سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011
Banner Before Header

تحطيمُ مفهوم الحداثةِ الكونيّة الأَحَدية

عبد الله أوجلان *

لا ريب أنّ انتقادَ نيتشه للحداثةِ مُهِم، بينما انتقاداتُ الدِّينَوِيَّةِ للحداثة لا تَعني شيئاً، إلا ضمن حداثتها هي (العصور القديمة المتخلّفة عن العصر الحديث). هذا وادعاءُ ميشيل فوكو بأنّ الحداثةَ تنتهي بموتِ الإنسان، أمرٌ هامّ، ولكنه ناقص. أما الاشتراكيةُ المشيّدة، فلمَ تُعانِ من قضّيةِ عيشِ حداثةٍ مغايرة في أيِّ وقتٍ من الأوقات، نظريّاً أم عمليّاً؛ بالرغمِ من اختلافِ مزاعمها. فعندما زَعَمَت الأوساطُ الرسميةُ للاشتراكيّةِ المشيّدةِ مِراراً بأنها حداثةٌ جديدة، إنما كانت تَرمي إلى النهوضِ والنماءِ والتنافس مع الرأسماليةِ في كافةِ الميادين. لقد اعتَقَدوا أنهم أَدنى من الرأسمالية نفسِها إلى قوالبِ الحداثةِ الرأسمالية وركائزِها الأساسيّة (الصناعوية، الدولة القوميّة، ورأسماليّة الدولة عوضاً عن الرأسماليّة الخاصّة)، وحَدَّدوا مَهامَّهم الأوليّةَ في المُضِيِّ قُدُماً نحوَ الأمام من خلالها. وبالفعل، لَم تتأخرْ تجاربُ الاشتراكيّةِ المشيّدة، وفي مقدّمتها التجربتَين الروسيّة والصينيّة، عن إثباتِ أنها الدمُ الطازجُ للحداثةِ الرأسماليّة. ذلك أنّ الهدفَ الوحيدَ لكافةِ حركاتِ التحررِ الوطنيّ، كان بلوغَ الحداثةِ السائدةِ بأسرعِ ما يمكن بوصفها قمّةَ الفوزِ والنصر، وبالتالي تحقيق الحياةِ السعيدة بهذا المنوال. التصوّرُ النظريُّ والممارسةُ العمليّة كانا كذلك، ولَم يتخَلَّلهما الشكُّ بهذا الشأن إلا نادراً.
بَيْدَ أنه لدى انتقادها شكلاً ومضموناً كحداثةٍ سائدةٍ خلال القرون الأربعة الأخيرة، فلن يَقتَصِرَ الإدراكُ على أنها مجرّدُ شكلٍ أخيرٍ لعصورِ (لحداثات) المدنيّة المعمّرة خمسة آلاف عاماً فحسب؛ بل وسوف لن يَكُون عسيراً رؤية وتحليل أنّ جميعَها تابعةٌ لبعضها ومرتبطةٌ ببعضها كما اللحم والظفر، وأنها تتألف من حلقاتٍ متسلسلةٍ متغايرة.
ما سعيتُ لعمله، هو تحطيمُ هذا المفهوم من الحداثةِ الكونية الأَحَدية، مقصدي من التحطيم هو أني جهدتُ لِبَرهَنَةِ وجودِ البديلِ دائماً مع الحداثةِ المهيمنة، وأنه كان حاضراً دوماً رغمَ كلِّ محاولاتِ القمع والتستّر، وأنه استمرَّ بوجوده ونشوئه بشتّى نطاقاته وأشكاله كطرفٍ مقابلٍ في الثنائيّة الجدليّة. قد تَكُونُ تسميةُ الحضارةِ الديمقراطية ناقصة، وقد تقتضي توجيهَ عددٍ جَمٍّ من الانتقادات (الحضارة مرادفةٌ لكلمةِ العصر، والمعاصَرة في التركية الأصليّة، وتعني الحداثة أيضاً). ولكن، فسواءً بالنسبةِ للمجتمعِ كمجتمعٍ تاريخيٍّ (تعاطي فرناند بروديل للموضوع كان مُحَفِّزاً للجرأة)، أم بالنسبةِ للمجموعاتِ بدءاً من مجتمعِ الكلان وصولاً إلى العشائر والقبائل والأقوام والقرى والجماعات الدينية وغيرها من التجمّعاتِ والحركات التي يَكاد يَطفَح بها التاريخ؛ فلَم يَرضَ قلبي ولا ذهنيتي أبداً بإطلاقِ تسمياتٍ بسيطةٍ ساذجةٍ عليها، مِن قَبِيل «البربرية» أو «الرجعيّة الدينيّة» ضمن إطارِ المواقفِ نفسها المَيَّالة إلى المدنيّة (المدينة – الدولة – الطبقة). ولدى إدراكي جيّداً أنّ الدياليكتيك لَم يَسْرِ دائماً كأقطابٍ مُفنية – مثلما يُلاحَظ في النشوء الكونيّ عموماً – لَم يَكُن عسيراً عليَّ تشخيصُ كونِ الحضارةِ أيضاً ذات سياقٍ ثُنائيٍّ، وأنها ليست أَحَدِيَّةً ضمن المسارِ الدياليكتيكيّ غير المُفني للمجتمع التاريخيّ (قد يَكون كذلك بين الحين والآخر، ولكنه ليس هكذا دائماً). الخاصيّةُ التي احترتُ بشأنها وتَعَجَّبتُ لها واغتظتُ منها، هي عدمُ محاولةِ علماءِ علمِ الاجتماعِ الأوروبيِّ المركز في تنظيمِ ومَنهَجَةِ ثنائيّةِ الحضارة هذه على شكلِ حداثتَين مختلفتَين، بالرغم من كلِّ تجهيزاتهم وأدواتهم المذهلة.