سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011
Banner Before Header

الوطنيّةُ هي عبورُ الضفةِ…

رامان آزاد – 

مثقفٌ كلما يكتب عن الكردِ يُبدي تعاطفه مع الكردِ، ويصفهم بالإخوةِ والأهل ويقول: إنّ لي أصدقاءٌ كثرٌ من الإخوةِ الكردِ وأعتز بصداقتهم، ويقول: عاش الكردُ حالةَ تغييبٍ وإقصاءٍ لعقودٍ طويلةٍ ولهم سهمُهم الوطنيّ في بناء سوريا… إلا أنّ بعضهم ينحو باتجاهِ الانفصال ويتعاملُ مع جهات خارجية.
الواقع أنّ هذا النموذج من المثقفين يقولُ كلاماً طيباً ولكنه سرعان ما ينسفه دفعة واحدةً، ومن المؤكد أنّه يقف على ضفةٍ أخرى ولا رغبةَ له بلقاءِ الكردِ على الضفةِ الثانية، وأشكُّ أنَّ له أصدقاءَ من الكردِ أو أنّه يعرفهم، وربما التقى بالصدفةِ كرديّاً بشكلٍّ عابرٍ وراح يبالغُ بتقييمه أو أنّ الكرديّ لم يكن كرديّاً إلا بمكانِ ولادته أو كنيته.
الانفصالُ ليس تهمةً بل هو حكمُ الفطرةِ، وهو المقصود باختلاف الألوان والألسن في القرآن الكريم، فالكرديّ غير العربيّ أو التركيّ أو الفارسيّ، فهم يختلفون في قضايا كثيرةٍ تفصيليّةٍ، وإن كان الظاهرُ هو التشابهُ العامُ بحكمِ الجوارِ إلا أنَّ الاختلافَ كبيرٌ في الخصوصياتِ.
هل تُحلُّ قضيةُ الكرد ببناءِ دولةٍ قوميّةٍ كرديّةٍ صرفه؟ مؤكد أنّ ذلك مستحيل، فالدولةُ القوميّة ليست الفردوسَ الذي يمنحُ مواطنيه أسبابَ السعادة، ولعل المرء في ظلها يُهانُ أو يُعتقلُ لأسبابٍ تتعلقُ بحريّةِ التعبيرِ والرأي، وهذه حال كلِّ الدولِ القوميّة، وبالتالي هو تدويرٌ لأسبابِ المشكلةِ.
إنّ قيامَ دولة قوميّة في جغرافيا غنية بالقوميات وزاخرة بمعطياتِ التاريخ ينطوي على تجاهلِ حقائقَ كثيرةٍ، فاللونُ الواحدُ هو حالُ النوادي والجمعياتِ والمذاهبِ والفرقِ والأحزابِ السياسيّةِ التي تقدّسُ شخصيةً أو فكرةً محددة ويعكف الكلّ على تمجيدها وإسباغِ الكمالاتِ عليها، ستكونُ الدولةُ معبداً من يدخله يتوجبُ عليه السجودُ.
ولننظر إلى التجربةِ العربيّةِ والتركيّةِ والفارسيّةِ، هي دولٌ تعيشُ على ذمةِ ماضيها بكلِّ تفاصيله، فلا زال العربيُّ يحفظُ شعرَ الصعاليكِ ويتلذذُ بخمرياتِ أبي نواس ويعتزُ بالنقيضين العباسيّ والأمويّ، ويُسمّي المدارس والمرافق بأسماءِ أخوةٍ اقتتلوا من أجل الملك، وهذا حال إيران وتركيا.
الوطن هو جغرافيا الحياة، والبشر كلهم متساوون بهذا الحقّ، ويمكن للعربيّ والكرديّ والتركمانيّ والأرمنيّ والسريانيّ أن يقول أنّ سوريا وطني، الدولةُ القوميّة تقومُ على أساسِ الملكيّةِ القوميّةِ للأرضِ، ورغم أنّ الدولةَ شخصيةٌ اعتباريّةٌ فإنّ كثيراً من المواطنين يقضون حياتهم على ذمة حلمٍ بمسكنٍ. ومن المهمِ تحريرُ الوطنِ من فكرةِ المزرعةِ وعقلِ القبيلةِ، ليكونَ الإطارَ المكانيّ للحياةِ، والوطن ليس أحاديَّ اللونِ كالجمعياتِ والمذاهب والأحزاب، بل مجموعُ كلّ الاختلافاتِ، وهذا سر غنى الوطن في ثقافته وفلكلوره ومصادر تاريخه، وطبيعة الدولة القوميّة مناقضةٌ للديمقراطيّة، فهي تقوم على الامتلاء القوميّ وإنكار الآخر.
لا ولاءَ لأحدٍ في الوطنِ، فالولاءُ مفهومٌ ميتافيزيقيّ غيبيّ، وهذا شأنُ الأديانِ، ولهذا تتمُّ الوصايةُ على الدينِ وعلى الإله باسم الإله نفسه، لتكونَ القوميةُ الحاكمةُ شعبَ اللهِ المختارِ، والآخرون مواطنون متعددو الدرجات.
الوطنُ انتماءٌ وهويةٌ، وهو ما يتطلبُ الإخلاصَ والصدقَ في القولِ والعملِ، ومحبة شركاءِ الوطنِ…
الناس بفطرتهم انفصاليون، ولكنهم في إطار الدولةِ الوطنيّة يجتمعون، وهذا ما يتطلب التعدديّة والإقرار للآخر بكاملِ حقوقِ المواطنة، والتوقف عن منح ومنع شهادات الوطنيّة وفقاً لمعايير أحاديّة. ونسأل الصديق المثقف ما هي مبادراتك الوطنيّة لمنع الانفصال؟ واليوم نرى من يريد الانفصال لأسباب مذهبيّة رغم أنّك تشاركه الدم والنسب واللغة والتاريخ!!!
لن أطالبك بالحرية والحقوق لأنّك لا تمنحها فهي استحقاقٌ فطريّ ولكنك تصادرها، فأنت لا تسمحُ لي أن أكونَ نفسي، وكلُّ ما هو مطلوبٌ أن تُنصفَ نفسك وتعبرَ إلى الضفةِ الأخرى وتتوقفَ عن رسائلِ التنظيرِ، وكلنا يعلمُ أنّ التفريقَ صنيعُ العدوِ وقولك بعضُ الكردِ أصدقاء والآخر انفصاليّ، هو تقسيمٌ واجتزاءٌ للقضيةِ، لا تُحاكم الكردَ بعقلك القوميّ بل بضميرك الإنسانيّ، ووعيك الوطنيّ، لنبنيَ دولة المواطنةِ معاً وليس الغلبة… وكان تكاتفُ المكوناتِ السوريّةِ كلها سرَّ النصرِ ودحرِ الإرهابِ الأسودِ.