سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011
Banner Before Header

بين حلبجة وسري كانيه… التاريخ يُعيد نفسه

رفيق إبراهيم – 

أمام هول تلك الجريمة والمجزرة التي تعدت كل بشاعة، يقف القلم صامتاً، واللسان عاجزاً عن الكلام، وتجف الدموع في المآقي، ويُترك في القلب عضة، في مشهدٍ قل مثيله نذالة وإجراماً وخسة، فجرح حلبجة لا زال مستمراً ولا زال أعداء الكرد يرتكبون بحقهم المجازر في صورة واضحة هدفها الإبادة ليس إلا، وكانت آخر تلك المجازر ما حدث في سري كانيه عندما استهدفت الطائرات التركية المدنيين العزل بالفوسفور الأبيض تحت أنظار العالم الذي وقف صامتاً دون حراك.
مجزرة حلبجة التاريخ والواقعة
 في السادس عشر من آذار من العام 1988، أصدر الرئيس العراقي آنذاك صدام حسين أوامره لوزير دفاعه علي حسن المجيد بقصف مدينة حلبجة الكردية التي تبعد عن العاصمة بغداد حوالي 240 كم باتجاه الشمال الشرقي، وعندما تلقى الأوامر أمر هو أيضاً سرباً من الطائرات العراقية الحربية، التي حملت بغاز الخردل والسارين المحرمة دولياً، بالهجوم على مدينة حلبجة، وكان يقطنها حوالي 80 ألف شخص. وتألف سرب الطائرات من ثمانية طائرات حربية، التي ألقت كامل حمولتها على المدينة الشهيدة، فاستشهد على إثرها حوالي خمسة آلاف شهيد، من سكان المدينة، وبقي وضع الدمار فيها حوالي سبعة أيام لحين دخول بعض المؤسسات الدولية والبيشمركة إليها، وفي 23 آذار تم نشر صور المجزرة المروعة على وسائل الإعلام، حيث أصبح الحديث الأول لوسائل الإعلام العالمية، وحينها لم يستطع المجتمع الدولي بإصدار أي قرار لمحاكمة الجناة ومرتكبي المجزرة، وبقيت الأمور في مجال الاستنكار والتنديد فقط.
يد العدالة تقتصُ من الجناة
ولكن لا بد للحق أن ينتصر في النهاية، وأن ينال الذين ارتكبوا المجزرة جزاءهم العادل، ولا بد أن يأتي بعد الليل الطويل النهار وأن تشرق الشمس، وحان الوقت لأن يدفع كل من ارتكب تلك الجريمة البشعة والمجازر الأخرى بحق الكرد، حيث هاجمت القوات الأمريكية العراق في 20 آذار 2003، واستمرت حتى السيطرة على بغداد في الأول من أيار من نفس العام، وفي عملية نوعية سميت بالفجر الأحمر تم القبض من خلالها على الرئيس العراقي صدام حسين الذي أمر بقصف حلبجة حيث وقع في شر أعماله، وتم تسليمه للقضاء لينال جزاءه العادل، وبعد إدانته وتثبيت التهمة في قتل 148 شخص في قضية الدجيل، وأيضاً اتهامه المباشر في ارتكاب مجازر مروعة بحق الكرد بالأنفال، حيث كان يحاكم بتهمة الإبادة الجماعية بحق الكرد، فتمت محاكمته بالإعدام في العام 2006، لينال الجزاء العادل فيما اقترفت يداه.
وفي عام 2010 صدر حكم الإعدام شنقاً على منفذ عملية قصف حلبجة بغاز الخردل والسارين على حسن المجيد الملقب (بعلي الكيمياوي)، الذي كان وزيراً للدفاع آنذاك، وعقب صدور حكم الإعدام صرح بأنه ليس نادماً على ارتكاب المجزرة، وقال: بأنه فعل ذلك لخوفه على أمن العراق، وبذلك كان القصاص العادل الذي أعاد شيئاً من حقوق الشهداء الذين استشهدوا في تلك المجزرة.
تركيا تَستنسِخُ تجارب الآخرين
واستمراراً لنهج الدول المغتصبة لكردستان، تستمر محاولات إبادة الشعب الكردي بشتى الوسائل، من بينها الأسلحة الكيمياوية المحرمة دولياً، ها هي تركيا تستخدم الفوسفور الأبيض أثناء هجومها على شمال وشرق سوريا غير مرة كان آخرها في سري كانيه/ رأس العين، ضد المدنيين العزّل وأصابت حوالي ثلاثين مدنياً استشهد ثمانية منهم حسب شهادات الجرحى الذين أصيبوا في تلك المجزرة، وأكد الأطباء الذين عالجوا المصابين بأن تركيا استخدمت الفوسفور الأبيض، وهذا ما أكدته المستشفيات الفرنسية التي عالجت الطفل محمد حميد البالغ من العمر 13 عاماً، وهذا دليل حي لتوجيه أصابع الاتهام لتركيا وإدانتها. وأرسلت الوثائق جميعها إلى المنظمات الدولية المعنية، ومنظمة حظر الأسلحة الكيمياوية لتشكيل لجنة والتحقيق في الجريمة، ولكن بقيت كل النداءات والمناشدات حبراً على ورق، في تواطئ واضح للمجتمع الدولي والمنظمات المعنية مع دولة الاحتلال التركية، التي تحاول وبشتى الوسائل إبادة الشعب الكردي وتغيير ديمغرافية المناطق الكردية، عبر ادعاءاتها الكاذبة التي تتبجح بها، والكل يعلم بأن هدف تركيا من احتلالها لمناطق من شمال وشرق سوريا، ضرب المشروع الديمقراطي فيها، واستمرار الأزمة في سوريا.
وخلاصة القول: أن المجزرة المروعة التي حدثت في حلبجة الشهيدة، وعلى الرغم من أنها أحدثت جرحاً بليغاً في جسد الكرد وكردستان، لكنها أصبحت رمزاً وهوية لعموم الشعب الكردي، المطالب بالحرية والديمقراطية وحقوقه الثابتة، كما ستكون سري كانيه يوماً رمزاً للتضحية والفداء، وعلى الجميع أن يعلم بأنه لا تنازل عن الحقوق مهما كلف ذلك من تضحيات، وليدرك أعداء الكرد أن من ضحى بمئات الألوف في سبيل الحق المغتصب، سيضحي بأضعافها من الشهداء في سبيل حقوقه المشروعة.