سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011
Banner Before Header

التدخل الإنساني في سوريا حقيقة أم ماذا؟

لينا بركات –

يقوم التدخل الدولي الإنساني على مبدأ حماية السلم والأمن الدوليين وحماية السكان من الفظاعات التي تسببها لهم الحروب والكوارث.
ويجب أن يكون التدخل بقرار صادر عن مجلس الأمن، وأن يرتكز على النية الحسنة بعيداً عن إيلاء أي حساب لمصالح المتدخلين. لكن التدخلات العسكرية التي حدثت خلال العقود السابقة معظمها، كانت لمصلحة القوى الكبرى القائمة بالتدخل أو للنيل من تطلعات الشعوب إلى الحرية والعدالة أكثر منها لوقف الفظاعات وحماية السكان أو المساعدة في الاستقرار وإعادة البناء، الأمر الذي يُفقدها المصداقية القانونية والإنسانية.
والتدخل الدولي الإنساني هو بحد ذاته مشكلة مثيرة للجدل، فالتدخلات التي حدثت في الصومال والبوسنة وكوسوفو جاءت متأخرةً، وشابتها الكثير من العيوب القانونية والسياسية، وكان لها خلفيات ودوافع سياسية ومصلحية أكثر منها إنسانية. وقد تكون المصالح السياسية وراء إحجام المجتمع الدولي عن التدخل في أحيان كثيرة كما حدث في رواندا عام 1994م، على الرغم من المعرفة بأن هنالك فظاعات ومجازر وشيكة الوقوع.
وتجسد حالة سورية في الوقت الراهن أكبر دليل على تقاعس المجتمع الدولي عن الوفاء بالتزاماته تجاه ملايين الأبرياء، وتقديم المصالح السياسية على المعايير القانونية والإنسانية، على الرغم من الفظاعات التي ترتكب بحق المدنيين. إذ ظن السوريون في البداية أن المجتمع الدولي سيسارع إلى التدخل لحمايتهم من الفظاعات والجرائم التي يرتكبها المتحاربون بحقهم، إلا أن آمالهم سرعان ما تبددت، ولم يتدخل المجتمع الدولي لإنقاذهم على الرغم من ارتفاع درجة العنف والقتل والدمار.
إن المطّلع على مسألة التدخل الدولي الإنساني ودوافع التدخلات العسكرية ونتائجها منذ نهاية الحرب الباردة، ونتيجة تقاعس المجتمع الدولي عن التدخل في حالة رواندا عام 1994م، وفي سورية منذ 2011م، قد يصل إلى نتائج مفادها بأنه تقع على عاتق الدول ذات السيادة مسؤولية حماية مواطنيها من انتهاكات حقوق الإنسان، وعندما تكون هذه الدول غير قادرة على فعل ذلك أو غير راغبة فيه، فعلى المجتمع الدولي تحمل تلك المسؤولية القانونية والإنسانية.
كما أن مشروعية التدخل العسكري لغرض الحماية تتطلب إجماع الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن كلهم، ومن دون ذلك، غالباً ما يفضي التدخل إلى مفاقمة المعاناة الإنسانية للسكان، بدل وقفها.
 وكما أن ميثاق الأمم المتحدة يجيز استخدام القوة من أجل غايات إنسانية، إلا أن الواقع يشير إلى أنه عندما تلتقي متطلبات المصلحة الذاتية للدول بالقدرة على حماية السكان فحسب، سيحصل عندئذ التدخل بدعوى حماية السكان.
ومن المفضل أن يأخذ التدخل الدولي الإنساني الطابع السلمي “الناعم”، كممارسة الضغط السياسي والاقتصادي، والدبلوماسي خياراً أولاً، وأن يرقى إلى استخدام القوة، أي التدخل العسكري ملاذاً أخيراً.
كما أن المساعدات المالية والعسكرية التي تقدمها القوى الإقليمية والدولية لأطراف النزاع لا يمكن عدّها نوعاً من التدخل الإنساني، بل هي صورة من التدخل غير المشروع في الشؤون الداخلية للدول، وتساهم في تأجيج الصراع واستمراريته.
ومازال هذا التقاعس مستمراً بالنسبة للشأن السوري، فأزمة المخيمات والكوارث التي نشهدها اليوم والتي تشكل أزمة حقيقية بات جلياً وواضحاً، حيث هناك عشرات الآلاف إن لم يكن مئات الألاف ممن يسكنون في المخيمات في شروط أقل ما يقال عنها بأنها لا إنسانية والسؤال هنا إلى متى سيبقى الإنسان السوري يعاني بسبب أزمة قوى وصراعات إقليمية ودولية؟