سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011
Banner Before Header

الابتزاز باللاجئين

 رياض درار


ليست المرة الأولى التي تستخدم تركيا ورقة اللاجئين لتهديد وابتزاز أوروبا سياسيّاً واقتصاديّاً، بعد أن فتحت حدودها لهم للعبور إلى الدول الأوروبية، والادعاء أنها ليست بوضع يمكنها فيه ضبط هؤلاء اللاجئين، ليس صحيحاً، فحركة انتقال الباصات المحملة إلى الحدود محضرة مسبقاً ومرئية أمام الكاميرات المسربة، حيث تم تجميع أعداد هائلة قبل أن تسمع الصحافة، وقبل أن يتم إعلان فتح الحدود؛ وجاء ذلك مباشرة بعد خبر مقتل الجنود الأتراك؛ ما يعتبر محاولة للضغط على أوروبا لمساندتها والاصطفاف معها بمواجهتها مع موسكو.
والمسألة لا تتعلق باللاجئين السوريين، فعدد الأفغان والأفارقة والآخرين من أنحاء العالم أكبر بكثير من السوريين في الدفعات الأولى؛ ما يؤدي إلى إمكانية تسلل عدد كبير من الإرهابيين والمخربين بين هؤلاء.
الابتزاز صار عادة لدى الحاكم التركي، فهو تصرف بشيم الشوارعي المنتقم، وقاطع الطريق الذي يتمتع بعذابات طرائده، وبذلك دمر قيم الدولة التي حاول من سبقه تأطيرها لتناسب مجتمعاً متحضراً يمكن أن يكون شريكاً في الاتحاد الأوربي، والاقتراب من حقوق الإنسان التي تجعل الطريق نحوه سالكاً.
المتاجرة بقضايا اللاجئين مستمرة مع أول مخيم بني لاستقبال اللاجئين، وقبل أن يكون هناك لاجئ واحد، والابتزاز موجود مع تسلم الإخوان باب الإغاثة في المجلس الوطني واستخدامه في شراء الذمم، والتلاعب بعذابات المهجرين.
تركيا من أكثر الدول استفادة من أزمة اللاجئين، حيث الدعم المستمر لهم رغم افتعال الأزمات مع أوروبا، كما حصل خلال العام 2016 فقد قدم المجتمع الدولي مليارات الدولارات؛ بغاية إنشاء فرص عمل اقتصادية، وألزم المجتمع الدولي نفسه بإنشاء مئات آلاف الوظائف للاجئين وللمجتمعات المضيفة، وقدّم خططاً تقوم على العنصرين الإنساني والإنمائي، بما في ذلك سبل كسب الرزق، وتعزيز التماسك الاجتماعي بين أفراد المجتمع المضيف. وكان للأثر الاقتصادي لللاجئين السوريين والمساعدات الإنسانية مكانة كبيرة في المجتمع التركي. ومع نزوح المدنيين السوريين نزحت رؤوس الأموال واليد العاملة السورية؛ مما فتح شهية الحكومة التركية وجعل فكرة استقبالهم مطروحة بلا تردد، حيث استقر أكثر من 95% من اللاجئين خارج المخيمات، وأصبحوا بذلك زبائن مهمين، يشترون السلع والخدمات المحلية التي يدفعون أجورها من مدخراتهم، ودخلهم من العمل، والحوالات التي تصلهم من الخارج، إضافة إلى المساعدات الإنسانية. وارتفعت أسعار العقارات والأجور عدة أضعاف استفاد منها المجتمع المحلي، وكذلك حققت المشروعات التجارية المحلية منافع من برامج المساعدات الإنسانية، بتعاقدها كجهات موردة للمنظمات غير الحكومية والهيئات الإنسانية. وإضافةً إلى ذلك كان لوصول رأس المال الخاص للاجئين السوريين وخبراتهم أثرٌ في تسريع نمو الأعمال في تركيا. وقد أصبحت المشروعات السورية محركاً هاماً لإنشاء الوظائف، وكذلك استفاد الاقتصاد من الآثار التبعية للاستثمارات التي أنشئت من أجل اللاجئين، مثال ذلك أنَّ بناء مخيم للاجئين ينشئ مصدراً للدخل ليس لقطاع شركة الإنشاء وحدها، بل للموردين الذين يقدمون المواد الإنشائية والعمالة ثم يصرف هذا الدخل على البضائع والخدمات التي تنشئ بدورها أثاراً اقتصادية إضافية. وتعكس المضاعفات المالية كل هذه الآثار التبعية؛ وبذلك تحقق بسبب اللاجئين منافذ للدخل كثيرة عدا عن تهريب المعامل والمصانع والخبرات ورؤوس الأموال إلى تركيا.
مشكلة الحاكم التركي أنه يكذب علناً حين يدعي أن مئات الآلاف من إدلب وحدها بدأوا بالتحرك تجاه الأراضي التركية، في وقت تقتل الجندرمة التركية كل من يتجاوز الحدود. ويهدد مرة أخرى بتكرار أزمة اللاجئين عام 2016 وتحميل أوروبا نتائج ذلك. وهي عملية ابتزاز رخيصة هدفها طلب الدعم الأوروبي للموافقة على بقائه في إدلب وإدارتها لمنع الهجرة منها. وحيث أن استمرار حالة التوتر في إدلب وخلق المزيد من اللاجئين، تصب في مصلحة تركيا، فالتهديد باللاجئين يخدم قضايا الصراع التركي مع اليونان وقبرص خاصة، ويؤثر في الضغط حول عمليات التنقيب عن الغاز في البحر المتوسط، والاتفاقية الأمنية – البحرية، الموقعة مع حكومة الوفاق الليبية، وبالنتيجة يستخدم هذه الورقة للضغط بالموقف الإنساني ضد تقدم روسيا والجيش السوري الذي يسبب أزمة اللاجئين. إن الحاكم التركي يستخدم لغة الابتزاز عبر أحجار مختلفة ولا بد أن تقع إحداها على رأسه وقد بات ذلك قريباً.