سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011
Banner Before Header

هفرين! هيباتيا العصر

حنان عثمان

ما أكثر أوجه التشابه بين القديستين هيباتيا الإسكندرية وهفرين الكردية…
هيباتيا عالمة وفيلسوفة مصرية، اهتمت بالفكر الإنساني وعلم الفلك، وتمتعت برجاحة العقل وقوة الطرح وصلابة الإرادة. ازدان بها الفكر الفلسفي في القرن الرابع الميلادي، وعُرفَت بفيلسوفة الإسكندرية.
برعَت هيباتيا في شرح الفلسفة، وفي مجالس العلم التي اكتظت بطالبي العلم الذين تعرفوا من خلالها على رموز فلسفية عظيمة. كانت تلك المجالس بمثابة حلقات للتفكير وطرح الأسئلة والتطرق إلى كل ما هو ليس “مألوفاً”، وانتمت إلى المدرسة الأفلاطونية الجديدة.
تعلمت هيباتيا على نفقة الدولة الرومانية، وذلك شيء فريد من نوعه، سيما أن النساء في عصرها لم يكنّ يتمتعن بالتعليم. أما الاستثناء الثاني الذي تميزت به، فهو أنها عملت بالتدريس في الجامعة وهي في الخامسة والعشرين من عمرها.
الإسكندرية كانت في ذاك الوقت مدينة للعلم ومنارة للمفكرين. فكان هناك صراع كبير بين كهنة الكنائس المتشددين واليهود من جهة وبين الوثنيين من جهة أخرى.
كان للأسقف “سيرل” دور محوري في التحريض ضد هيباتيا، لأنه كان يدعو إلى بقاء النساء في منازلهن، لعدم أحقيتهن في العمل أو تلقّي العلم. بل وحظر عليهن حتى التفكير أو الاستماع لآرائهن.
رأى المسيحيون المتعصبون في ذلك الزمن أن “هيباتيا” تمثل لبّ الفكر الوثني، لِما تحمله من أفكار فلسفية. فقرروا القضاء عليها لِما تحمله من أفكار تشجع النساء على العلم والانخراط في المعرفة وعلى توحيد الصف. إذ كانت ترى أن العبادة تكمن في قلب الإنسان وسلوكه فاجتمع حولها كثيرون وتأثروا بها جداً.
قرر حُماة الظلام والمتشددون تلفيقَ تهمة لها للتخلص منها ومن خطورتها  التي تُعرّض عروشهم للخطر. فتجسدت التهمة في: تمسكها بوثنيتها، والخروج على مفاهيم الكنيسة بابتكار نظريات علمية تضلل البشر، وممارسة الفلسفة التي عُدّت “سحراً” في ذلك الزمان.
وصدر حكم الإعدام بحق فاتنة الوجه وراجحة العقل هيباتيا.
إذ تم رصد عربتها وجرَوها إلى صحن كنيسة قيصرون وهناك تمادى الرهبان في عنفهم، فجردوا “هيباتيا” من ملابسها تماماً، وأقدم أحدهم على ركلها، وأمسك آخر بشعرها وقام بسحلها. ثم انهال الباقون على تقطيع جسدها وسلخه تحت شعار “ليحيى الرب، ليحيى الرب”.
وقُتِلَت هيباتيا، لم يكتفِ أصحاب الديانة الجديدة بذلك، بل وأوقدوا ناراً متأججة، وقذفوا فيها أعضاء جسدها الذي لم يتجاوز ربيعَه الخامسة والثلاثين.
وبالطريقة نفسها، ولأسباب متشابهة، شهد مسرح التاريخ جريمة اغتيال المهندسة الشابة هفرين خلف، الأمين العام لحزب سوريا المستقبل. تلك المرأة الكردية المناضلة، التي آمنت بأحقية حرية وحقوق المرأة، وبضرورة بناء نظام ديمقراطي تعددي في عموم سوريا.
حملت هفرين المسؤولية التاريخية على عاتقها، وهي تدرك بأنها من أصعب المهام التاريخية، وخاصة في أجواء النزاعات والحروب والتطرف الديني التي تمر بها سوريا.
تمتعت هفرين بجمال وسحر وعلم ومعرفة لا تقل عمّا كانت هيباتيا تتمتع به. إذ آمنت هفرين بضرورة وحدة الصف السوري، وبالتعددية التي وصفَتها بألوان الربيع البهية. وتجولت بين المدن العربية والكردية، حاملة راية السلام ومفعمة بعبق الياسمين. لم تكلّ أو تملّ في جهودها الحثيثة لإبراز الهوية الوطنية السورية بوصفها هوية متعددة القوميات والأديان والثقافات.
لكن السياسية هفرين شكلت خطراً حقيقياً على “سيرل” عصرنا أردوغان ومرتزقته.
فاعترض مسلحون موالون لتركيا سيارةَ هفرين وهي في طريقها إلى مدينة الرقة. وبالوحشية والهمجية ذاتيها، انقضّوا على فريستهم، ولم يَكتفوا بإطلاق الرصاص عليها؛ بل وسحبوها من شعرها، وضربوها بأدوات صلبة وحادة، ثم قطّعوا أعضاءها.
أجل، لقد تم التنكيل بجثة هفرين ذات الـ35 ربيعًا، وأصبحت جثتها الملطخة بالدم، والتي اعتَلَتها الحجارة والتراب، آخر مشهد تم تصويره للأمينة العامة لحزب سوريا المستقبل.
إرادة هيباتيا أصبحت مشعلًا ينير درب طالبي العلم والباحثين عن الحقيقة، كما أن النصر سيكون حليف العشرات من الشابات اللواتي أقسمن على تحقيق حلم هفرين  بسوريا ديمقراطية وحرة وتعددية.