سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011
Banner Before Header

العَزف بين أقدام الفِيلة

رياض درار

أصبحت مناطق شمال وشرق سوريا أكثر تعقيداً وازدحاماً بقوات عسكرية من أيّ وقت سابق، بوجود قوات روسيّة وأمريكية، إضافة إلى القوّات التّركية التي دخلت إلى رأس العين وتل أبيض، يرافقها مُرتزقة سوريين، وقد توافقت مع القوات الرّوسيّة على دوريات مُشتركة على طول الحدود الباقية بعمق عشرة كيلو متر. مع وجود إيران على ضفة الفرات الجنوبية، وتأثيراتها على حلفاء لها من قوات الباقر؛ يعملون في القرى الخمس التي تقع تحت سيطرة القوات الرّوسية شمال النّهر، الضّفة المُقابلة لمدينة دير الزّور. هذا الازدحام يجعل الاحتكاك مُستمراً بين هذه القوات، حيث يتقاطع نشاط العسكريين؛ ويؤدي إلى تزايد حالات كادت تَسفِر عن وقوع مواجهات بينهم؛ أهمها بين القوات الرّوسية والأمريكيّة. وقد تم احتواؤها إلى حين. لكنها؛ كما تبدو عمليات جس نبض، قد تؤدي إلى اتفاقات جديدة على تحديد المناطق لاحقاً؛ لأن الطّرفين يعرفان مواقع التّمركز الأساسية فيبقى معرفة حدود كل منهما. هذا الازدحام بقدر خطورته يمثل ورقة بيد قوات سوريا الدّيمقراطية، التي يمكنها التّحرك في المناطق كافة، بل تسعى للفصل بين القوات، وتشارك في إدارة العمليات التي تمنع السّيطرة المُنفردة على مناطق بعينها، وتحمي الأفراد المدنيين من أيّة تعدّيات تقوم بها مجموعات محسوبة على النّظام، أو تابعة لإيران، أو عاملة بخدمة القوات التُّركية. بين أقدام هذه الفيلة الرّاقصة؛ على قسد أن تجد لها مكانا ومساحة، تعزف فيها موسيقاها التي تحدِّد إيقاع الحركات؛ فلا تهرسها حركة عشوائية.
الجّنود الأمريكيين يتساءلون عن مستقبلهم وعن أهدافهم القادمة، كما تسأل قوات سوريا الدّيمقراطية عن تقديم ضمانات حول الدعم إلى حين التّسوية السّياسية. وفي المدى المنظور؛ يمكن الاعتماد على سياسة البنتاغون التي تعمل على متابعة قتال داعش الذي يجدّد نشاطه ولم يتوقف عن تهديد المَنطقة،  للخشية على المُحتجزين بالآلاف أن يأتي وقت لا تستطيع قسد تأمين الحماية الكافية لهم. وعلى النفط ورقة تستخدمها أمريكا وتحافظ عليها بيدها لن تتخلى عنها بسهولة لأعدائها. وعلى استمرار مواجهة إيران في المنطقة ووقف نشاطها إلى حين احتوائها وهو جهد يحتاج وقتاً طويلاً.
القوات الرّوسية؛ سنحت لها الفرصة بالدخول بسهولة إلى المنطقة، مع قوات الجّيش السّوري، وهي تريد الضّغط على قسد وممثلي الإدارة الذّاتية؛ لتحقيق تفاهم مع النّظام يحقق لها الهيمنة على المنطقة وإخراج القوات الأمريكية.
أمريكا وروسيا كلاهما يقدّم تنازلاً لتركيا على حساب الأرض السّورية؛ بغاية كسبها إلى جانب إحداهما. وتركيا تتمدد وتناور لتحقيق هدفها بمنع قيام مشروع مستقر وناجح يشارك فيه العرب والكُرد وبقية الشّعوب على حدودها.
في زحمة هذه القوات وتنافس المشاريع في منطقة واحدة؛ يجب الإعداد الجيّد لسيناريو لا ينتظر تحولات موازين القوى لصالح فريق دون غيره؛ لأنّه إن لم تشارك قسد حينذاك في إدارة النزاع وصناعة الحدث؛ فإنّها ستكون الخاسر الأكبر. وعليه؛ يجب التّوجه بورقة للحلِّ وهو سيناريو الحل الممكن، والذي يقوم على تنسيق الدّورين الرّوسي والأمريكي بفاعلية مشتركة، والانتقال إلى حل سياسي محدد يتضمن مصالح الدول المتدخلة في الشأن السوري من غير مسّ للسّيادة، ووضع هذه المصالح على سلم التّفاهمات.
إنّ إدارة الحل تحتاج لمؤسسة معارضة جديدة، وخطاب جديد، ورؤية واضحة لرسم ملامح سوريا والمنطقة. وهذا يتطلب جهوداً خلاقة والتزامات مبتكرة ونشاط لا يتوقف. وقد يتطلب تغيير العلامات على السّلم الموسيقي، أو تَعلُّم العزف من جديد.