سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011
Banner Before Header

الحماية: دفاع عن الوجود-2

وكالة هاوار –

“لن نعتدي على أحد حتّى لو امتلكنا قوّة تكفينا لهزيمة العالم أجمع. ولكن حتّى لو اجتمع العالم كلّه علينا، فإنّنا لن نتنازلَ عن حقّنا المشروع في الدّفاع عن النّفس”.
تسعى الحداثة اللّيبراليّة إلى السّيطرة على الشّعوب وصهرهم في بوتقة واحدة، ولتنفيذ سياساتها عمدت إلى تصعيد مخطّطاتها بشكل كبير منذ منتصف القرن العشرين وحتّى بداية القرن الحادي والعشرين، ولا زالت تواصل هذه السّياسات. وفي مواجهة هذه الّسياسات تناضلُ الشّعوب من أجل الدّفاع عن قيمها من خلال تنظيم مختلف أشكال المقاومة.
في يومنا الرّاهن لم تعد الشّعوب تعتمد على شكل أو أسلوب وحيد ومعيّن من المقاومة، بل تنوّعت أشكال المقاومة بينَ المقاومة السّلبيّة والمقاومة الفعّالة. إلّا أنّ القاسم المُشترك بين جميع المقاومات هو مشاركة كافّة الشّرائح الاجتماعيّة.
ويعرّفُ قائد الشّعب الكرديّ عبد الله أوجلان حراك الحماية الذّاتية الاجتماعية على الشّكل الآتي: “المجتمعات الّتي لا تتمكّن منَ الدّفاع عن نفسِها، ستفقد مقوّماتها الأخلاقيّة والسّياسيّة. فالمجتمعاتُ أمام أن تتعرّض للاحتلال والصّهر والاهتراء، أو تدافع عن نفسها، وتستعيد مقوّماتها الأخلاقيّة والسّياسيّة”.
نماذج من حركات الدّفاع الذّاتيّ الاجتماعيّة والشّعبيّة في مختلف أنحاء العالم.
فلسطين:
بعد احتلال فلسطين وتأسيس الدولة الإسرائيلية عام 1948، ظهرت العديد من الحركات الشعبية الفلسطينية التي طالبت بإنشاء دولة فلسطينية مستقلة. في البداية اندلعت مواجهات وحروب في الدول العربية المجاورة، وبعد عام 1960 ومع تأسيس حركة التحرير الفلسطينية، تحولت الحرب إلى حرب دفاع شعبية.
خلال تلك الفترة خاضت حركة التحرير الفلسطينية وحركة حماس كفاحاً مسلحاً ضد إسرائيل، خلال أعوام السبعينيات اتبعت الحركة الفلسطينية أسلوباً جديداً وهو تنفيذ عمليات محدودة وهادفة، من أجل استمرار انتفاضة شعبية متواصلة. وظهرت أول حركة انتفاضة شاملة في الفترة بين أعوام 1987 – 1993.
النّمور السّود:
تأسّست في شمال أمريكا عام 1966 تحت اسم ” حزب الفهود السّود” ولا زالت من أكبر التّنظيمات الثّوريّة الخاصّة بالزّنوج.
وظهرت الحركة كنتيجة للتمييزِ التّمييز العنصريّ ضدّ الزّنوج في أمريكا، حيث تعرّض السّود للتمييزِ العنصريّ في حافلات النّقل والمدارس والمحطّات وغيرها، في تلك الفترة احتجّ الزّنوج على التّمييز العنصريّ من خلال تنظيم حركات اعتصام ومسيرات مطالبة بالحرّية. وتعرّض المحتجّون لهجمات وقمع وحشيّ سواء من قبل رجال الشّرطة أو من قبل عناصر العصابات البيض، ولطالما كان المحتجّون يتعرّضون لخطر القتل. في هذه الفترة لم يكن أمام المحتجّين والثّوّار سوى خيارين، إمّا أن يواصلوا الاحتجاج بالسّبل السّلبيّة أو تصعيد المقاومة.
الزّعيم الزّنجيّ المعروف مارتن لوثر كينغ أعلن توجّهه القائم على المقاومة السّلبيّة والعصيان المدنيّ. فيما توجّه آخرون معارضون للمقاومة السّلبيّة إلى اختيار سبيل المقاومة الفعّالة من خلال تأسيس حزب النّمور السّود، حيث اقتنعت الأجيال الشّابّة بأنّ زمن الاحتجاج السّلميّ والمقاومة السّلبيّة قد ولّى.
لجوء الحركة إلى المقاومة الفعّالة واستخدام السّلاح أثّر بشكلٍ كبيرٍ على مجتمع الزّنوج وكذلك على قوّات الشّرطة، حيث بثّ الخوف والرّعب في نفوسهم. كما عزّز لدى الزّنوج أحلامهم في الحرّيّة. جميع الزّنوج كانوا يستمدّون القوّة والعزم من رؤية أشقّائهم الّذين يناضلون لمصالح مجتمعهم.
وتعتبر تجربة الدّفاع والحماية الذّاتيّة الّتي خاضها النّمور السّود تجربة غنيّة ومهمّة في نضال السّود في أمريكا من أجل المساواة. وكان الهدف الأساسيّ لحركة النّمور السّود هو حماية المجتمع من عنف رجال الشّرطة. وإلى جانب ذلك فإنّ كفاحهم لم يقتصر على الكفاح المسلّح، بل ساهموا أيضاً في توزيع الطّعام على الأطفالِ الجياع والمحرومين، وأمّنوا الملابس للمحتاجين، كما قدّموا لهم الدّعم الصّحيّ والطّبّيّ وغيرها من الأعمال. أي أنّ النّمور اعتمدوا على مبدأ الدّفاع والحماية الذّاتيّة وكذلك دعم ومساندة المجتمع.
الباسك:
تمتدّ أصول شعب الباسك الّذين يعيشون في مناطق الإدارة الذّاتيّة في شمال إسبانيا وشمال فرنسا، إلى القرن التّاسع الميلادي. تعرّض شعب الباسك إلى القمع والاضطهاد خلال الحرب الأهليّة الإسبانيّة في عام 1936، وكذلك في الفترة الّتي تلت الحرب الأهليّة. تعرّضوا للكثير من القمع بشكل خاصّ على يد فاشية فرانكو، حيثُ تمّ حرمانهم من الهويّة وحظرت لغتهم. في عام 1959 تطوّرت حركة تنظيميّة في إقليم الباسك قائمة على الدّفاع والحماية الذّاتيّة. حيثُ تأسّس تنظيم (إيتا) تنظيم حرّية الباسك، على يد الثّوّار الاشتراكيين. وذاع صيت منظمة إيتا بشكل كبير في سائر مناطق إقليم الباسك بعد سلسلة عمليّات عسكريّة.
وبعد حركة حماية ذاتيّة طويلة والّتي كانت في نفس الوقت حركة شعبيّة، تمّ الاعتراف بإقليم الباسك كإقليم إدارة ذاتيّة في في إسبانيا، على شكل فيدرالية قائمة على ثلاث لغات أساسية. ورغم حصول الإقليم على الإدارة الذّاتيّة إلّا أنّ حركة الدّفاع والحماية الذّاتيّة ظهرت مُجدّداً جراء الإهمال وعدم احترام الحكومة الإسبانيّة لثقافة وهوية الباسكيين.
وواصل تنظيم حرّية الباسك (إيتا) وكذلك حزب باتاسونا الّذي تأسّس عام 1978 النّضال من أجل الاستقلال بدون توقّف. وفي عام 2003 تمّ حظر باتاسونا، بعد أن أعلن حكم صادر عن المحكمة أنّ الحزب كان يموّل ETA بالمال العامّ. ليتمّ تضمين الحزب في “قائمة الاتّحاد الأوروبي للأشخاص والمنظمات الإرهابية”. وفي عام 2011 أعلنت منظمة (إيتا) عن التّخلّي عن السّلاح وإيقاف الكفاح المسلّح بشكل نهائيّ بعد 43 عاماً من النّضال.
ويعتبر نموذج الإدارة الذّاتيّة في إقليم الباسك نموذجاً فريداً من نوعه، باعتباره نموذج دخل حيّز التّنفيذ بدون مفاوضات. ورغم توقّف النّضال الشّعبيّ وحركة الحماية الذّاتيّة في إقليم الباسك إلى أنّ حكومة إسبانيا المركزية  تواصل التّضييق على الإقليم وسكّانه.
إيرلندا عبارة عن جزيرة تقع في شمال شرق المحيط الأطلسي، محاذية لجزيرة بريطانيا. احتلّت من قبل بريطانيا في القرن الثاني عشر، ومنذ ذلك التّاريخ وحتّى القرن العشرين خاض الإيرلنديون أشكالاً مختلفة من المقاومة وحركات الدّفاع الذّاتيّ. ولإيرلندا تاريخ طويل وحافل بنماذج الدّفاع والحماية الذّاتيّة. إلّا أنّ أكثر النّماذج شهرة والّذي سطّر على صفحات التّاريخ وكان له التّأثير الأكبر هو نموذج انتفاضة باسكاليا الّتي اندلعت عام 1916.
وخاض الشّعب الإيرلندي في مدينة دبلن مقاومة كبيرة على مدى أسبوعين متواصلين ضدّ الاحتلال الإنكليزي من خلال حفر الخنادق وبناء المتاريس. في تلك الأثناء عمل الجيش الجمهوريّ الإيرلنديّ الّذي تأسّس في دبلن، على حماية حركة الحماية والدّفاع الذّاتيّ. ونتيجة للنضال المسلّح أعلن في عام 1922 عن تأسيس جمهوريّة إيرلندا المستقلّة في جنوبي الجزيرة. فيما ظلّ شمال الجزيرة تابعاً لإدارة الحكومة البريطانيّة.
وفي عام 1960 ظهر الجيش الجمهوريّ الإيرلندي مرّة أخرى بعد أنْ انفصلَ الإيرلنديون الكاثوليك في شمال البلاد وطالبوا بتأسيس دولة إيرلندا الموحّدة، ومع تصاعد الدّعم والمساندة الشّعبيّة تأسّس الجناح السّياسيّ للجيش الجمهوريّ الإيرلنديّ وهو حزب (شين فين)، وتمكّنوا من إيصال ممثّليهم إلى البرلمان البريطانيّ.
وكان جميع ممثّلين شين فين في البرلمان هم من أعضاء اللّجان الشّعبيّة الإيرلنديّة الّذين شاركوا في حركة الحماية الذّاتيّة. وفي عام 1983 وأثناء توجّه الشّعب إلى صناديق الاقتراع، ردّدوا جميعاً شعار “بيد نحمل بطاقة الاقتراع وباليد الأخرى نحمل السّلاح”.
ونتيجة لكفاح حركة الدّفاع الذّاتيّ السّياسيّة والعسكريّة بدأت مباحثات السّلام بين الإيرلنديين والحكومة البريطانيّة، وفي المفاوضات تمّ التوقيع عام 1988 على اتّفاقية شمال إيرلندا. ونصّت الاتفاقيّة على إعادة فتح وتفعيل برلمان إيرلندا الّذي أغلق عام 1972، كما تمّ الإقرار بإجراء استفتاح حول توحيد شطري إيرلندا الشّماليّ والجنوبيّ.
حركة زاباتيستا:
في أمريكا الشّماليّة وتحديداً في دولة المكسيك تأسّس في الأوّل من كانون الثاني عام 1994 جيش زاباتستا للتحرّر الوطنيّ، وأعلن انتفاضة مسلّحة. وتمكّن الجيش من السّيطرة على بلديّات تابعة لمحافظات كريستوبال ولاس كاساس وإعلان إدارة ذاتيّة. تتّخذ الحركة من اسم أميليانو زاباتا (Emiliano Zapata)-أحد قادة الثّورة المكسيكيّة 1910- اسماً لها. تهدف الحركة بصورةٍ رئيسةٍ إلى تمكين السّكّان الأصليّين من موارد الإقليم وتحقيق قدر من الحكم الذّاتيّ. تعتبر الحركة أيضاً جزءاً من الحركة ضدّ العولمة والإمبرياليّة.
وتمكّن السّكّان الأصليّون إلى جانب الزّاباتيّون من صدّ هجمات الجيش المكسيكيّ، وبدأوا بتأسيس عالمهم الخاصّ. وساهمت حركة الحماية الذّاتيّة للزّاباتيين في تأسيس فلسفة أخلاقيّة انتشر صداها في أرجاء العالم كنموذج للدفاع عن الثّقافة. في المناطق الّتي أعلن فيها الزّاباتيّون انتفاضتهم عملوا على تجسيد فلسفة ونمط حياة شعوب المايا القديمة، حيث تعتمد على نظام اللا دولة وبدون جيش، وفق فلسفة حياة الشّعوب القديمة القائمة على الحماية والدّفاع الذّاتيّ.
البرازيل: حركة المحرومين من الأرض:
ومن نماذج الحماية الذّاتيّة أيضاً نموذج حركة “القرويين الذين لا يملكون الأرض” في البرازيل والّتي انطلقت عام 1979. حوالي مليوني محروم وفقير ممّن كانوا يعيشون في 23 ولاية برازيليّة، هربوا جراء التّسلّط والنّظام الاحتلاليّ، وأنشأوا مستوطنات في الأراضي الخلاء بعد أن قدّموا تضحياتٍ كبيرةً، ويعتمدون في الإنتاج على نظام التّعاونيات.
ويعتبر هؤلاء النّاسُ نمطَ حياتهم نمطاً لاتحاد المجتمع مع الطبيعة، فهو كردّة فعل على نهب الطّبيعة وتدمير الثقافة، وعملوا على وضع يدهم على الأراضي الّتي استولت عليها الدّولة والأثرياء. معظم أعضاء الحركة من أهالي المنطقة، وفي نفس الوقت يطالبون بحقوقهم الطّبيعيّة بسبب وجودهم الطّبيعيّ في المنطقة.
ويشترط على كلّ من يودّ الانضمام إلى الحركة أن يستولي على قطعة أرض، وأن يساهم في حماية هذه الأرض والدّفاع عنها. الأراضي الّتي تمّ الاستيلاء عليها من قبل الحركة، وتمّ استصلاحها للإنتاج التّعاونيّ، تعادل مساحة دولة بلجيكا.