سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011
Banner Before Header

مفهوم (الوحدة الوطنيّة) وصهر الثقافات الأخرى

عبد الله آوجلان –

تاريخُ مركزيّةِ ووحدويّةِ الدولةِ القوميّة إلهيٌّ بشكلٍ كثيفٍ للغاية. فبينما أنّ تجريدَ المجتمعِ الموجودِ في طبيعتها من السلاح كليّاً، ونقلَ احتكارِ التسلّح تماماً إلى الدولة يؤدي إلى الوحدويّة، فما يتحقق هنا مضموناً هو احتكارٌ استغلاليٌّ واستعماريٌّ مذهل. ومُنَظِّرو الهيمنة (يتصدّرهم هوبز وميكيافيلي) قد بَسَطوا أهمَّ خدماتِهم أمام الاحتكارِ الرأسماليّ بتعريفهم للدولةِ العصريّة باسمِ العلموية. فتركيزُ كلِّ الأسلحة في بنيةٍ أُحاديّةٍ منفردةٍ بذاتها تحت اسمِ رفاهِ المجتمع، يعني تعريةَ المجتمعِ من قوته السياسيّة، وبالتالي من وجوده الاقتصاديّ بما لا نظير له في أيّةِ مرحلةٍ تاريخيّة. ونظراً لِكَون الدولة والسلطة ستتحرّكان كاحتكار في نهايةِ المطاف، فسوف لن تبقى أيّةُ قيمةٍ اجتماعيّةٍ إلا وستَستَولِيان عليها بقوةِ السلاح الكثيفِ الذي بين يَدَيها. وسوف تُضفِيان الشكلَ على المجتمعِ كما تشاءان، وستُبِيدان ما لا تشاءانه وستُزيلانه من الوسط، علماً أنّ ما جرى في التاريخ قد حَصَلَ تأسيساً على هذا المنوال، حيث تَحَقَّقَت الإباداتُ التي لا تَخطر بالبال.
وباعتبارِ الدولةِ القوميّةِ قاسِماً مشتركاً لكافةِ الاحتكارات، فهي لا تقتصرُ على بناءِ ذاتها تأسيساً على نهبِ الثقافةِ الاجتماعيّة الماديّة وغزوِها واستعمارها، بل وتؤدي دوراً مُعَيِّناً في صهرِ الثقافةِ المعنويّةِ أيضاً، إذ تَجعلُ المعاييرَ الثقافيّةَ لأثنيّةٍ أو جماعةٍ دينيّةٍ حاكمةٍ رسميّةً بالأغلب تحت اسمِ الثقافة الوطنيّة، ثمّ تَشُنُّ الحربَ ضدّ جميعِ الكيانات الثقافيّة المتبقّية. وبذريعةِ أنها «تضرُّ بالوحدة القوميّة»، تُهَيِّئُ النهايةَ لجميعِ اللغات والثقافات الموجودة في جميعِ الأديانِ والأثنيّات والأقوام والأمم التي لا تَبرح محافظةً على وجودها منذ آلاف السنين، وهي تَعملُ ذلك بالعنفِ أو بالإغراءاتِ الماديّة. هكذا باتت اللغات، الأديان، المذاهب، والقبائل والعشائر الأثنيّة، والأقوام والأمم ضحيّةَ هذه السياسة، أو بالأحرى ضحيّةَ هذه الإبادة بما لا ندّ له في أيّةِ مرحلةٍ من مراحلِ التاريخ، بل إنّ الإباداتِ الماديّةَ (الإبادات الجسديّة) مقابل الإباداتِ المعنويّةِ ليست حتّى بقدرِ حجمِ الأُذُن في الجَمَل. بالتالي، فالقيمُ اللغويّةُ والثقافيّة المتسربلةُ إلى يومنا منذ آلاف السنين مع جماعاتها، غَدَت ضحيّةً بذريعةِ طيشِ «الوحدة الوطنيّة»، وكأنها ممارسةٌ مقدّسة.
مفهومُ الدولةِ القومية بشأنِ «الوطن» أكثر إشكاليّةً بكثير، فبأيةِ حالٍ كانت، يتمّ تصوير الحدودِ الجغرافيّةِ الخاضعة لسيادةِ الدولة، أي لاحتكارها، على أنها «الوطن المقدّس». في الحقيقة، لقد صُيِّرَ الوطنُ مُلكيّةً مشتركةً لحلفاءِ الاحتكار. والنظامُ الذي شَيَّدوه تأسيساً عليه، أكثر عُمقاً في استعمارِه من استعمار المستوطَنات القديمة. فإنْ كان ثمّة بلد مستعمِرٌ واحدٌ فقط قديماً، ففي الدولةِ القوميّة العصريّة ثمّة أشكالٌ استعماريّةٌ مسلَّطةٌ على «وطنها المقدّس» بقدرِ تعداد أنواعِ الاحتكارات فيها. فكيفما جُرِّدَت الشعوبُ المستعمَرةُ من أسلحتها، كذا شعبُ «الوطن المقدّس» أيضاً جُرِّدَ من أسلحته، متروكاً بلا مقاومة تجاه شتّى أنواع الاستغلال. حيث أُخضِعَت شتّى كياناتِه الثقافيّةِ الماديّة والمعنويّة، وعلى رأسها قواه العاملة، لاستغلالٍ مضاعَف، إذ لا يُمكن إشباع نَهَمِ احتكاراتِ البيروقراطيّة المتضخّمةِ كالوَرَم بشكلٍ آخَر.