سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011
Banner Before Header

تسع سنوات خَلت… أين يكمُنُ الحل؟!!

تقرير/ صلاح إيبو – 

مع بدايات الحراك الشعبي في سوريا، دار حوار قصير بيني وبين أحد مؤيدي الحراك عن ماهية نظرتهم للنظام القائم في سوريا وآليات الحل، لكن الحديث أخذ منحناً آخر ليكشف الشاب العشريني المنحدر من بلدة جسر الشغور بريف إدلب عن دفائن طائفية تجاه النظام القائم والذي تهيمن عليه الطائفة العلوية، آنذاك وصف الشاب الطائفة العلوية بـ “الكفرة”، تزامن هذا الحديث مع بديات خروج التظاهرات في حي صلاح الدين بمدينة حلب وبعض أريافها كتل رفعت، بشعارات تنادي بالحرية ونشر الديمقراطية والتي انطلقت شرارتها من درعا خلافاً لما كان يدور في خُلد ذاك الشاب.
بعد أشهر معدودة صُبغت هذه التظاهرات بطابع ديني سُني طائفي لتنحو ما كانت تسمى بالثورة السورية إلى أزمة تعكس ماضي البلاد وحاضرها وربما سترسم معها ملامح المستقبل القاتم في ظل التجييش الطائفي من قبل أطراف الصراع المتعددة.
 تِسعٌ عِجاف ولا أمل في الأجواء
اليوم وبعد مضي تسع سنوات على الأزمة السورية، تتوجه الأنظار إلى إدلب، هذه المدينة التي استقبل أهلها في الثمانينات الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد برشقه بالبندورة فقط لأنه “علوي”، لتتحول بعدها لمدينة منسية لعقود، لكنها شهدت ازدهاراً اقتصادياً وزراعياً في عهد الرئيس الحالي بشار الأسد، لتوصف في سنوات ما قبل الأزمة بمحافظة “المليون شرطي”، في إشارة إلى تطوع عدد كبير من أبنائها في سلك الشرطة والأفرع الأمنية، وفي ظل الأزمة السورية تحولت إدلب لمركز استقطاب للمجموعات الجهادية من خارج سوريا من ضمنها تنظيمي القاعدة وداعش اللذين انتشرا في كافة أرجاء سوريا من بوابة إدلب ودير الزور، وشهدت هذه المحافظة الخضراء أعمال وحشية أبرزها مقتل 120 رجل أمن في بلدة جسر الشغور وقطع رؤوس عدد منهم في أيار عام 2011.
تاريخ محافظة إدلب يختزل بين طياته تطور الأزمة السورية والتداخلات الخارجية فيها كونها المحافظة المحاذية لتركيا والتي قُتل فيها زعيم تنظيم داعش الإرهابي ويتواجد فيها اليوم آلاف المتشددين الإسلاميين تحت حماية القوات التركية التي تحتل أجزاء واسعة من سوريا اليوم.
الدور التركي في تغذية الإرهاب وإغراق سوريا
إدلب المحاذية للحدود التركية السورية والقريبة جغرافياً من الساحل السوري، كانت الخاصرة الرخوة لسوريا بعد تحول التظاهرات السلمية إلى مُسلحة نتيجة القمع الممنهج من قبل السلطات الأمنية السورية في غالبية المحافظات وخروج التظاهرات عن الأجندات الوطنية، ليغدوا معها ريف إدلب نقطة جذب استراتيجية لمناصري “تنظيم القاعدة” وبعض التنظيمات الإسلامية المتشددة الأخرى، كون أن القاعدة الشعبية هناك كانت مُهيأة لاحتضان الجهاديين، وبعد أشهر عدة سيطرت ما كانت تسمى بالكتائب والفصائل التابعة للجيش السوري الحر آنذاك على مساحات واسعة من ريفي إدلب واللاذقية، لكن مع التدخل الخارجي والدعم الخليجي لهذه الفصائل باتت شعاراتها وولاءتها تتغير، على حساب مصالح الشعب السوري، ليطغى الطابع الطائفي المتشدد المتمثل بأفكار الشاب العشريني على بعض من تلك الفصائل وهيمنت عليها أفكار القاعدة الذي تحول فيما بعد إلى النصرة ونتج عنه تنظيم داعش الإرهابي عام 2014، حتى باتت إدلب المستقر والمنطلق للغالبية العظمى من المتشددين الإسلاميين المتوجهين إلى سوريا من بلدان أوروبية وعربية عدة.
انخرطت تركيا بشكلٍ مباشر في دعم هذه التشكيلات منذ الأيام الأولى، عبر تسهيل تنقل الأشخاص والمجموعات والسلاح عبر الحدود، والممول كانت دول الخليج والمدرب الدول الغربية، لتتحول إدلب إلى بؤرة تنشط فيها شبكات المخابرات العالمية وتُسير بعض الفصائل وفق أهوائها ولمصالح تخدم مشاريعها المستقبلية في المنطقة، وإلى جانب ذلك كانت وماتزال مركزاً تجارياً يغذي غالبية المناطق الواقعة تحت نير الاحتلال التركي ويساهم في تبيض أموال الجماعات الإرهابية من ضمنها داعش.
بعد ظهور مرتزقة داعش في عام 2014، خفُت الدعم السعودي الخليجي لما تسمى المعارضة السورية المعتدلة، لتغدوا غالبية هذه المعارضة التي هيمن عليها تنظيم الإخوان المسلمين في يد تركيا وقطر، وتُسير وفق أهوائها ومصالح هاتين الدولتين، لكن الدعم الغربي وبالأخص البريطاني والأمريكي لم ينتهِ إلا ظاهرياً.
مسارات سياسيّة أثبتت فشلها
في الجانب المقابل أفرز التدخل العسكري الروسي والإيراني المباشر إلى جانب قوات الحكومة السورية تبايناً في القوة العسكرية صُبت لصالح قوات الحكومة، والتي عززت بمسارات سياسية أقصت مقررات مؤتمر جنيف ومجلس الأمن جانباً لوقتنا الحالي، لكن تلك المسارات السياسية التي جمعت بين تركيا وإيران وروسيا في “سوتشي وآستانا” هي الأخرى أشرفت على الإفلاس، نتيجة تضارب مصالح هذه الدول وتعارضها مع تطلعات الشعب السوري، فتكريس الاحتلال التركي والتغيير الديمغرافي بمناطق مختلفة في سوريا ومن ضمنها عفرين وسري كانية كانت نتيجة حتمية لمخرجات آستانا وسوتشي، واليوم باتت إدلب هي المختبر الأخير لهذا المسار المتهالك.
الثورة ماتت فأين يكمن الحل؟
فالثورة السورية التي هيمن عليها الإخوان المسلمين والدول الداعمة لها، ماتت قبل ولادتها الفعلية، لتتحول خلال السنوات التسع الماضية إلى أداة لفرض أجندات دول خارجية وعلى رأسها تركيا التي دجنت المعارضة السياسية والعسكرية وسخرتها لمصالحها، والهدف الأوضح لتركيا كان الوجود الكردي في سوريا ومنع بروز نجمها كمركز للحل في مشاكل الشرق الأوسط، وفق رؤى مشروع الأمة الديمقراطية التي دمجت كافة المكونات والأعراق ضمنها ونبذت النعرة الطائفية التي غرزها طرفي الصراع في سوريا ويتوقع غالبية السوريين صعوبة عودة النسيج الاجتماعي إلى ما كان عليه سابقاً، لكن مشروع الإدارة الذاتية الديمقراطية يوفر أرضية خصبة لإعادة برمجة المجتمع وفق أسس العدالة والمساواة منطلقاً من فلسفة الأمة الديمقراطية.
فالاتفاقات السياسية بين دول محور آستانا لم توقف شبح الحرب في سوريا، بل أعطت فرصة لإعادة التموضع وترسيخ مصالح تلك القوى، إذ تختلف رؤى ومصالح كل دولة للحل عن أخرى وتكون بعيدة كل البعد عن مصالح الشعب السوري وربما الحكومة الحالية المرهونة للقرار الروسي والإيراني، فحال سوريا المترهل يضعها أمام خيارين لا ثالث لهما، أما تكريس التقسيم وفق الأسس الطائفية التي تدعمها تركيا أو الحل الديمقراطي والتعايش المشترك بين المكونات والطوائف المختلفة ولكن لتطبيق هذا الحل لابد من إنهاء الاحتلال التركي للأراضي السورية وعلى رأسها عفرين التي مر عامان على استباحتها.
فالوضع الراهن السوري لا يبشر بقرب الحل السياسي، إذ ترجح قوات الحكومة السورية الحل العسكري او الاستسلام على خصومها، في حين تحاول الدول المستفيدة كتركيا استمرار اللعب على التناقضات بين الدول المحورية “روسيا وأمريكا”، لكن في نهاية المطاف لا بد من تنفيذ تفاهمات جرت بين الدول المحورية على الساحة السورية ومن ضمنها إنهاء الوجود الأجنبي في سوريا والذي يستهدف بالدرجة الأولى كلاً من إيران وتركيا، وبها تكون الكفة الرابحة في صالح القوى الوطنية المحلية المتمثلة بقوات سوريا الديمقراطية التي أقصت نفسها عن المشاريع الطائفية في المنطقة واعتمدت نظاماً ديمقراطياً يجمع العرب والكرد والتركمان والآشوريين، وهنا ينظر العالم وعلى رأسها أمريكا وروسيا لهذه القوات والمشروع السياسي المطروح في شمال وشرق سوريا كلبنة أساسية لسوريا المستقبل الذي بات ملامحه محصورة في هذا الإطار أو التوجه لحرب مفتوحة تشعل المنطقة برمتها وربما تذهب مصالح دول كبرى أدراج الرياح أيضاً.
 عودٌ على بدء
الأزمة التي عصفت بسوريا وما زالت منذ تسع سنوات تحولت من ثورة مباركة إلى أزمة ومعضلة باتت اليوم معضلة وكارثة ألقت بظلالها السوداء على الوطن السوري ككل وعلى العديد من الدول التي تعاني من مشاكل جمة تحت مسمى “اللاجئين السوريين” بينما عمدت دول أخرى إلى استغلال هذه المسألة أبشع استغلال وباتت تلوح بها كورقة تهديد وابتزاز وعلى رأسها دولة الاحتلال التركي التي تبتز العالم بهذه الورقة، بل أنها باتت تحتل أجزاء من سوريا متذرعة تارة بأمنها القومي وتارة أخرى بحجة إعادة اللاجئين إلى مناطقهم وهي التي استثمرت تلك المأساة في سعي منها لإعادة امجادها الزائلة وكان الكرد وإنهاء وجودهم همها الأول والتغيير الديمغرافي في المنطقة همها الثاني، لتحقق هدفها الأكبر وحلمها الثالث والأعظم وهو الميثاق المللي، بينما باتت الصفقات والاتفاقات المشبوهة والاتفاقات والنفاقات الدولية تجلب المزيد من الويلات لشعب أراد الحرية فأصبح الوطن سجناً والعالم الصامت بذل سجاناً.