سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011
Banner Before Header

الثورة بين عقليتين

رياض درار –

دخلت الثورة السورية عامها العاشر دون إنجاز، تحكمت بها فلسفة التدمير الذاتي للقوى الاجتماعية عن طريق إطلاق عناصر التمرد الشعبي، وحرمانها من الفكر الذي يوجهها، فتحولت إلى فوضى يتحكم بها تجار الثورات الفاعلون من قناصي الفرص، واللاعبون الكبار من غير صفوف الثوار. وفي غياب مفكرين للثورة ظهرت أسماء لا تفرق بين الخطابة التي هي نتاج عقل كلامي يقوم على ردود أفعال لا طائل منها ويملأ الدنيا ضجيجاً دون أثر يذكر، وبين التخطيط الذي هو نتاج عقل إيجابي يقوم بأفعال تليها أفعال، وتراكم الأفعال هو التوجيه الحقيقي للصراع.
إن العقل الخطابي: يهدر طاقاته في البحث عن مزايا الحق وشرور الباطل، ويشرد وراء تواريخ الوقائع، وحجج القانون، واستجداء الشرائع، ثم لا يمل من ترداد ما يقول مكرراً ومعاداً حتى يصيب الكلَ من حوله بالملل، وقد يتصور لنفسه هدفاً. ولكنه؛ يعجز عن تحريك الحوادث باتجاهه، وهذا ما حصل للثوار السوريين الذين وقفوا وراء الشاشات للانتصار لقضيتهم، ولكنهم ظلوا عاجزين وضعفاء حتى ولو كان معهم الحق والتاريخ والقانون.
أما العقل الإيجابي: فإنه يكون في أفضل حالاته إذ يحدد لنفسه هدفاً ويحرك الحوادث عملياً في اتجاه تحقيق هذا الهدف، ويكون في أفضل حالاته إذا كان معه الحق والتاريخ والقانون، وهذا الذي حصل مع القوى التي واجهت داعش بشمال وشرق سوريا وأقامت بناء يمكن أن يتحول إلى ركيزة وطنية جامعة.
العقل الخطابي رأيناه يتحدث عن الظلم، والأساليب القمعية التي تمارس ضده، والممارسات اللاإنسانية، وقتل الأطفال، وهتك الأعراض، واستخدام الكيماوي، ويردد بعصبية: السلاح هو الحل، واستخدم أسلحة الخصم فتشابه معه في التصرف وفي ظل العنف تجمدت الأزمة، والمعارضة حاربت نفسها واكتفت بالتهديد والوعيد ثم ارتهنت للآخرين.
العقل الإيجابي: رأيناه يفكر كثيراً قبل أي رد عصبي.. ويسأل نفسه: ماذا يريد الخصم /الحكومة السورية/ من هذا التصرف؟ ومن هذا العنف؟ وكيف أرد الآن؟
والعقل الإيجابي بعدم الانجرار وراء العنف، وعدم الجري وراء التسلح الأهوج، وعدم الانقياد للشعارات الطائفية والاقصائية، فإنه عمل على إحراج أصدقاء الحكومة السورية، وراكم أخطاء الخصوم، وبحث عن مخارج للأزمة بأعصاب باردة، وبحركة واعدة. ورغم التهديدات ما زال يتنفس ويبحث عن الحلول وعن المخارج الواقعية للأزمة.
بين الخطابة والتخطيط.. علينا أن نتخلص من رواسب البلاغة وتهديد الكلام والأوهام التي يراكمها، لننتقل إلى الرؤية الصحيحة لقوانين المرحلة، ونستوعب حقائقها، وننطلق منها إلى الأهداف عبر معرفة شكل الصراع ومضمونه، وتحديد وسائله، وكيفية إدارتها.
فالصراع :هو بين الاستبداد والشمولية والقمع، وبين التعددية والانفتاح الديمقراطي والطريق السلمي.
والوسائل: تمر عبر النضال السلمي المفتوح والمباشر مع خصم عنيد مغرور لا يتنازل ولا يتفهم، أعمته المصلحة، وأبعده التعالي والغرور.
وإدارة الصراع: وهو علم يقوم على التخطيط، ومعرفة القدرات والإمكانات والموارد، ويسعى لتطوير هذه الموارد لا بالدعاء. ولكن؛ بالحركة والعمل، بتجميع المفرَق، وتقوية الضعيف، وتقريب البعيد، ونزع العقبات، بالوسائل المباشرة وغير المباشرة. وهذا يبدأ بمعرفة الحالة التي تمر بها الأزمة، ونحن نمر بأزمة تبدو مستعصية على الحل.
وعناصر هذه الأزمة تكمن في:
ـ تشتت المعارضة، والاختلاف بكيفية توحيدها.
ـ حجم الأزمة، وحجم التدخل فيها، تدخل أجندات على حساب الأهداف الذاتية، وتدخل أيديولوجيات متنوعة متطرفة ومتشددة تحتاج إلى علاج وحلول.
ـ حجم الوهم الذي صنعناه لأنفسنا، بتصورات لا تعتمد الوقائع المنطقية، ورفض غير مبني على أسباب، قاد إلى يأس من أي حل.
ـ حجم العنف الذي مورس ويمارس؛ قاد إلى جنون استبد بمن يستخدمه وإلى فوضى لا قيام منها.
هذا يتطلب منا أن نأخذ الأمور بأيدينا ونتصرف؛ لأن الأزمة تهم كلاً منا وبغير استثناء، وبدل أن نكون جزءاً من المشكلة علينا أن نكون جزءاً من الحل.
علينا أن نعرف قانون الصراع، ونحسب له كل حساب، ونعمل على تطبيق الحل بالحركة المستمرة دون توقف، وفق عقلية إيجابية، تدرك متى تأخذ وكيف تعطي، حتى تحقق الغاية بأقل الخسائر، والعقل الإيجابي هو ضالتنا، بما هو قدرة على  التحليل والتدقيق ثم التنظير فالتخطيط وجعله ذلك واقعاً وأفعالاً، أي أن ميزة العقل الإيجابي إن لم تكن مقرونة بالتنظيم وانتقاء الكوادر الموهوبة الخلاقة لإسداء المهمات وتنفيذها ستفقد محتواها، وهذه حقيقة لم نجدها في أي من فصائل المعارضة، والنتيجة، تنظيمات متخلفة متحجرة ضيقة الأفق تعتمد على الشللية في صراع البقاء ضمن الأبراج العاجية، لم تجد طريقاً لها إلا بالهرولة إلى خيمة أبي جهل وسيف عنترة.