سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011
Banner Before Header

الإبادات المجتمعيّة وثالوث (الراهب، الحاكِم الإداريّ، القائد العسكريّ)

عبد الله أوجلان –

باتت حروبُ الهيمنةِ شاملةً ومُكَثَّفَةً وطويلةَ الأَمَدِ بما لا يمكن مقارنتها مع أيّةِ مرحلةٍ حضاريّة. والاحتكاراتُ المُنخَرِطةُ في الحربِ أيضاً أصبَحَت على الصعيدَين القوميّ والدوليّ. بالتالي، لأولِ مرّةٍ يتمّ التعرّف على حروبٍ ذاتِ نطاقٍ عالميّ. بينما لم تَغِبْ الحروبُ المحليّةُ والإقليميّةُ في أيِّ وقتٍ كان. الأنكى أنّ المجتمعَ برمّته تجري عَسكَرَتُه على يدِ الدولةِ القوميّة، لِيُزَجَّ به فيما هو أَشبَهُ بحالةِ حرب. لذا، من الواقعيّةِ أكثر نعتَ مجتمعاتنا الراهنة بمجتمعاتِ حالةِ الحرب. حالةُ الحربِ المَفروضة تُدارُ من قناتَين. أُولاهُما؛ إرضاخُ المجتمعِ بجميعِ مساماته للرَّصدِ والمراقبةِ والقمعِ المُشَدَّدِ من قِبَلِ أجهزةِ السلطةِ والدولة التي تحيطُ به كالشَّبَكة باعتبارها قناةَ الطريقِ الواقعيّ. الطريقُ الثاني هو إقامةُ المجتمعِ الافتراضيِّ مكانَ المجتمعِ الحقيقيِّ بوساطةِ قنواتِ تقنيّةِ المعلوماتيّةِ (الاحتكاراتُ الإعلامّية) المتناميةِ بثورةٍ نوعيّةٍ خلال الخمسين سنةً الأخيرة. يُمكِنُ وصف كِلتا حالتَي الحرب بالإبادةِ المجتمعيّة. فإلى جانبِ الإباداتِ العِرقيّةِ المُطَبَّقَةِ قديماً بحدودٍ أضيق، فالإباداتُ المجتمعيّةُ الجديدةُ هذه تُحَضِّرُ نهايةَ الطبيعةِ الاجتماعيّةِ بحالاتها الدائمةِ والمكثَفة. قد يستمرُّ وجودُ مخلوقاتٍ شبيهةٍ بالنوعِ البشريّ، ولكنْ كحشدٍ قطيعيٍّ وكجماهيرِ الفاشيّة. إحصائيّةُ الإبادةِ المجتمعيّةِ تُظهِرُ نفسَها في فقدانِ المجتمعِ بأكمله لماهيّته الأخلاقيّةِ والسياسيّةِ، لأنها أشدُّ وطأةً من الإباداتِ العِرقيّة. والتَجَمُّعاتُ البشريّةُ اللامباليةُ حتّى بالكوارث الاجتماعيّةِ والأيكولوجيّةِ الأثقلِ وطأةً خيرُ دليلٍ على هذه الحقيقة. لذا، لا يمكن إنكارَ عيشِ وضعٍ متأزِّمٍ يتجاوز الأزمةَ العارمة. قد يَكُون من المفيد إيجازَ كيفيّةِ الوصول إلى هذا الوضع، ولو تكراراً، بغرضِ تأمينِ التكامُل.
التاريخُ بأحدِ المعاني يعني التَعاظُمَ التراكُميَّ للسلطة (ككرةِ الثلجِ المتضخّمة كلّما تدحرجت)، منذ تأسيسِ أولى هرميّاتِ السلطة وسياداتِ الدولة حتّى يومنا. فتاريخُ المدنيّةِ زماناً ومكاناً مليءٌ بحروبِ السلطةِ التي هي جوهرُه. فبدءاً من الحروبِ المحليّة إلى الحروبِ العالميّة، ومن الحروبِ القَبَلِيّةِ إلى الحروبِ القوميّة، ومن الحروبِ الطبقيّةِ إلى الحروبِ الدينيّة؛ جميعُها انتهَت بإكثارِ السلطةِ وتَعاظُمِها التراكُميّ. إكثارُ السلطةِ يعني التطوّر الطبقيَّ المقتات بالتطفّلِ على القيمِ الاجتماعيّة. فالحُكمُ الذي يُكَوِّنُ هرميّةً محدودةً في بداياته، ويُقَدِّمُ أحياناً مساهماتِه الهامّةَ إلى المجتمع بتجاربِه وخبراته؛ يَغدو طبقاتٍ كاستيّةً منغلقةً مع تَحَوُّلِه إلى دولة. فالمجموعاتُ الكاستيّة، وإلى جانبِ ماهيّتِها السلالاتيّة، قد نَظَّمَت نفسَها على شكلِ طبقاتٍ امتيازيّة، مكتسبةً امتيازاتٍ خاصّةً لدرجةٍ تُخَوِّلها الزعمَ بالألوهيّة. العصورُ القديمةُ مليئةٌ بالمُلوكِ – الآلهة والأباطرةِ الشواهدِ على تَضَخُّمِ وسموِّ السلطةِ بمثلِ هذه المزاعمِ باستمرار. بينما طبقاتُ السلطةِ والدولة التي تُنَظِّمُ نفسها على هيئةِ ثالوثِ الراهب + الحاكِم الإداريّ + القائد العسكريّ، كانت زمرةً محدودةً بحالتِها هذه، وتُشَكِّلُ نسبةً منخفضةً جدّاً من تعدادِ المجتمع. لكننا نَعلَم من أمثلتهم التي لا تُحصى أنّهم باتوا عبئاً ثقيلاً على كاهلِ المجتمع كبدايةٍ للتطفّل. فالأهراماتُ والمعابدُ والحَلَباتُ تُوَضِّحُ ماهيّةَ هذا العبء بأفضل الأحوال.