سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011
Banner Before Header

كورونا جائحة عابرة أم اختبار بقاء؟

تقرير/ رامان آزاد – 

هل أدخل فيروسُ كورونا العالمَ في اختباراتِ الانتقاءِ الطبيعيّ، وفقاً لقانونِ تشارلز داروين “البقاء للأفضل”، أو الانتقاء الطبيعيّ، هذا ما يروّج له باحثون في غيرِ مكانٍ بالعالم. ويستعادُ مع طرحها الجدلُ القديمُ الذي لم يُقطع بصحته، ولا أمكن ردّه بالحجّة الكافية. ولكنّ الثابتَ أنّ البسيطة مرّت بأزمنة جيولوجيّة غابرةٍ وطرأت تغيّرات على وجهِ الأرضِ وانقرضت كائناتٌ للأبد.
جاء طرحُ نظرية داروين على وقع الانتشار المريع للفيروس التاجيّ كورونا كوفيد-19 في توقعٍ لزيادةِ معدلاتِ الإصابةِ والوفاة بالفيروس، وهو يستندُ للإحصائيات العالميّة التي تتغيّر على مدار الساعةِ.
شكّل انتشارُ العدوى ضربة قاصمةً للاقتصادِ العالميّ والمحليّ، فقد اتخذتِ معظم الدول إجراءاتٍ صارمةً بوقفِ القطاعات الإنتاجيّة، وحتى الحركةِ والتنقلِ وإيقافِ رحلاتِ الطيران، وإلزام الناسِ بيوتهم، مع تفاوتٍ بضمان دفعِ أجورهم، فيما ارتفعت تكاليفُ الاستطباب والعزل والأبحاث العلميّة لإيجادِ دواءٍ ناجعٍ للمصابين ولقاحاتٍ تقوّي المناعة، وكلُّ ذلك يزيدُ العبءَ الاقتصاديّ.
تلوثُ الهواءِ
تلعبُ البيئةُ دوراً مهماً بزيادةِ نسبِ الإصابةِ، والسؤال المطروح على المستوى العالميّ هل مازالت الأرض المكانَ الملائم للحياة الطبيعيّة؟ من المؤكد أنّ البيئة تلقّت ضربات قاسية عبر ارتفاع معدلاتِ التلوثِ (الصلب والسائل والغازيّ) وظاهرة الاحتباس الحراريّ ومشاكل النفايات والحرائق وذوبان جبال الجليد بالقطبين وارتفاع منسوب مياهِ البحار الذي يهددُ بغرقِ مدنٍ ساحليّةٍ، وأضحتِ المدنُ الكبرى محاطةً بسحبِ دخانِ المصانع والعوادمِ المشبعة بغاز ثاني أوكسيد النتروجين.
وباءُ الكورونا يصيبُ الرئتين، والأرجحُ أنّه يصيبُ أكثر الأشخاصَ الذين يعيشون في بيئاتٍ ملوثةٍ، ويقول جون بالميس، الطبيب والمتحدثُ باسم جمعيةِ الرئة الأمريكيّة: “يتفاعلُ تلوثُ الهواء مع عواملَ أخرى متعددةٍ تزيدُ مخاطرَ الإصابة بفيروس كورونا المستجد”.
تؤدّي الحالاتُ الشديدة من الإصابة بالفيروس إلى الالتهاب الرئويّ الحاد، ويصابُ به كبارُ السنِّ والذين يعانون اضطراباتٍ صحيّة سابقة، فتقلُّ المناعة وقدرات المقاومة، ومعلوم أنّ الحياة في ظروف تلوث الهواء ترتبط بارتفاعِ معدلاتِ أمراض الرئة كالربو والانسدادِ الرئويّ المزمن، وكذلك مرضى السكريّ وارتفاع ضغط الدم ومشاكل قلبيّة، ووجدت دراسات أجريت بالولايات المتحدة والصين أنّ تلوثَ الهواءِ بمستوياتٍ عاليةً أدّى لزيادةِ الإصابة بالالتهابِ الرئويّ.
انتقائيّة الإصابات
أكدت دراسة بالصين عام 2003 عن حالات مرض السارس “SARS” الذي يسببه فيروسٌ من سلالة كورونا التاجيّة، أنَّ احتمال وفاة المرضى الذين يعيشون في ظروف التلوث هو ضعف من يعيشون في بيئات نقية. إلا أنّ تتوفر بيانات حتى الآن حول الآليّة الدقيقة التي يسبب بها تلوث الهواء بالوباء الحالي، ولكن بالنظر إلى المناطق الموبوءة، هي تجمعات صناعيّة ضخمة مثل مدينة ووهان وشمال إيطاليا وكوريا الجنوبية حيث ترتفع معدلاتُ تلوثِ الهواءِ.
وأظهرت دراسة أخرى، ارتفاعَ معدلِ الوفياتِ لدى الرجالِ بفيروس كورونا بالصين أكثر من النساء، وأشارت مجلة “فورتشن” أنَّ معدلَ التدخينِ بالصين بين الرجال يمكن أن يكون سبباً أساسيّاً وراء نسبة الوفيات بفيروس كورونا الجديد. ويعتقدُ الخبراءِ أيضاً أنّ النساء تُبدي مناعة أقوى لفيروس كورونا الجديد، كما ذكرت صحيفة نيويورك تايمز.
ووفقاً لآخر التقاريرِ عن مركز السيطرة على الأمراض، فإنّه رغم تأثر كلّ من النساء والرجال بأعدادٍ متساويةٍ تقريباً بفيروس كوفيد19، فإنّ معدلَ الوفياتِ، بحسبِ الخبراء، بلغ 2.8% بين الرجال، مقابل 1.7% للنساء، وعلل باحثون ذلك بإمكانيّة أعلى لأجسامِ النساءِ لإنتاجِ أجسامٍ مضادةٍ.
في 8/3/2020، نشر موقع ScienceAlert، أنّ خبيرَ الموارد البيئيّة بجامعة ستانفورد مارشال بورك أجرى حساباتٍ متتاليةً حول انخفاض تلوث الهواء على أجزاء من الصين وزيادة الأشخاص الذين تمَّ إنقاذهم. وبحسب بورك، فإنّ شهرين من الحدِّ من التلوثِ أنقذ على الأرجح حياةَ 4 آلاف طفل تحت الخامسة و73 ألف بالغ فوق سنّ 70 بالصين، وهو رقمٌ يتجاوز بكثير عدد الوفيات العالميّ الحالي بسبب الفيروس.
ولاحظ سكان مدينة البندقية أنّ القنوات المائيّة، بدت أكثر وضوحاً. وحمّل كثيرون صور القنوات المائيّة، عبر حساب “Venezia Pulita”، أي “البندقية النظيفة”، وقال مكتب عمدة البندقية لـCNN “هذا التغيير ليس بسبب تحسنِ جودةِ المياهِ، بل بسبب قلة الحركة على القنوات المائيّة، ما سمح للرواسب أن تبقى في القاع”.
انخفاض التلوثِ
في 1/3/2020 أظهرت صور نشرتها وكالة ناسا الأمريكيّة تراجعاً حاداً بمستويات التلوث ومستويات أكسيد النيتروجين بالصين هذا العام، بالتزامن مع تراجعِ قياسيّ بنشاط المصانعِ الصينيّة، التي توقفت في إطارِ جهودِ احتواءِ الفيروس. وقالت ناسا إنّ انخفاضَ مستويات أكسيد النيتروجين، وهو غاز ضار ينبعثُ من محركات المركبات والآلات بالمنشآت الصناعيّة، بالصين كان كبيراً بالمناطق القريبة من مركز انتشار الفيروس في ووهان. وربطت ناسا بين تراجع مستويات التلوث بالصين وقيود الانتقالات وتوقف المصانع بسبب فيروس كورونا.
وأجرت الوكالة الأمريكيّة مقارنة بين انبعاثات هذا الغاز بأول شهرين من 2019 وفترات أخرى من العامِ الجاري. وأشارت ناسا إلى أنّ تراجع التلوث بالصينِ تزامن مع قيودٍ فرضتها السلطاتُ على الانتقالاتِ وأنشطةِ الشركاتِ مع خضوعِ ملايين الأشخاص للحجر الصحيّ. وقالت الوكالة إنّ بدايةَ الاحتفالاتِ بالسنة القمريّة الصينيّة الجديدة أواخر كانون الثاني وأوائل شباط من كلّ عام ارتبطت بتراجعِ معدل التلوث بالماضي. ولكنّ التلوث كان يعاودُ الارتفاع بانتهاءِ الاحتفالات. وأظهرت الصور المأخوذة من القمر الصناعيّ بالفترة من 1/1/2020 إلى 11/3/2020 انخفاضاً كبيراً في ثاني أكسيد النيتروجين. وتقول فاي ليو، الباحثة في جودةِ الهواءِ بمركز جودارد لرحلاتِ الفضاء في ناسا: “هذه هي المرة الأولى التي أرى فيها انخفاضاً كبيراً في مثل هذه المساحة الواسعة” وأشارت ليو لتراجع مستويات ثاني أكسيد النيتروجين بعدةِ بلدان خلال فترة الركودِ الاقتصاديّ عام 2008، إلا أنّها ذكرت أنَّ الانخفاض كان تدريجيّاً ولم يكن بالسرعة التي تشهدُها الصين.
ويوضح كلاوس زينر، مدير وكالة الفضاء الأوروبيّة كوبرنيكوس سنتينل 5 بي، أنّ “انخفاضَ انبعاثاتِ ثاني أكسيد النيتروجين فوق وادي بو شمال إيطاليا واضحٌ بشكل خاص (خلال شهر آذار)، مؤكداً أنّ انخفاضَ الانبعاثاتِ الذي يمكننا رؤيتها يتزامنُ مع الإغلاقِ في إيطاليا والذي خفّض حركةَ المرورِ والأنشطةِ الصناعيّة”.
ويلفت فنسان هنري بوش إلى أنّ مستوياتِ التركيزِ الوسطيّ بثاني أكسيد النيتروجين شمال إيطاليا انخفضت للنصف تقريباً، لكن ذلك لا يعني أنّ الهواء بالعالم بات نقياً.
مع انتشار الجائحة انطلقتِ الدعواتُ لإنقاذِ الكوكبِ، وكانت فرصةً لإعادة تقييم أي جوانب الحياة الحديثة ضروريّ للغاية، والتغييرات الإيجابيّة التي يمكن القيام بها لتغيير العاداتِ على نطاق عالميّ من أجلِ نظام إيكولوجيّ سليم.