سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011
Banner Before Header

الإدارة الذاتية والتحديات

آلدار خليل

في واقع مؤلم عمّت فيه فوضى سياسية وتفرّد مطلق في إدارة البلاد عاشت شعوب سوريا عموماً حياتها وهي تعاني من الإنكار والإقصاء؛ ومع بداية الحراك في سوريا رأت هذه الشعوب ومعهم الكرد بأن أسباب الخلاص من الواقع المزري قد حان الوقت لإنهائها. لكن؛ سرعان ما فُقد الأمل مع تحول هذا الحراك نحو مجالات أخرى باتت هي الأسوأ من المراحل التي سبقت ولادة الأمل المذكور.
مشروع الإدارة الذاتية الذي أعلنته شعوب شمال وشرق سوريا في عام 2014 جاء بمثابة إنقاذ حقيقي لكل الشعوب التي حاصرها التطرّف من جهة ومن جهة أخرى سياسات القمع والإنكار الممارسة من قبل النظام الحاكم، حيث قضت الإدارة الذاتية على الخلافات والصدامات التي حاول البعض إثارتها من جديد كما سابق عهدها من خلال ما احتوت من إحياء حقيقي للمبادئ اللازمة للعيش المشترك والإدارة المشتركة وتحرير للهوية المصادرة عبر مشروع الأمة الديمقراطية وأخوّة الشعوب الذي تم ترجمته عملياً في الإدارة الذاتية الديمقراطية عبر التعددية والمشاركة وحرية المرأة مقابل ما كان يحدث من صراع على الحكم والسلطة في مناطق سوريا الأخرى.
بمجرد بروز الإدارة الذاتية كمشروع حل؛ بدأت حملات التشويه والهجوم، حيث باتت الإدارة هدفاً مشتركاً للمتخاصمين والمتناحرين في سوريا؛ تارة يصفون الإدارة بأنها تهدد وحدة سوريا وتارة بأنها خطر على مستقبل سوريا. لكن؛ فعلياً كانت الإدارة تمثل خطراً على مشاريعهم ومخططاتهم، حيث أنّ احتلال جرابلس والباب في صيف 2015 استهداف مباشر لتجربة الإدارة بعد فشل النيل منها عبر مخططات أخرى سبقت ذلك؛ وبدأت تلك الحملة حتى احتلال عفرين في بداية عام 2018 وبعدها الهجوم العدواني على رأس العين (سري كانيه)، وتل أبيض (كري سبي) في التاسع من شهر تشرين الأول 2019 بعد إعلان أردوغان خريطة مشروعه في الأمم المتحدة التي كانت تضم جميع مناطق الإدارة الذاتية.
 أردوغان وكل من ساهم في إعطاء الإذن له بالهجوم كانوا يعتقدون بأن هذا الهجوم هو نهاية محتمة للإدارة الذاتية وكان البعض يشبّهها بما حدث في روجهلات (شرق كردستان) والبعض الآخر بحملة الأنفال المدمرة في باشور (جنوب كردستان) إذا ما وصفنا التعبير من حيث حجم الهجوم وأهدافه، هناك مناطق جغرافية تم إحلالها؛ نعم.  لكن ؛ لم يتم النيل من المشروع المستهدف ولا الحد من عمله وتأثيره، حيث بقيت الإدارة الذاتية بمؤسساتها وفروعها ودوائرها موجودة؛ لا بل زاد الإصرار في دورها وعملها.
السبب الأقوى والذي صمد بوجوده الإدارة هو التفاف عموم الشعوب حولها وكل شعب وجد هذا المشروع بأنه مشروعه وسبب لتحقيق إرادته وقوته وهويته الحقيقيّة، لم يجد أحد من الذين تم استهدافهم أو جرّهم لمخططات أخرى بأنه خارج هذا المشروع، بحيث كنا فعلاً أمام نجاح حقيقي لمشروع الأمة الديمقراطية. هذا الصمود والتكاتف وإثبات الإدارة بأنها تمثل مسألة وجود لكل الشعوب كان كافياً خاصة في ظل الدفاع المشترك والتضحيات معاً من أجلها؛ بحيث لو كانت هذه الهجمات والمخططات ضد أي دولة لعمّت فيها الفوضى وتفسخ نظامها الإداري. لكن؛ الإدارة بقيت موجودة بمؤسساتها، وباتت فرص تدويل الإدارة كمشروع موجوداً بقوة. في تاريخ عمل الإدارة الحديث يمكن وصف كل تلك الضربات القاتلة بأنها محاولات فناء وجعل الإدارة الذاتية مشروعاً عابراً بسطور عند سرد الأحداث في سوريا. لكن؛ الآن باتت الثقة أقوى بكثير بأن الإدارة تمثل نموذج حل ديمقراطي في سوريا ومن غير المعقول الحديث عن أي استقرار أو مستقبل ديمقراطي بدون تبني مشروع الإدارة الذاتية كمثال عملي للحل في سوريا؛ ما يجعلنا أمام تجربة ناجحة باتت مثالاً وتاريخاً استنفذت فيه القوى المناهضة لتطلعات الشعوب إمكاناتها التي كانت مُعدّة لإنهاء هذه التجربة؛ الأمر الذي يحتاج للمزيد من القوة والإصرار لتطوير وتقديم مشروع الإدارة الذاتية؛ لأن القوى التي انهزمت أمام التفاف ووحدة شعبنا حول الإدارة؛ حتماً ستقوم بإعداد مخططات أخرى تضاهي سابقاتها في الخطر.