سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011
Banner Before Header

عامان على الاحتلال… وأمل التحرير يتجدّد

صلاح إيبو – 

تسيرُ روكانة في شوارع مدينتها التي كانت للأمس توصف بباريس سوريا في إشارة لاختلافها عن محيطها المحافظ بطريقة العيش واللباس والانفتاح على الثقافات، هذه السيدة الشقراء ذات الأعين الخضراء، تكتسي مضطرةً ثياباً لم تكنْ تتخيلها، وتضع حجاب الرأس ليس تماشياً مع تعاليم دينها الإيزيدي فحسب، بل لتجنب نظرات المستوطنين الوافدين على صهوة دبابات الاحتلال التركي لمدينة كانت مستقراً لكل طالب أمان قبل سنتين مضت، لكن في الوقت ذاته تتذكر ماضي المدينة الجميل ولها أمل العودة كما كانت وأفضل.
مضى على احتلال عفرين عاماً، وينتظر جُل منْ تبقى فيها انفراج الأحوال وخروج المحتل، لا يجرؤون على كشف ما يجول في خاطرهم جهراً، ورغم ذلك ماتزال الانتهاكات مستمرة وفي تزايد، مما يدفع بالباقيين هناك أم للهجرة أو الاستسلام المؤقت، وسط تزايد أعداد المستوطنين وزيادة وتيرة التغيير الديمغرافي وفق المخطط التركي.
 غزو همجي… وتأييد دولي
شن جيش الاحتلال التركي ومرتزقته هجومهم على مقاطعة عفرين في الـ 20 من كانون الثاني للعام 2018، بكافة أنواع الأسلحة المتطورة ومنها المحرمة دولياً، وعلى مدار 58 يوماً سطّر مقاتلو ومقاتلات وحدات حماية الشعب وغالبية المدنيين في عفرين صور مهيبة في مقاومة الاحتلال، ارتقى خلالها أكثر من 563 شهيداً مدنيين بينهم أطفال ونساء والمئات من مقاتلي الحرية، وارتكب الاحتلال التركي عشرات المجازر المروعة وتسبب بتهجير قرابة “300 ألف” مدني من قراهم وبلداتهم، ناهيك عن تدمير البنية التحتية للمقاطعة.
وسبق الغزو التركي، تفاهمات بين تركيا وبعض الدول، ومن ضمنها روسيا التي أعطت الضوء الأخضر للعدوان التركي وفتح المجال الجوي أمام طائراتها الحربية والمسيّرة، في ظل صمت دولي، لم تُكشف تفاصيله وأسبابه إلى اليوم.
لم يستثنِ الاحتلال شيءً من عدوانه وهمجيته، وتعمد في غالبية الأوقات استهداف المراكز الحيوية بهدف منع المقاومة وتفكير المدنيين بالبقاء على مقربة من ساحة المعارك، إذ قُصفت مراكز البلدات وأطراف القرى، وتدمير المنشآت الحيوية والأماكن الأثرية لطمس تاريخ جميع المكونات الموجودة في المنطقة، بالإضافة إلى استهداف المدارس التعليمية والأماكن الدينية كالمزارات والجوامع.
 أكثر من 6000 مُختطف ونصفهم مجهولي المصير
تتحدث التقارير الحقوقية وبعض المؤسسات عن تضاعف أعداد المخطوفين بهدف الفدية والبعض منهم مصيرهم مجهول لليوم، إذ قالت منظمة حقوق الإنسان في عفرين-سوريا، أن أكثر من (6200) مدني تم اختطافه خلال عامين، ومصير أكثر من (3400) مدني منهم مجهول، ناهيك عن تعرض المدنيين الكرد للاختطاف المتكرر بغية طلب الفدية المالية، وهذا ما يصفه أهالي عفرين بالداخل بأنه أصبح “تجارة مربحة” لدى المسلحين وفق بياناً صادر عن المنظمة.
ويقول الكهل العفرين المنحدر من إحدى قرى شيراوا والتي لن نذكر اسمها الصريح خوفاً على حياته: (انتظر منذ الـ27 من آذار 2018، سماع أخبار عن أبني “عصمت” الذي اختطف من القرية مع ثلاثين من أبناء القرية بتهمة التعامل مع الإدارة الذاتية، لليوم انفقت قرابة 2000 دولار أمريكي للحصول على معلومات عنه أو زيارته، لكن لم أتمكن من ذلك ,أدعوا الله أن يعيده لي قريباً)، عمليات الاختفاء القسري كثيرة في عفرين، وبحسب ما تم توثيقه، فإن عدداً كبيراً من أبناء عفرين تم اقتيادهم إلى سجون في بلدة الراعي وإعزاز حيث تشرف المخابرات التركية على إدارتها وبعضاً من المختطفين نقلوا إلى تركيا دون وجود أثر لهم، وغالبية المحاكمات كانت صورية وغير قانونية.
وأما عن حالات القتل فقد استشهد أكثر من (553) مدنياً منهم (498) استشهدوا خلال مقاومة العصر في مرحلته الأولى وجرح (680) منهم (303) أطفال مصابين بجروح و(213) من النساء تعرضن للجروح والإصابات جريحاً نتيجة القصف التركي والفصائل المرتزقة خلال الغزو، و(55) قتلوا تحت التعذيب ووثقت منظمة حقوق الإنسان في عفرين مئات حالات التعذيب في سجون الاحتلال التركي وقدمت أدلة للمنظمات الدولية المرتبطة بالأمم المتحدة حيال ذلك، وأما حوادث الألغام والمفخخات تجاوزت (201) حالة.
 تركيا تستغل مآسي السوريين لتنفيذ مخطط التغيير الديمغرافي
ويرى العديد من أبناء عفرين والمراقبين أن الهدف الرئيسي من هذه الانتهاكات هو دفع البقية المتبقية من أهالي عفرين للهجرة وتسريع وتيرة التغيير الديمغرافي، إذ أثبتت العديد من التقارير الدولية والمحلية أن تركيا عمدت إلى إجراء تغيير ديمغرافي في التركيبة السكانية وأدخلت العرب والتركمان على عفرين وسوقتهم على أنهم سكانها الأصليين، ويقدر العديد من المنظمات ومن بينها منظمة حقوق الإنسان في عفرين نسبة الكُرد المتبقين في عفرين بأقل من 18%، ويُشير بيان المنظمة أن قرابة 400 ألف مستوطن تم توطينهم في عفرين، ولاسيما أن تركيا تستغل مأسي السوريين لتبرير مخططها هذا، إذ ارتفعت نسبة المستوطنين اليوم لقرابة 750 ألف بعد المعارك الأخيرة في ريفي حلب وإدلب والاستيلاء على الآلاف من منازل المدنيين المهجرين قسراً وتحويل العشرات منها الى سجون ومعتقلات ومقرات تابعة لعناصر الفصائل المسلحة التابعة للاحتلال التركي والمتاجرة بها بيعاً وشراءً.
ولم تقتصر انتهاكات الاحتلال التركي على البشر، بل تعدتها للطبيعة التي مثلت روح عفرين، إ         ذ تعرضت أكثر من 225 ألف شجرة زيتون للقطع الجائر، وتم قطع قرابة 300 شجرة معمرة ونادرة كان الأهالي ينظر إليها بعين القدسية، وقطع أكثر من 10 آلاف شجرة سنديان وشجرة حراجية، كما تم حرق أكثر من 11 ألف هكتار من الأراضي الزراعية في عفرين، وافتعال ما يزيد عن 96 واقعة حريق في الغابات والمناطق الحراجية بهدف تصنيع الفحم والإتجار به وتدمير الطبيعة.
قتل النساء من ضمن انتهاكات الاحتلال
وما حالة روكانة إلا جزء يسير لما تعانيه المرأة في عفرين، فالمعتقدات الدينية مغيّبة ولا يسمح إلا لصوت الجوامع، ولا مدارس إلا لمدارس الفقه والمدراس الشرعية التي يشرف عليها تنظيم التركمان في سوريا، ويحرّم التعليم بالكردية ولكن اللغة التركية هي مباركة بفعل الاحتلال، والعلم التركي يكاد أن يكون هو الرسمي على الأرض السورية المحتلة، فعفرين وباقي المناطق المحتلة تحولت لمستعمرة تركية لا حقوق إلا لمرتزقتها، وسطوة السلاح هي الحكم، إذ يمارس الاحتلال التركي العنف بحق النساء في جميع المناطق التي يحتلها، ولاسيما عفرين، حُرمت المرأة من كافة حقوقها التي كانت تتمتع بها في ظل الإدارة الذاتية الديمقراطية، واستخدام العنف المباشر والمتمثل بالقتل والاغتصاب والإتجار بهنْ والاختطاف، وبلغ عدد النساء اللواتي تعرضن للانتهاكات 1200 امرأة، وبلغ عدد القتلى منهن ما يقارب 40 امرأة، والخطف  1000امرأة، والاغتصاب 100 امرأة، والعنف الجنسي 60 امرأة، وفق إحصاءات سابقة أصدرها مؤتمر ستار ومنظمة حقوق الإنسان في عفرين، كما ظهرت حالات انتحار في عفرين وصلت إلى أكثر من 5 حالات، وتقول المنظمة أن هذه الإحصاءات لا تمثل الحقيقة الكاملة بل تقتصر على نسبة 30% فقط من الجرائم المرتكبة بحق النساء في عفرين.
 أمل التحرير يتجدد
واليوم رغم هذه المآسي والنهب والسلب في عفرين وتدمير المواقع الأثرية ونهبها، إلا أن الكرد فيها مازالوا متمسكين بأمل تحرير مدينتهم من إرهاب تركيا، وينظر مئات آلاف العفرينين في مخيمات الشهباء وقراها إلى عفرين ودمعة الفراق ماتزال تلامس مقلهم، لكن النضال لم ينتهِ، وتنظيم الصفوف مستمر هنا في المخيمات بهدف العودة وتحرير تراب عفرين وزيتونها، ربما مضى عامان، ومازالت الكثير من المخططات والمؤامرات تحاك في الخفاء، والكثير من الاتفاقات التي تتم لوأد الكرد ولكن الكرد عموماً، واهالي عفرين بخاصة لم يستكينوا يوماً لمعتدٍ ومحتل، والأمل والتصميم مستمر لتحرير هذا التراب الطاهر.