سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011
Banner Before Header

العارُ العثماني … وفشل السياسة التركيّة الإقليميّة

وكالة هاوار

ارتكبت العثمانيّة مجازر مروّعة بحقّ اللّيبيّين والّتي لا تزال عالقة في أذهان شعبها إلى اليوم، وحاول أردوغان إعادة أمجاد أسلافه الدّمويّة عبر جماعات متشدّدة منذ اندلاع الثّورة في ليبيا عام2011، ففشل مراراً كما في سوريّا، ليتدخّل أخيراً بنفسه خوفاً من سقوط آخر قلاع حكم الإسلام السّياسيّ خاصّته والّتي بدورها ستغلق أبواب دخوله إلى إفريقيا والمتوسّط.
القارئ للسّياسة التّركيّة منذ 2002، أي عندما وصل أردوغان وحزبه الى سدّة الحكم في تركيا، سوف يعرف اليوم أنّ الارتزاق والتّدخّل التّركيّ في كلّ من مصر والسّودان وتونس وسوريا والعراق واليوم في ليبيا، ليس وليد اللّحظة بل هو تكرار لما قام به العثمانيّون في التّاريخ الغابر من تدخّلات ومجازر بحقّ شعوب المنطقة بهدف الاحتلال والتّوسّع.
فعندما يتحرّك حزب العدالة والتّنمية، المسيطر على سدّة الحكم في تركيا، في المنطقة، فهو يسير وفق خارطة رسمها لنفسه وفق العثمانيّة الّتي احتلّت بلدان الشّرق الأوسط لقرون، وعاثت بها فوضى ودمار وقتل ومجازر لتشكيل إمبراطوريّة الدّم.
 مجزرة “الجوازي” أبشع جريمة تركيّة
في شهر أيلول سنة 1816 ارتكب العثمانيّون مجزرة بحقّ قبيلة الجوازيّ اللّيبيّة، بسبب رفض الأخيرة الانصياع لأوامرهم، ودفع الجزية والضّرائب والتّحكّم بحياتهم، وفي نهاية شهر رمضان دعا الوالي العثماني 45 من وجهاء وشيوخ قبيلة الجوازي المشهورة في ليبيا، إلى القلعة التّركيّة في مدينة بنغازي، بحجّة العفو والمسايرة لكلّ من عارضه من قبل، ليحجزهم في القصر ويذبحهم جميعاً، لينهال بعدها بالذّبح والقتل على نساء وأطفال وشيوخ القبيلة بدم بارد، ليتجاوز عدد قتلاهم إلى 10 آلاف، أُلقيت جثثهم في مياه البحر، وهُجّر باقي أفراد القبيلة إلى مصر، كما نُهبت كلّ ممتلكات القبيلة على يد العثمانيّين.
والجدير ذكره فإنّ أبناء قبيلة الجوازي الّذين تمكّنوا من الوصول إلى مصر في تلك الفترة، يقومون في كلّ سنة بإقامة مراسيم استذكار للمجزرة المروّعة، ورفعوا دعوى للعدالة الدّوليّة لمقاضاة تركيّا.
مذبحة تاجوراء…قتل وخطف للأطفال والنساء
 كانت المذبحة الّتي ارتكبها العثمانيّون في هذه المدينة التّجاريّة بهدف النّهب وسرقة بضائع وأموال الأهالي، وتدمير المدينة حتّى ينتهي دورها كمدينة تجاريّة كبيرة في ليبيا.
وارتكبت الجريمة سنة 1835م على يد الوالي العثمانيّ رائف باشا والي طرابلس، الّذي قاد حملة عسكريّة على إقليم تاجوراء، بسبب امتناع الأهالي هناك عن دفع الضّريبة، وتوريد محاصيلهم إلى أسوق العثمانيّين في طرابلس، واكتفوا ذاتيّاً لتطوير التّجارة في مدينتهم تلك.
وبعد مقاومة كبيرة من قبل الأهالي حفاظاً على كرامتهم، فقد أكثر من 500 شخص حياته، وخطفت 100 فتاة وعشرات الأطفال من قبل جنود العثمانيّ، كما سُرقت البضائع وممتلكات الأهالي.
المتاجرة بالشّعب والأرض للقوى الخارجية
وبحسب الوثائق والأدلّة اللّيبيّة فإنّ مدينة طرابلس آنذاك قد أفلست، ونُهبت كلّها على يد العثمانيّين، قبل سقوطهم بفترة، فقد تاجروا بالبلاد للبنوك الإيطاليّة كتمهيد لاستعمار ليبيا، بعد ضمان العثماني شراكته، وإدراكه لضعفه تجاه تلك القوى وحتمية سقوطه الوشيك في المنطقة.
وقام العثمانيّون بالاتفاق مع روما عام 1873، لتحويل ليبيا إلى ميدان لاستثمار رؤوس الأموال وسوقاً لبيع البضائع والصّناعات الإيطاليّة، لتكون بداية التّغلغل عبر سياسة اقتصاديّة، وأسّسوا بنك دي روما 1880، لتستثمر بسياسة اقتصاديّة مُحكمة على الشّعب اللّيبيّ، عبر أصحاب المال والسّلطة العثمانيّين، وخاصّة بعد أخذ الامتيازات من إسطنبول لفتح فروع أكثر داخل ليبيا عام 1905م.
من ثمّ ربطت روما مصالح الدّولة العثمانيّة بالبنك اقتصاديّاً، لتقديم قروض ومنح ماليّة إلى خزانة السّلطان في إسطنبول، والبدء بنهب الأراضي اللّيبيّة من مواطنيها عبر القروض بالفائدة المرتفعة، وتحريض ولاة الأتراك الأهالي على بيع أراضيهم، وتمّ رهن أو حجز أراضي من لم يدفع ديونه.
وكانت معظم هذه السّياسات والنّهب تديرها أعضاء جمعيّة الاتّحاد والتّرقّي التّركيّة، والّتي قوّت من دبلوماسيتها مع روما وبرلين وغيرها من الدول الأوروبّية، على حساب شعوب الشّرق الأوسط، وتلى الغزو الاقتصاديّ والتّجاريّ والصّناعيّ والسّياسيّ، الغزو العسكريّ في 1911، بعد أن نشرت العثمانيّة في البلاد الهلاك والفوضى والفقر والتّشتّت والمتاجرة به، ليلوذ الأخير بالفرار بضمانات اقتصاديّة وسياسيّة إقليميّة، ويبقى اللّيبيّون بين أنياب الاستعمار الجديد عليهم.
ولم تتوانَ الحكومات التّركيّة من التّدخلات في المنطقة سواء عسكريّاً عبر مجازر مروّعة لتثبيت حكمها، أو عبر صفقات على حساب دماء الشّعوب، لكسب مصلحة لنفسها، واستمرّ العثمانيّون عبر جمعيّة الاتّحاد والتّرقّي بسياسات الصّهر والإبادة والاحتلال في دول الجوار والدّاخّل، ومن ثمّ انبثقت منها أحزاب متعاقبة تحمل في كفّيها الشّوفينيّة والإسلام السّياسيّ لتتحكّم بالشّعوب وأراضيهم، لتصل تلك الشوفينية إلى ذروتها مع وصول حكومة العدالة والتّنمية التّركيّة إلى الحكم التي تضع نصب عينها إحياء الحلم العثمانيّ.
 إحياء العثمانيّة من جديد عبر إيصال الإخوان إلى الحكم
مثلها مثل مصر وتونس وسوريا والسّودان ودول القرن الأفريقيّ، قامت حكومة حزب العدالة والتّنمية بجعل الإخوان المسلمين في ليبيا رأس حربة، وطريقاً لبسط نفوذها سياسيّاً وعسكريّاً واقتصاديّاً في البلاد.
فمنذ 2006 ومع قيام أنقرة بجمع قادة الإخوان في حضنها بشكل علنيّ وعقد المؤتمرات المركزيّة للجماعة في تركيّا، واعتبار الأخيرة تركيا مركزَ ثقل استراتيجيّاً لمشروعها المشترك، كانت لدى جماعة الإخوان الكثير من المحاولات في ليبيا عبر الدّعم القطريّ والتّركيّ، لا سيّما عبر علي الصّلابي، القيادي في الجماعة والمدرج اسمه على قوائم المطلوبين لدى الدّول العربيّة والأوروبّية. حيثُ يقيم في تركيا، وغيره العديد من قيادات الإخوان اللّيبيّة.
وذكرت لجنة الأمن القومي الفرعيّة في الكونغرس الأمريكيّ أنّ الصّلابي تتلمذ على يد يوسف القرضاوي وجماعته، وتلقّوا أسلحة وتدريبات عسكريّة من الدّوحة للإطاحة بالقذّافي، والسّيطرة على الحكم.
من جانبه قال رئيس منظّمة سلفيوم للدّراسات والأبحاث اللّيبيّة، جمال شلوف، في وقت سابق، إنّ تركيا سعت لإعادة السّيطرة على الاقتصاد اللّيبيّ، ونهب ثرواتها عبر العناصر الإخوانيّة، وذلك بمشروع ما يُسمّى ” السّلام والمصالحة” الّذي روّجه الإخوانيّ اللّيبيّ المقيم في تركيا علي الصّلابي، وذلك بضمّ قيادات الجماعة وقيادات من النّظام السّابق ومؤيّدي ثورة 17 فبراير.
ويذكر أنّ تركيا اليوم تحتضن الإرهابيّ عبد الحكيم بلحاج القيادي السّابق في القاعدة، والقيادي في الجماعة اللّيبيّة المقاتلة المتشدّدة، والّذي حارب في أفغانستان قبل عودته إلى ليبيا، واسمه مدرج في لوائح الإرهاب لدى الكثير من الدّول. ونهب كمّيّة كبيرة من الذّهب والأموال اللّيبيّة وإيداعات بمليارات الدّولارات وُضِعت في المصارف التّركيّة، بحسب القضاء اللّيبيّ والجيش اللّيبيّ.
ضخ مرتزقة داعش ودعم القاعدة في ليبيا
وأكّدت القيادة اللّيبيّة على لسان رئيس مجلس نوّابها عقيلة صالح والنّاطق باسم الجيش اللّيبيّ أحمد المسماريّ بأنّ دّولة الاحتلال التّركيّة تنقل مرتزقة داعش وبعض العناصر من الجماعات الإرهابيّة، إلى ليبيا جوّاً للقتال في طرابلس، منذ 2014.
وكانت وكالة هاوار قد نشرت عدّة وثائق ولقاءات لدواعش في قبضة قوّات سوريّا الدّيمقراطيّة، تنقّلوا بين ليبيا وتركيا للقتال في سوريّا أو للعلاج في مشافي تركيا والعودة إلى ليبيا للقتال، وكانت الاستخبارات التّركيّة قد خصّصت مشافي عدّة تختصّ بعلاج مرتزقة داعش القادمين على متن طائرات، وتقوم بإدارتهم وتوجيههم في سوريا وليبيا وفق سياساتها واحتياجاتها.
التدخّل التّركيّ المباشر بعد فشل الحرب بالوكالة
في مطلع شهر نسيان 2019 أعلنت تركيا دعمها للجماعات الّتي تحارب بجانب حكومة الوفاق بقيادة فائز السّرّاج، كما وقّع أردوغان اتّفاقيّات بما عرفت بمذكّرات التّفاهم، بينه وبين السّرّاج في 27 تشرين الثّاني من العام المنصرم، تتعلّقان بالتّعاون الأمنيّ والعسكريّ وتحديد مناطق الصّلاحيّة البحريّة، وذلك كمحاولة تركيّة أخرى لخلق مبرّرات في احتلالها مناطق على الحوض المتوسّط.
ومن ثمّ وقّع الرّئيس التّركيّ رجب طيّب أردوغان على مذكّرة إرسال قوّات تركيّا إلى ليبيا نهاية كانون الأوّل المنصرم، ليوافق عليه البرلمان التّركيّ، والّذي بدوره عمّق الأزمة في ليبيا أكثر، حيثُ تأتي هذه الخطوة من أردوغان لإفشال أيّة خطوة أو عائق يقف أمام مساعيه في حوض المتوسّط لاستحواذه على الطّاقة في ليبيا ومياهها.
المواقف العربيّة من الخطر التّركيّ والقطريّ في ليبيا
تقوم كلّ من مصر والسّعوديّة والإمارات بدعم الجيش الوطنيّ اللّيبيّ وبرلمانه ضدّ الجماعات المتشدّدة وداعش والمرتزقة المدعومين من تركيا وقطر في ليبيا، حيثُ يظهر بوضوح الدّور السّعوديّ والمصريّ والإماراتيّ الدّبلوماسيّ عبر مجلس الأمن ومنظّمة التّعاون الإسلاميّ والجامعة العربيّة والاتّحاد الأوروبّي، لدعم الاستقرار وردع خطر الإرهاب وتمدّده بيد تركيا وقطر.
والجمهورية المصرية تدرك مدى خطورة الخطوات التّركيّة المُستفزّة لمصالحها الإقليميّة وكذلك لاستقرارها الدّاخليّ، لا سيّما في دول الشّمال الإفريقيّ والقرن الإفريقيّ وحوض المتوسّط، بينما تدرك السّعوديّة والإمارات جيّداً الدّعم القطريّ للجماعات الإرهابيّة وتمويلها في المنطقة برمّتها كسياسة تستثمرها لمجالها الاقتصاديّ والسّياسيّ.
الموقف الأوروبّي والأمريكيّ والرّوسيّ في ليبيا
لم يتجاوز الدّور الأوروبّي والأمريكيّ موقف المتفرّج، باستثناء مسألة محاربة داعش والقاعدة وضرباتها الجوّية في ليبيا بين حين وآخر، إلى جانب بيانات تشير إلى قلقها تجاه استمرار بعض الدّول كتركيّا بإرسالها إمدادات عسكريّة إلى ليبيا، كخرق واضح لقرارات الأمم المتّحدة بشأن حظر توريد السّلاح إلى ليبيا.
أمّا روسيا فإنّها قدّمت مساعدات للجيش الوطنيّ اللّيبيّ إلى جانب فرنسا والإمارات ومصر، ضدّ المجموعات المقاتلة تحتَ عباءة حكومة الوفاق، الّتي يترأسها فائز السّرّاج والمدعومة مباشرة من تركيا وقطر، ويعمل الطّرف الرّوسيّ بشكل خفيّ بعيد عن الأنظار لوضع موطئ قدم عسكريّ واقتصاديّ قوي له في ليبيا.
حيثُ أكّد المُتحدّث باسم القيادة الأمريكيّة في إفريقيا بوجود شركات عسكريّة روسيّة خاصّة في غرب ليبيا، وتنامت شكوك كثيرة حول وجود الأخيرة في شرق ليبيا أيضاً.
التعويض بليبيا عن سوريا والاستراتيجيّات الدّوليّة تلجم تركيا
بالنّسبة لتركيّا فإنّ ليبيا هي آخر دولة أو آخر حكم للإسلام السّياسيّ والإخوانيّ في البلدان العربيّة وإفريقيا، بعد سقوط مصر وتونس والسّودان وسوريا والعراق من حساباتها، وتخشى من تكرار سيناريو مصر وتحوّل حفتر إلى عبد الفتّاح سيسي ثاني في وجه أطماعه في الشّرق الأوسط وإفريقيا كلّها. لذلك فهو يلقي بثقل عسكريّ ومادّيّ وسياسيّ كبير خلف حكومة السّرّاج في طرابلس.
الأمر الآخر فإنّ الدّولة التّركيّة وعلى رأسها أردوغان تهدف إلى تعميق الأزمة اللّيبيّة، ورفع بطاقة اللّاجئين والإرهاب أيضاً في وجه الغرب والدّول العربيّة والإفريقيّة، وذلك دعماً لمخطّطاته العثمانيّة المزعومة بهدف السّيطرة على مواردها وتسابق الدّول الإقليميّة للاستيلاء على مناطق الغاز لتكون فعّالة في مستقبل الغاز والنّفط بمنطقة المتوسّط، لا سيّما أنّ ليبيا تمثّل الاحتياطي العالمي الخامس للنّفط بمعدّل 74 مليار برميل.
وإنّ لم يكن الأمر بهذا القدر من السّيطرة، فإنّها ستبقيها ممرّاً لها كالتفاف على الاتفاقيّات الثّلاث بين مصر وقبرص واليونان في المتوسّط.
الأمر الثّالث فإنّ تركيا جعلت من ليبيا مسرحاً للصراع لتفتح سوقاً لبيع سلاحها المحلّي، حيث تمكّنت من تمرير عشرات الحاويات عبر خطوط إمداد بحريّ إلى مناطق سيطرة الجماعات المرتزقة والمتشدّدة في ليبيا. كما أن جماعات حكومة الوفاق أعلنت رسميّاً بأنّها تسلّمت من تركيا شحنات أسلحة مختلفة وطائرات مسيّرة ومضادّات دبابات وصواريخ، في تجاوز صارخ للأخير بالقرارات الأمميّة الّتي تندرج إلى وضع عقوبات دوليّة عليها.
وأخيراً يمكن القول إنّ الاستراتيجيّات الدّوليّة والإقليميّة في ليبيا لا تخدم أبداً تركيا، فكلّ من روسيا ومصر والسّعوديّة والإمارات وإيران وبعض الدّول الأوروبّية تقف في صفّ واحد ضدّ الجماعات الّتي تدعمها تركيا وقطر، بغضّ النّظر عن أمريكا الّتي لم تحدّد موقفها الصّارم بشأن الصّراع في ليبيا باستثناء حربها ضدّ داعش والقاعدة هناك.
إلّا أنّ الصّمت والموقف المتفرّج خاصّتها يفضي إلى عزل تركيا وبقائها مع قطر وحيدة في السّاحة اللّيبيّة، والّتي ستفشل قريباً جميع مخطّطاتها الّتي راهنت عليها في ليبيا كما فشلت في سوريا، وستغلق أبواب الدّخول إلى إفريقيا في وجهها، كما أغلقت أبواب الشّرق في سوريا والعراق بوجهها، وإبقاؤها في عدّة بقع مسألة وقت.
وسوف يلاحقها السّقوط في دول القرن الإفريقيّ بالصّومال وأثيوبيا ونيجيريا وغيرها من الدّول الّتي تتحكّم بها تركيا اليوم اقتصاديّاً وعسكريّاً. وذلك لأنّ المسافة الفاصلة بين الجيش اللّيبيّ وطرابلس باتت أقلّ من 4 كيلو مترات، وستغيّر الكثير من ملامح الأزمة اللّيبيّة.