سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011
Banner Before Header

السلطة المهيمنة المركزية (1)

عبد الله أوجلان –

ينبغي وجود تعريفٍ نظريٍّ للسلطةِ المهيمنةِ المركزية، كونَها مصيريّةً بالنسبةِ لموضوعِنا المِحوريّ. فالنظريةُ الرئيسيةُ القادرةُ على تنويرِ كيفيةِ استدراجِ شعبٍ إلى حافةِ الإبادةِ العِرقية، هي نظريةُ السلطةِ المهيمنةِ المركزية. ونظراً لتعريفِ مصطلحِ السلطةِ كفايةً، فمن الأهميةِ بمكان تبيانُ كيفيةِ قيامِ السلطةِ بإقحامِ المجتمعِ بين فكَّيها ضمن مسارِ التطورِ التاريخيّ. يجب أولاً تبيان الطابعِ المهيمنِ للسلطةِ بشكلٍ جيد. فبُؤَرُ السلطةِ مُرغَمةٌ بالضرورةِ منذ ولادتِها على الدخولِ في تنافسٍ عتيدٍ فيما بينها، ليتحولَ ذلك مع الزمنِ إلى حروبٍ ضارية. في البدايةِ ترمي السلطاتُ من شنِّ الحروبِ إلى إفناءِ بعضِها بعضاً للتحولِ إلى مَنْليثيةٍ  عملاقة. ولدى الإدراكِ بعد فترةٍ ما أنّ هذا محالٌ ولا فائدة تُرجى منه، تُجمِعُ مراكزُ السلطاتِ الأخرى على أنّ الانضواءَ تحت سيادةِ مركزِ السلطةِ الأمنع والأقوى هو أهونُ الشرَّين. فضلاً عن أنّ الحركاتِ المناهِضةَ للسلطة، والتي تنبثقُ دوماً من القاعِ والخارج، تَجعلُ التحالُفَ أمراً لا مفرَّ منه بين أصحابِ السلطةِ الشركاء فيما بينهم في ظلِّ سلطةٍ مهيمنةٍ واحدة (متحكم، قائد رئيسيّ). السلطاتُ المحضةُ استثنائيةٌ في التاريخ. أما القاعدة، فهي الطابعُ المهيمنُ للسلطة. والسلطةُ المركزيةُ يجب تعريفُها بالمركزِ الاقتصاديِّ بكلِّ تأكيد. ذلك أنّ تكاثُفَ السلطةِ المركزيةِ على عُرىً وثيقةٍ مع المركزِ الذي يَسُودُه التكاثفُ الاقتصاديُّ الرئيسيّ. ولدى قيامِ الاقتصادِ المركزيِّ بترسيخِ نظامِه عبر التوسعِ نحو الأطرافِ على موجاتٍ متتالية، فمن الضروريِّ أنْ يَنقلَ ذلك بالتداخُلِ مع توسعِ السلطةِ المركزية. وبِحُكمِ كونِ السلطةِ المركزيةِ بذاتِ نفسِها بنيةً اقتصاديةً مُرَكَّزةً وطاقةً اقتصاديةً كامنةً هي الأقوى على الإطلاق، فهي تَقومُ بتنشيطِ الاقتصادِ مرحلياً، ناشرةً إياه من المركزِ صوب المحيط. ويُبَدِّلُ المركزُ والأطرافُ مكانَيهما ببعضِهما بعضاً على الدوام، حسبَ التكونِ الأعظميِّ للمَكسَبِ ولتراكُمِ رأسِ المال. وهذا الوضعُ بدورِه يجعلُ من المراحلِ المسماةِ بالأزماتِ أمراً لا مهرب منه.
إذن، والحالُ هذه، فالأطرافُ والأزمةُ بمثابةِ السماتِ الأوليةِ التي لا غنى للسلطةِ والاقتصادِ المركزيَّين عنها. إذ لا داعي لتغييرِ المركز، ما دام النظامُ مُثمِرٌ في عملِه. لكن، ومثلما شوهِدَ في التاريخِ بالأغلب، فإنّ محيطاً مُنتِجاً يَقومُ بانطلاقتِه بالاستفادةِ من تداعياتِ الأزمةِ الناجمةِ عن تَطَفُّلِ المركزِ مع مُضِيِّ الزمن. ويُحقِّقُ المحيطُ وثبتَه هذه بإنجاحِ الاقتصادِ أكثر من خلالِ تطبيقاتٍ تكنولوجيةٍ حديثة. والتكنولوجيا الحديثةُ تعني تقنيةً عسكريةً جديدة. وتَبَدُّلُ أماكنِ السلطةِ في هكذا فتراتٍ تاريخيةٍ حاسمة، ينتهي بتكوُّنِ مراكز وأطرافٍ جديدة. وتتأسسُ هيمنةُ السلطةِ مُجدَّداً. ولَطالما يُصادَفُ تَكَوُّناتٌ سلطويةٌ مهيمنةٌ كهذه في التاريخ، تتصاعدُ بطليعةِ قومٍ جديدٍ أو سلالةٍ جديدة. والفصلُ هنا بين مدى التأثيرِ الحاسمِ للاقتصادِ أوالسلطة، أمرٌ ليس ذا معنى. ذلك أنه، وكيفما يستحيلُ على أيةِ سلطةٍ مهيمنةٍ كانت العملُ من دون مركزٍ اقتصاديّ، كذا يستحيلُ على أيِّ مركزٍ اقتصاديٍّ كان أنْ يُعَزِّزَ نفسَه على المدى الطويل، دون التوجهِ صوب إنشاءِ سلطةٍ مهيمنةٍ مركزية.