سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011
Banner Before Header

يواجهون العنف بصدورهم وقصائدهم… ولا يطمحون إلى أكثر من وطن

وكالات

عندما يرى الشاعر الشاب المنخرط في فعل احتجاجي، أقرانه وأهله مُتجمهرين في الساحات، فهو لا يحسب التظاهر فعلاً تطهريّاً ممّا عاشه ورضي به من واقع، إنّما لحظة ولادة جديدة له ولبلده. رفضه الموثّق لما حوله في نصوص وكتابات يلتقي هذه المرّة مع إحساسه بالوجود بين الآلاف والملايين، يحاول التماسك بين زحمة المخنوقين بالغازات المسيلة للدموع، يريد أن يلتحق بحشود التهمت وحش الخوف في دواخلها، يفك سرّ هذا الالتهام المباغت ببصيرته.
ثباته على موقفه الذي هو تحصيل حاصل لقوّة اليأس العدميّة، آتٍ من عدم الثقة بأيّ موجود من المركزيات المتعدّدة التي ضيّعته وصار اليوم في مواجهتها بهتافاته وخطواته. فالصوت المُطالب والمسير “المهدّد” صوب الساحات، قارب نجاته الأخير من أجل وطن يريده، غير تلك الخريطة المبتلاة التي هدّمت كيانه هو ومن سبقه العيش في حدودها.
كثيراً ما كان الشعر في الشوارع، تردّده النفوس المقهورة ويضعه المحتجّون في لافتاتهم الصادقة، لكن- في أيّامنا هذه- أنفاس الشعراء الجدد وحتّى أجسادهم تسبح في هواء جيلها الصاعد، حيث لا ادعاء في قيادة الشبان أو تصدّر حراكهم، لعلّه زمن الأفراد، فكلّ صوت يقود ذاته بذاته.
الشاعر في الحياة العراقيّة عامّة، أعزل في محيط من الصخب والأخطار، وهو في الساحات صوت من أصوات عراقيّة تريد استرداد بلدها، وإن تأخرت هذه المحاولة كثيراً.
هنا آراء شعراء عراقيّين شباب عن وجودهم في ساحات التظاهر وكيف تلقّوا الحدث التشريني الذي صنعته بسالة الفتيات والفتيان، بحثاً عن مصير آخر للناس وتأسيساً لتاريخ جديد لبلاد الرافدين، بعضهم يسميها ثورة وبعض آخر يجدها انتفاضة، وهذا التباين يحتاج إلى تفصيل وشرح في مناسبة لاحقة.
آلاء عادل (من مواليد بغداد 1989) فكرة الوطن الواحد:
“ليس الشاعر أو الشاعرة بعيدين من الانتفاضة، بل يعيشان أيّامهما هذه في الساحات مندهشين من نفسهما ومن الآخرين في الوقت ذاته. فقد فجّر الحدث الحالي ذواتنا وانفتحنا على فكرة جديدة كانت شبه مستحيلة، هي فكرة الوطن الواحد. بالطبع، تحطّم الكثير من الخطوط الحمر، أهمّها خطّ الخوف من الآخر والاعتقاد بأنّنا أفضل منه وأحقّ منه بالحياة، أما بالنسبة إلى الخطوط التي لم نتجاوزها بعد، على الأقلّ بَهَتَ لونها”.
مبين خشاني (من مواليد واسط 1998) هذه لحظة العراق:
“أنا لا أقرأ هذه الهبّة الشبابيّة أو أنظر إليها من بعيد، إنّما أنا معهم في ساحات الاعتصامات من
 الكوت إلى ساحة التحرير في بغداد. هذه لحظة العراق الجديد يؤثّثها الجيل الجديد، نحن جيل متنوّع، هضمنا خراب الحروب السابقة، سواء الحروب العسكريّة أو الأهلية الطائفيّة وحتّى الاجتماعيّة. لذا، نضجنا بوعي تخطّى كلّ التنظيرات والتوقعات، فخور لأنّني أنتمي إلى هذا الجيل وهذه الثورة، سقط كثيرون من أصدقائنا شهداء من أجل هذه الثورة. لذا، نحن مستمرون حتّى نؤسّس عراقنا الجديد الذي يُشبهنا”.