سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011
Banner Before Header

المعارضة والسير المتأرجح نحو البرلمان

رياض درار – 


دعيتُ إلى آستانا من ضمن مجموعة من السوريين في آذار 2016، ففاجأني أن محور الدعوة هو رشوة للمشاركة في انتخابات مجلس الشعب؛ تقودها رندة قسيس باسم المعارضة، ويروّج لها شخصان يقيمان في روسيا يؤكدان أن الرئيس بوتين وراء هذه الدعوة ويدعمها. وكان عبد الجليل السعيد ينشط وراء رندة ويسوق لها كشيخ منشق. وببراءة كنت أعارض الدعوة خلال الجلسات، وأتحدث عن مسؤولية تاريخية، وأحاول جاهداً تفنيدها بأن النظام غير مؤهل لقبول أية مشاركة معه، في غياب تغيير دستوري يضمن النتائج لأية انتخابات، ويضمن الحريات في أية مشاركة، ويحمي الرأي المعارض من أي تهديد أمني، وفوق ذلك، من نحن وماذا نمثل كقوى منظمة لنستطيع تطوير آليات العمل والاستمرار حتى لو كان سلمياً، وعلى أية أرضية نقف ونحن لا نمون على قاعدة ولو صغيرة من الجماهير، والنظام يرانا مجرد معارضين لا يستطيعون إدارة مدرسة.
كنت وعارف دليلة نقف في مواجهة الركب، واستطعنا أن نكسب معنا بعض أصوات لم توقّع على بيان خرج يدعو للمشاركة في انتخابات 2014، ومع ادعاء دعم بوتين نعرف أين سار مسعى التهريج في مجلس الشعب. وها نحن اليوم نرى ركباً آخر ومجموعة من الفعاليات والقوى والشخصيات التي ترى بنفسها أنها من صف قوى “المعارضة الوطنية الداخلية الجادة” تدعو إلى أن تبلور نفسها في صف واحد، ويكون لها برنامج واحد ومسمى واحد. وتقترح أن يجري “حوار ديمقراطي وتشاركي” على تحديد برنامج وصياغته للمشاركة الجادة في سباق جديد وبدون دعم بوتين هذه المرة.
دائماً كنت أستشهد بكتاب لينين الرائع حول “مرض اليسارية الطفولي” والذي مرَّ عليه منذ إصداره مائة عام، دون أن يفقد وهجه وتوجيهه حين الإقدام أو الإحجام في مثل هذه الدعوات. فلينين العظيم؛ استطاع رصد هذه الدعوات حين ترفض وحين تشارك في نشاط برلماني معارض. إذ؛ يجب أن تستكمل الرؤية، وتمتلك القاعدة والنظرية، وتكون لديها القدرة على الحشد والتأييد، ومواجهة مآلات  القمع من النظام وتأثيره على الاستمرار، والخروج بأقل الخسائر والمعاودة بالأساليب العلنية والسرية، وتعلم الكر والفر السياسيين وبكل الأوقات، حيث أنه يستحيل الانتصار بدون التضلع بالهجوم الصحيح والتراجع الصحيح.
لم يرفض لينين المناورات والمساومات حيث: “تاريخ البلشفية كله، قبل ثورة أكتوبر وبعدها، طافح بوقائع المناورات والتوفيق والمساومات مع الأحزاب الأخرى بما فيها الأحزاب البرجوازية!”. ولم يخلَ من مشاركة حتى في البرلمانات الرجعية ذلك “إن نظريتنا ليست عقيدة جامدة، بل مرشد للعمل”؛ هكذا قال ماركس وإنجلس إن أفدح غلطة وأبشع جريمة ارتكبها الماركسيون “من الماركة المسجلة”. وكان تشيرنيتشيفسكي الاشتراكي الروسي العظيم قبل عهد ماركس يقول: “النشاط السياسي ليس كرصيف جادة نيفسكي” (الرصيف النظيف العريض المُعبّد الممتد باستقامة طوال الشارع الرئيسي في بطرسبورغ). فالمساومات ضرورية أحياناً. ولكن؛ فرق بين مساومة ومساومة، وقد تبدأ الخيانة من تبرير “بصورة مباشرة أو غير مباشرة” شعار “الدفاع عن الوطن” و”حماية الوطن من الانقسامات”، والسير على رصيف الصالحية للولوج إلى البرلمان الذي لا تنطبق عليه تجارب البلشفية الأولى، حيث اعتمد نجاح البلاشفة على نظام طاعة صارم وحديدي، وتأييد ووفاء الطبقة العاملة بمجملها، وديكتاتورية البروليتاريا التي خاضت حرباً ضروساً ضد خصومها وأولها النظام الفاشي، حرب استماتة، تقتضي رباطة الجأش والانضباط والصلابة والثبات ووحدة الإرادة المعتمدة على وعي الطليعة، ووفائها للثورة أو لمنهج التغيير على أقل تقدير، وكان باستطاعتها الترابط والتقارب، والاندماج لحد ما مع أوسع جماهير الكادحين، من البروليتاريا وغيرها؛ فهل تمتلك معارضتنا المتأرجحة تلك الإمكانات لتشارك وتسير في شارع الصالحية نحو البرلمان؟!.