سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011
Banner Before Header

الأمنُ الصحيّ في مواجهةِ الوباءِ

تقرير/ رامان آزاد – 

لا ينفصلُ موضوع الصحّة عن قضايا الأمن، ذلك لأنّ مفهومَ الأمنِ الصحيّ أيضاً شامل بتوفيرِ البيئة الآمنة للحياةِ. وفي مواجهةِ الوباءُ يُطرح موضوع الصحة والسلامة العامة.
يختلفُ الوباءُ عن الأمراضِ العاديةِ بانتقاله بالعدوى، والإجراءاتِ الفرديّةَ حياله غير كافية، ويبقى التهديدُ قائماً ما لم تكنِ الإجراءاتُ شاملةً، فالعدوى لا تستغرقُ زمناً طويلاً ويكفي مجردُ التواصلِ العابرِ فيما يشبهُ التسلل. وهو ما يطرحُ السؤال عن تعريفِ مفهومِ الصحّةِ العامّةِ في المجتمع وإجراءات السلامة العامة.
العملُ الطبيّ سبيل استعادة الصحّة
الصحة، مصطلحٌ عامٌ لا يجوزُ اجتزاؤه، وحصره بمعنى التعافي من الأمراضِ، بل إنّ ذلك اختزالٌ فجٌّ لها، إذ أنّ الاستطبابَ والعلاجَ مرحلة تلي المرضَ عادةً وهو من مهامِ القطاعِ الطبيّ ويحتاجُ معرفةً تخصصيّةً. وهي مجمل الإجراءات الخاصة بالبحثِ في أعراضِ الظاهرة والاستقصاءِ والقصة المرضيّة والفحوصاتِ المخبريّة والتصوير بكلِّ أنوعه والإقامة في المشافي للمراقبةِ وعملياتِ الإنعاشِ وصولاً للعملِ الجراحيّ عند الضرورةِ. وبعبارةٍ أخرى يهدفُ العملُ الطبيّ إلى استعادةِ الحالةِ الصحيّةِ السليمةِ للجسمِ وتعزيزِ مناعته.
ماذا تعني الصحة؟
الصحّةُ العامة فتعني حالةَ المناعةِ والسلامةِ العامةِ بالمجتمعِ، وتتضمنُ مجملَ إجراءاتِ منعِ الإصابةِ بالأوبئة والاستعدادَ العامَ لمواجهتها، وليس على سبيلِ الاستدراكِ. وهذه المسألة لها علاقةٌ بكلّ القطاعاتِ في المجتمعِ، بل بكلِّ الأفرادِ وهي مسألةُ ثقافةٍ عامةٍ، وتشملُ كلَّ سلوكنا العام، ومن مظاهرها المحافظةُ على النظافةِ العامةِ وعدمُ رمي القمامةِ عشوائيّاً، وهنا نجد أنّ معظم أعمالِ البلديات يتصلُّ مباشرةً بمسألةِ الصحّةِ العامة، وفي المجتمع الصحيّ تقلُّ الحاجةُ إلى الاستطباب، وجسم الإنسان لديه منظومة دفاع ذاتيّة ولكنها تضعفُ بالإهمال والتعبِ والمرض وبتأثير المحيط.
السلامة النفسيّة
تشملُ الصحّةُ موضوعَ السلامةِ النفسيّةِ أيضاً، ولنلاحظ تفشيَ هستيريا الشراءِ والتخزينِ المبالغِ به للموادِ الغذائيّةِ والمعلباتِ، وزيادة حالاتِ القلقِ والاضطرابِ السلوكيّ، وهو ما شهدته معظمُ مدن أوروبا، فقد اعتقد الناس أنّ الالتزام بالبيوت سيطولُ لفتراتٍ طويلة. وفي المدى البعيدِ يعكسُ كلُّ ذلك ضُعفَ ثقةِ المواطنِ بالإجراءاتِ الحكوميّةِ، والشكَّ بنجاعتها.
تأثرُ الواقعِ الصحيّ في سوريا بالحربِ
يسهمُ انفتاحُ المناطقِ الموبوءة على العالم الخارجيّ بانتشار العدوى ولذلك تُفرض على المناطقَ المنكوبة، إجراءاتٌ صارمة كمنع التجولِ والعزل وإنشاء ممرات آمنة لدخول الفرق الطبيّة والمساعدات الإغاثيّة، وبنفسِ الوقت تُفرضُ إجراءاتٍ صارمةٍ على المناطقِ السليمةِ لمنعِ دخولِ الوباءِ والمحافظةِ على نقائها.
ولنطرح كلّ ذلك على الواقعِ السوريّ على مدى السنواتِ التسعِ الماضيةِ، ونتصور حجم بُعدَ المسافاتِ! وكم نحتاج لتعزيز إجراءات السلامة والتقيّد بتعليمات الحظر والالتزام بالبقاء بالمنازل، مع أخذ بعين الاعتبار نقص الإمكانات الطبيّة والعلاجيّة نتيجة الحرب الدائرة في سوريا وانقطاع الطرق ووجود مناطق تحت الاحتلال ومرتزقة لا تعنيها مسائل السلامة العامة، وعدو لم يتورع عن استخدام الأسلحة المحرمة، علاوة على وجود أفراد من جنسيات متعددة ومن بلدان تشهدُ ارتفاعَ معدلِ الإصابات، ولا ننسى الواقعَ الجغرافيّ وأنّ دول الجوار كلها أعلنت عن وجود حالات إصابة وأقربها لبنان وتركيا والمحيط الإقليميّ. وكل ذلك يفرض علينا مزيد من الحرص والالتزام.
 ووهان عِبرة
مدينة ووهان كانت بؤرةَ الإصابةِ بفيروسِ كورونا، ولكنها تخطّت أزمتها حالياً بعد نحو شهرين من العزل عن العالم وجهودٍ مضنيةٍ واستنفار للطواقم الطبيّة والاهتمام المؤسساتيّ، وإذا ما علمنا أنّ عدد سكانها 11.8 مليون نسمة سنقدّر بالتأكيد أهميّةَ الالتزامِ المجتمعيّ، فقد تمّ نقل كلّ المصابين إلى المشافي والتركيزُ على الاعتناء بهم، فيما كان الالتزامُ في البيوت سبباً مباشراً في محاصرةِ الوباءِ.
اليوم نكتشفُ وَهمَ الانبهارِ الكبير بمظاهرِ الحياةِ الأوروبيّةِ، فيما نحن نتخلفُ عنهم بمسافاتٍ كبيرةٍ، فالإنسانُ هو الإنسانُ أينما كان، في دوافعه وخوفه، إلا أنّ أزمتنا الأكثر عمقاً تتعلقُ بالاحتكارِ والتلاعبِ بالأسواقِ وأساليبِ تجارِ الأزمةِ للكسبِ على حسابِ قوتِ الناسِ وحاجاتهم اليوميّةِ حتى الدواءِ وحليبِ الأطفالِ. وما حالاتُ الاستنفارِ العامة وارتفاع نسبةِ الإصابات وحالات الوفاة في أوروبا إلا انعكاسٌ لوجودِ خللٍ بالإجراءاتِ الصحيّة الوقائيّة.
إنجازٌ علميّ غير مسبوق
وفي مساهمة علميّة في سياق الجهود الدوليّة للكشف المبكر عن الإصابة بالفيروس أعلنت هيئة الصحة في شمال وشرق سوريا في 20/3/2020 أنّها توصلت بالتعاون مع معهد “بياس” السويديّ PEAS، عن اختراع “كيت” للكشف عن فيروس كورونا خلال /30/ ثانية، عبر أخذ عينة من بلغم المشتبه بالإصابة، وقد تمت تجربته في ثلاث مستشفيات في مقاطعة “ووهان” الصينيّة، وكانت النتائج صحيحة بنسبة مرتفعة 80-85%، ويُعدُّ الاكتشافُ إنجازاً علميّاً غير مسبوق على مستوى العالم. ومن ميزاته أنّه يتعرفُ على ردودِ الفعل التي تظهرها الكريات البيض تجاه دخول أيّ جسمٍ غريبٍ يدخل جسم الإنسان، ولا يحتوي مواداً كيميائيّة مضرة بالإنسان، ولا يتأثر بالظروف الجويّة.
الإدارةُ الذاتيّةُ والإجراءات الاستباقيّة
تعتبرُ الإجراءاتُ الاستباقيّة مهمة جداً، ومهما كان حجمُ العملِ وصرامةُ الإجراءاتِ فهي لا تُقارنُ بأعباءِ إجراءاتِ الاستطبابِ وألمِ فقدِ الأحبةِ، وعلى هذا الأساس دعتِ الإدارة الذاتيّة في شمال وشرق سوريا كلّ المواطنين السوريين إلى التعاون والتكاتف لمواجهة احتمالات الإصابة، وبادرت بكلِّ مؤسساتها الإداريّةِ والخدميّة إلى اتخاذ تدابير الحيطة والوقاية، لتحصينِ المجتمعِ، وتجاوزت إمكاناتها كثيراً، وأعلنت عن حظرٍ التجولِ لمدة 15 يوماً اعتباراً من يوم الاثنين 23/3/2020 مع إمكانية التمديدِ في حال اقتضتِ الضرورةُ والمصلحةُ العامة ذلك، وشكّلت خلية للأزمة لمتابعة إجراءات الوقاية، فيما تابعت كلّ البلدياتِ أعمالَ التعقيمِ بالتعاونِ مع المؤسساتِ ذاتِ العلاقةِ، بالتزامنِ مع حملاتِ توعيةٍ شاملةٍ، وكذلك مراقبة الأسواق وضبط الأسعار ومنع الاحتكار.
الأمن الصحيّ يأتي في مقدمة الأولويات لمنع المرضِ ليس في هذه الظروفِ وحسب، بل أنَّ تتحولَ إلى ثقافةٍ مجتمعيّةٍ، ولا ينبغي أن نتصورَ أنّ الإجراءاتِ الرسميّة التي اُتخذت في مدننا مدعاةَ خوفٍ أو قلقٍ كحظرِ التجولِ والتوقفِ عن العملِ والدراسةِ، بل هي الوضعُ الطبيعيّ المطلوبُ لمواجهةِ الجائحة والاستعدادِ لها، وما يحدثُ هو الاختبارُ العميقُ الذي يواجهُ الناسَ حولَ العالمِ، في مستوى الوجدانِ والعقلِ الجمعيّ وثقافةِ الأزمة، ويتطلبُ المزيدَ من إجراءاتِ السلامةِ والتعاونِ والتكاتفِ.