ الانتصارُ في معركة منع انتشار فيروس الكورونا ومكافحته إلا بالمعرفةِ، ويجب ألا نتكلَّ على عملِ الطواقمِ الطبيّةِ الاختصاصيّةِ بل أنّ يشكّل كلّ المجتمعِ الخطَّ الرديفَ للفرقِ الطبيّة وهم يخوضون معركةً وجوديّةً بعدما اجتاح الفيروسُ العالمَ وأعداد الضحايا ترتفعُ على مدارِ الساعةِ.
 جسمٌ معتاشٌ وليس حي
الفيروسُ جسمٌ مجهريّ غير حي، يختلف عن البكترياتِ بعدم قدرته على الحياةِ بذاته، وهو عبارة عن مادة وراثيّة ضمن غلافٍ بروتينيّ، ولا ينشط إلا بتضاعفه داخلَ عائلٍ ما “مضيف”، فيعتاش على مواردِه وغذائه. وبمجردِ دخوله إلى المضيف، يقومُ بصنعِ نسخٍ بقدرِ طاقته، ويصيبُ خلايا عائلة أخرى، أي أنّ النشاط الأبرز له هو زيادةُ العدد وتعزيز اللياقة.
تعتمدُ دورةُ حياةِ الفيروسِ بالضرورةِ على وجودٍ خليةٍ مضيفةٍ. فهو عاجزٌ عن مضاعفة نفسه بنفسه وتحويلِ موادٍ أوليّةٍ ليحيا عليها. ولذلك يبقى متوقفاً عن النشاط حتى يتوفر المضيف، أي تتحققُ الإصابة، فينشط ويتضاعف. وإمكانية بقاء الفيروس حياً في بيئة مفتوحة قصيرة زمنياً قد تكون لساعاتٍ، أو تزيدُ قليلاً باختلاف البيئات ومدى ملاءمتها له. وهذه المعرفةُ هي أساسُ إجراءاتِ الوقايةِ الاحترازيّةِ بمنعِ الفيروسِ من دخولِ أجسامنا والاستيطانِ فيها.
يحتاجُ الفيروسُ إلى معابرَ للدخولِ إلى أجسامنا، ومنها: وجودُ ثغرةٍ بالجسدِ كقطع بالجلد أو جرح، أو الحقن بالتلقيحِ المباشرِ بالحشراتِ أو التلوثِ الدوائيّ أو خلال عمليات الاستطباب بأدواتٍ ملوثةٍ أو العدوى المباشرةِ باستنشاقِ هواءٍ ملوثٍ مُحمّلٍ بالفيروسات، أو الانتقال عبر ملامسةِ السطوحِ الملوثة وإهمال تعقيمِ اليدينِ وبعد دخول الفيروس إلى المضيف، من الممكنِ حدوثُ الإصابةِ.
انسلالٌ أو كمونٌ
الخطورةُ ليست بمجردِ دخولِ الفيروسِ بل بإمكانيّةِ تضاعفه، وهذا لن يتسنّى إلا بدخول الفيروسِ خلايا المضيفِ واستخدامِ موادَها عبر الالتصاقِ والامتصاصِ بين الجسيم الفيروسيّ وغشاء خليةِ المضيف، حيث تتفاعلُ البروتيناتُ التي على سطحِ الفيروسِ ببروتيناتِ الخلية، ويتمكن الفيروس من ثقبِ غشاءِ الخليةِ، ويُطلِقَ الجسيم الفيروسيّ أو مكوناته الجينيّة في خليةِ المضيفِ. ولا تتشابه الخلايا بالتأكيد بقابليات الاختراقِ أو السماحِ للتكاثرِ داخلها.
يحدثُ التكاثرُ الفيروسيّ على حسابِ الخليةِ المضيفةِ. بسيطرةِ الفيروس على آليّةِ التضاعفِ الخاصةِ بخليةِ المضيفة، فبعد إحكامِ السيطرةِ تصبح البيئة مُهيأةً للفيروس ليبدأ بإنتاجِ نسخٍ من نفسه، والتضاعفِ السريع، ليستنزفَ موادَ الخليةِ، وينطلق منها إلى خلية مضيفة جديدة عبر آلية “الانسلال” فتكثر ذراري الفيروس، وتعتبر هذه المرحلة الأخيرة في دورة حياة الفيروس. وليس من المؤكد أنّ مجرد دخول الفيروس سيمكّنه من النشاط والتكاثر، فعندما يقابلُ دفاعاتِ الخلية والجهاز المناعيّ فإنّه يدخل طور الكمونِ، بانتظارِ الفرصةِ للنشاطِ عبر عوامل محرّضة خارجيّة.
ما هي المناعة؟
الجهاز المناعيّ هو مجموع العمليات الحيويّة التي تقومُ بها أعضاء وخلايا وجسيمات داخل أجسام الكائن الحي بهدفِ الحماية من الأمراض والسموم والخلايا السرطانيّة وكلِّ الجسيمات الغريبة، أي حالة الرفض والمقاومة. وأولى أعمال هذه المنظومة الحيويّة التعرّفُ على مسبباتِ المرض، مثل الميكروبات أو فيروسات وتحييدها أو إبادتها، ويمتلك جهاز المناعة السليم إمكانيّة التمييز بين خلايا الجسم السليمة وأنسجته الحيويّة والكائناتِ الدخيلة المسبّبة للمرضِ.
يستطيعُ الجهازُ المناعيّ للجسمِ التعرّف على أعدادٍ كبيرةٍ جداً من العوامل المرضيّة (الممرضات) كالفيروساتِ والطفيلياتِ والديدان والميكروبات، علماً بأنّ هذه الممرضات تتطورُ بسرعة ويمكنها تجنبُ جهازِ المناعةِ والتكيّفُ والتكاثرُ في جسمِ المضيف، وبالمقابل فإنّ لدى الجهاز المناعيّ آلياتٌ متطورةٌ تتعرف على الممرضات وتزيلُ خطرَها.
يؤدّي الجهاز المناعيّ دوره بحماية الجسم عبر عدة خطوطٍ دفاعيّة متتاليةٍ ليمنعَ الإصابة بالأمراض، فالجلدُ مثلاً يمنعُ دخولَ مسبّباتِ المرضِ (البكتيريا والفيروسات) من دخول الجسم، وإنّ حدث اختراقٌ لحاجزِ الجلدِ، يقوم جهاز المناعةِ بمقاومة المرض.
المناعة الفطريّة والمكتسبة
يعمل الجهاز المناعيّ وفق نظامين:
-الجهاز المناعيّ الفطريّ: وهو متوارث بشكلٍ طبيعيّ، وموجودٌ بالكائن الحي منذ الولادة وحتى قبلها خلال المرحلة الجنينيّة، ويعملُ بطريقةٍ غير متخصصةٍ، فتعملُ كلُّ خليةٍ أو جزيء تابعٍ لها ضد عددٍ كبير ومتنوع من مسبباتِ المرض ِوفق آليّة التمييزِ بين ما هو ذاتيّ تابعٌ للجسمِ أو جسيمٌ غريب عنه، فيقوم بتحييدِه، وهذه النظام لا ذاكرةَ مناعيّة له.
-المناعة المكتسبة: يكتسبها الفرد من خلالِ ما يتعرّض له من أمراض فيكتسب الحصانةَ منها. وتتميز مركباتُ هذه المناعة بالانتقائيّة والتخصص، وعملِ كلّ خلية أو جسيم تابع لها ضد عاملٍ ممرضٍ واحدٍ. وخلافاً للمناعة الطبيعيّة التي تتشابه لدى أفراد النوع الواحد تختلف الاستجابةُ المناعيّة المكتسبةُ من فردٍ لأخر وفق عاملِ الحصانةِ المناعيّةِ المكتسبةِ التي مرّ بها جسم كلّ شخصٍ، وعوامل المرض التي تعرض لها خلال حياته. كما أنّ تمتلك المناعةُ المكتسبة القدرة على إنتاج ذاكرة مناعيّة.
ورغم اختلاف هذين النظامين إلا أنهما مترابطان معاً ويعملان بتعاونٍ وتنسيقٍ، ويعمل كلٌّ منهما وفقَ آلياتٍ مختلفة تقومُ بتنشيطِ وزيادة فعاليّة ردّ الفعلِ المناعيّ للنظام المناعيّ الآخر، أيّ يتبادل النظامان الفطريّ والمكتسب الدعمَ بالمركباتِ التي ينتج كلّ منهما، ويسهمُ الترابط بينهما بالتعاملِ بنجاح مع مسبّبات المرض.
 يعتبرُّ الجهاز المناعيّ الفطريّ خط الدفاع الأول لحماية الجسم من عوامل المرضِ لدى التعرض لها، ثم يبدأ عمل المناعة المكتسبة. وتقضي المناعة الفطريّة غير المتخصصة غالباً بقواها الذاتيّة على الكثير من الميكروبات والبكتيريا والجسيمات الغريبة التي تغزو الجسم. فيما يزيدُ جهازُ المناعة المكتسبة الكفاءةَ المناعيّة، سيّما عندما تضعف فعاليّة المناعة الفطريّة وتتسلل عوامل المرضِ.
إنتاج الجسم المضاد
يتكون الجهاز المناعيّ لجسم الإنسان من نخاع العظام الذي يمدُّ الجسمَ بكرياتِ الدمِ الحمراء والبيضاء والصفائح الدمويّة، والخلايا الليمفاويّة، والغدة التيموسيّة التي تفرزُ هرمون يُساعدُ على اكتمالِ نمو الخلايا الليمفاويّة ثم تضمرُ عند البلوغ، بالإضافة إلى الطحالِ. وتنقسمُ خلايا الدم المناعيّة لقسمين:
-الخلايا التائيّة: التي تساعدُ على تدميرِ الأجسامِ الغريبة وتقدّمها للنوع الثاني.
-الخلايا البائيّة: خلايا ليمفاويّة تفرزُ الأجسامَ المضادّة لمحاربة مُسبِّبات الأمراضِ كالفيروسات والبكتيريا، ويمكنها تذكُّرُ الأمراضِ التي أصيب بها الجسم عبر تاريخه، وبالتالي إفراز الجسم المُضاد الأفضل لمهاجمةِ ذلك المرض.
وحين ينشط عامل النسخ T-Bet تقومُ الجيناتُ ببثّ إشاراتٍ التهابيّة تلتقطها الخلايا التائية المُساعدة، وهي نوع من الخلايا تساعد الخلايا البائيّة على إفراز الأجسام المضادة. وترسل الخلية التائية المساعِدة بدورها رسالةً أخرى إلى الخلايا البائيّة تحوي المعلومات اللازمة للخلية الالتهابّية التي تهاجمُ الجسم.