سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011
Banner Before Header

أردوغان بعد موت مشروع القرن الإسرائيلي التركي (فيها… لأخفيها)

محمد طعيمة – 

أنقرة أدركت حقيقة وضعها الغازي مبكراً، فخططت لتكون محوراً لخطوط نقله بين منتجيه ومستهلكيه، ليصل إليها “محملاً على آخرين” ولتستفيد من رسوم مروره.
مشروع القرن في خبر كان
كان الرئيس التركي أردوغان يوما يتباهى بما سماه “مشروع القرن” الإسرائيلي التركي، وكان يمني النفس بصنابير الغاز الطبيعي المتجه لأوروبا وعلى حين غرة تبخر كل شيء وكأن شيئاً لم يكن، لذلك، بديهي أن يصرخ فيها لأخفيها، وهو فيها لأخفيها”، وهذه عبارة يستخدمها المصريون بالعامية لتصرفات من يدس أنفه في ما ليس له يد فيه، في ذاكرة طفولة كل منا ولد يلفظه الجميع ويرفضون لعبه معهم، سواء لأنه لم يشارك في تجهيز مكونات اللعبة أو لسمعته كمفسد لها أو لسوء سلوكه عامة، فيتمدد بجسده وسط ساحة اللعبة ليمنع الآخرين من اللعب، وهو يصرخ “فيها لأخفيها”، هذا هو ما يقوم به، حرفياً، الرئيس التركي أردوغان.
مقاربة ساخرة ودالة معاً، تؤكدها تصريحات مستفزة للعثماني الجديد، كررها مرات بقوله “لن نسمح باستبعادنا من ثروات شرق المتوسط”، وفي 16 كانون الثاني الماضي تباهى بتعمد تعطيل اللعب، قائلاً إنه “لا يمكن للاعبين الآخرين التنقيب في مناطق الاتفاق البحري بين أنقرة وطرابلس”، وهي تمتد، وفق افتعاله لما سماه “الوطن الأزرق”، من شواطئ الأناضول حتى ساحل ليبيا، متحدياً ثوابت قانون البحار وفواصل جغرافية طبيعية بينهما.
أعضاء الحكومة يشاطرون أردوغان الأحلام
على دربه سار فريقه وأعضاء حكومته، فنائبه فؤاد أقطاي يُطمئن محرري الأناضول، بقوله “أفشلنا مؤامرة حبسنا في مياهنا الإقليمية عبر الاتفاق مع ليبيا” وأيّ خطة تتجاهلنا لن تنجح، في المقابل، نبه سنان أولجن، الدبلوماسي التركي السابق الذي يرأس مركز دراسات الاقتصاد والسياسة الخارجية في إسطنبول، في تصريحات لوكالة رويترز أن لعبة أنقرة ليست مساعدة طرابلس على الفوز فهذا غير واقعي، بل خلق جمود ثم مفاوضات تحمي ترسيم الحدود البحرية.
يقاس الغاز بالقدم المكعبة، وهي تعادل 28.26 متر مكعب، وتركيا من أفقر الدول في إنتاج الطاقة، واحتياطيها المؤكد براً وفي بحر أيجه والبحر الأسود والبحر المتوسط وقف عند 177 مليار قدم مكعب، و312 مليون برميل بترول، وفق تقدير إدارة معلومات الطاقة الأميركية 2017. مع توقع زيادة كبيرة في استهلاكها من الغاز تصل 81 مليار متر مكعب عام 2030، وبلغ احتياطيها من الغاز الصخري المؤكد، 13 تريليون قدم مكعب، ولا يصلح للاستخراج منه سوى العشر وتستورد تركيا الآن 99 في المئة من احتياجاتها الغازية و94 في المئة من النفطية.
أنقرة تنقب في شرق المتوسط منذ 1966 دون جدوى، ومؤشرات ما وصفته رويترز، في السابع من تشرين الثاني 2019، بأحد أهم أحواض غاز العالم، وقدرته هيئة المسح الجيولوجي الأميركية “مبدئياً” عام 2010، 122 تريليون قدم مكعب، تغطي كامل احتياجات أوروبا لثلاثين عاماً، تتوزع بين ست من دوله السبع، لمصر60 في المئة، ولحوض المشرق الذي يضم لبنان وسوريا وقبرص 32 في المئة، ولفلسطين المحتلة البقية، وغابت مياه تركيا عنه. أدركت أنقرة حقيقة وضعها الغازي مبكراً، فخططت لتكون محوراً لخطوط نقله بين منتجيه ومستهلكيه، ليصل إليها محملاً على آخرين، ولتستفيد من رسوم مروره، وتمسك بورق تلاعب به منتجيه، وأيضا القارة العجوز، سواء عامة أو في ملف الانضمام لاتحادها.
أفول الدور التركي وبروز المصري
لكن، لم يتحقق من ذلك سوى الخط الآتي من روسيا، وهو الأكبر احتياطاً، وأصبح في علم الغيب خطان، الأول من إيران، الثانية احتياطاً، عبر العراق وسوريا ثم تركيا فأوروبا، والثاني من قطر، الثالثة احتياطاً، عبر السعودية للأردن وسوريا ثم تركيا فأوروبا. درة خطوطها يمتد من إيلات على البحر الأحمر عبر فلسطين المحتلة لشاطئها المتوسطي، ومنه لأعماق المياه الدولية إلى تركيا فأوروبا. كانت إسرائيل الأسرع في التنقيب شرق المتوسط، فهي علمت مبكرا بنتائج المسح الأميركي، وأول حقولها “غزة مارين” اكتشفته عام 2000، وملكت، مؤقتا، أكبر الاكتشافات بشرق المتوسط، إذ يتجاوز احتياطي ثلاثة من حقولها الخمسة المكتشفة 30 تريليون قدم مكعب، لكن لا قيمة لغاز لا يصل لمستهلكه، فأتت مساعي أنقرة لنقله إلى أوروبا.
مصر الأقدم في إنتاج وتصدير غاز المتوسط، وأول حقل اكتشفته كان عام 1969، ومثّل كشف حقل ظهر في كانون الثاني 2015، كأكبر حقول غاز كامل البحر المتوسط انقلابا غيّر معادلات سوق حوض المتوسط، حسب تقرير لنيويورك تايمز، 13 آذار 2019.
قبلها بسنوات خططّت دولتها العميقة للتمركز كمحطة إقليمية للطاقة، وحدها في الحوض التي تمتلك بنية تحتية هي حجر زاوية تجارة الغاز، تتقدمها ثلاث وحدات إسالة أنشأتها بين عامي 2000 و2003، تكلفت وقتها 2.3 مليار دولار، والآن تتجاوز 16 ملياراً، ووحدتي تخزين وإعادة توضيب عائمة و29 محطة معالجة، ومستودعات ضخمة، وقطارات نقل مجهزة، وأرصفة شحن واستقبال مؤهلة على البحرين الأحمر والمتوسط، وخطوط أنابيب تربطها بحقولها الوطنية وبشبكة إنتاج الغاز الإسرائيلية، واتفاق مع قبرص على خط بحري يكتمل 2022.
معطيات منطقية، وفق تقارير متتابعة لوكالة بلومبرغ الاقتصادية، تزكي القاهرة للعب دور مركزي في تجارة الغاز، وهي معطيات لا تملكها أنقرة، لكنها كانت تعتمد، حينها، سياسة صفر مشاكل، التي صاغها أحمد داود أوغلو، حليف أردوغان وقتها وعدوه الآن، وتدعي أن مرور الغاز عبر الأنابيب لا يحتاج إسالة.
علاقات إسرائيل وتركيا وطيدة ومستمرة
نستعيد تصريحات نقلتها رويترز عن وزير الطاقة التركي الأسبق، حلمي جولر، في 15 كانون الأول 2006، كشف فيها عما سماه حرفياً “مشروع القرن”، موضحاً أنه “خط أنابيب يربط البحر الأسود والبحر الأحمر”، في خطوة قال إنها “تعزز أمن طاقة إسرائيل ودور تركيا كمركز لها” وتنهي مخاوف تل أبيب الدائمة من صعوبة تصدير غازها البحري”، وتوقع أن تكون له نتائج سياسية إقليمية هامة. ونقلت رويترز أيضا احتفاء الإعلام التركي بمشروع القرن، وذكرت صحيفة “راديكالي” أن الخط سيمتد إلى مدينة عسقلان حيث يلتقي بخط أنابيب موجود يصل لإيلات، وأنه يسمح بالتصدير إلى الأسواق الآسيوية عبر البحر الأسود، إلى أوروبا، كما نقلت رويترز عن دبلوماسي إسرائيلي أن الخط قد يُمد للأردن والأراضي الفلسطينية.
عقب توقيع اتفاق خط “إيست ميد” بين قبرص واليونان وإسرائيل، أعادت تركيا التلويح بالتمدد وسط الملعب بالوطن الأزرق لتعطيل مد الخط لأوروبا، التي تتشوق لتخفيف اعتمادها على الغاز الروسي، ما يحرم أنقرة من رسوم مروره، بالتوازي جددت محاولات إحياء “مشروع القرن” وفق هيئة البث الإسرائيلي في الثاني من كانون الثاني 2020، التي كشفت أن مسؤولاً تركيّا رفيعا نقل رسالة لتل أبيب بإن بلاده تنتظر تشكيل حكومة مستقرة في إسرائيل وتعيين وزير طاقة جديد لإعادة بحث المشروع بين الطرفين.
وهاجمت أنقرة منتدى غاز شرق المتوسط الذي انعقد في القاهرة، في كانون الثاني 2020، واعتبرته تكتلاً معادياً لها، واستشهدت بعدم دعوتها هي وما تسميها جمهورية شمال قبرص لعضويته المنتدى، وفق نظامه، يقبل عضوية منتجي ومستهلكي غاز شرق المتوسط، وتركيا لا تنتجه، وكيانها القبرصي المزعوم لا اعترافاً دولياً به، تماما كما وطن أردوغان الأزرق الخيالي، وليس أمامها سوى أن تستورد غاز شرق المتوسط، غالباً من مصر، حينها تتأهل لعضوية المنتدى، وإلا ظلت في خانة “الولد المعطل” الذي يلجأ لبلطجة التمدد بجسده وسط الملعب، صارخاً: (فيها… لأخفيها).